يتساءل كثير من النقاد والكتاب المصريين والعرب عن سر التغيرات المطردة في الشخصية المصرية، والانحدار الثقافي والفني الذي يسير بسرعة صاروخية، وكأن بلادنا تصر على الهبوط إلى نهاية المستنقع السحيق، حتى الأعمال التليفزيونية والسينمائية يحاول الباحثون عن الترفيه أن يجدوا مسلسلًا واحدًا أو فيلم بسيط يخرجهم من الحالة الحزينة والمزاج السيئ الذي يظهر على كثير من الناس، وذلك بلا جدوى حقيقية إلا فيما ندر من رواية هنا، أو قصة هناك.

وقد رعى انتباهي في الآونة الأخيرة بعض الحلقات لأحد المسلسلات التركية، وبالرغم من عدم الشغف بالمسلسلات التركية وعدم الاهتمام بمحتواها، وذلك بسبب اعتقادي الظاهري أنها غير مفيدة ثقافيًا أو فنيًا، وربما يعود ذلك للولع العربي الشديد بالعلمانية المنحرفة التي تصبغ معظم الأعمال الفنية التركية، ولكن هناك مسلسلين غيرا تفكيري تمامًا وهما – (على مر الزمان) و(الحلم الأزرق)، وسوف أركز هنا على مسلسل (الحلم الأزرق) (إنتاج عام 2011) الذي أبدع كاتبه في سرد الرواية التي يبدو أنها ترمز إلى السلطة الشريرة التي تحكم العالم، ومن يشاهد المسلسل بعمق قاصدًا تحليله ونقده سيكتشف أن تلك السلالة التي تحاول التحكم بالعباد والبلاد ربما يقصد بها الولايات المتحدة الأمريكية التي لا تعول على المبادئ الإنسانية، ولا يعنيها قتل الناس وتدمير أفكارهم من أجل الوصول إلى السيطرة والتسلط على العالم.

على جانب آخر تظهر القصة في شكلها الظاهري، وكأنها تتحدث عن علاقة السحر بالعلم وكيفية الوصول للخلود في الدنيا، وذلك باستخدام بعض أنواع التعاويذ والتمائم والتركيز على إرادة الناس بمحاولة تنويم بعض ضعفاء القلوب مغناطيسيًا لتسخيرهم في خدمة أهداف علمية مستحيلة، ومن أجل تحقيق تلك الرغبات يقوم الأشخاص الذين يقودون تلك المجموعة بكل الأفعال الإجرامية من قتل، تعذيب، حرق، إجراء عمليات جراحية تجريبية.

ويتضح في الرواية الخيطان الشديدو الاختلاف، وهما الإيمان والعلم السحري الشرير، وتتصارع الشخصيات والأحداث في حبكة درامية غاية التشويق والإثارة، بغرض إثبات حقيقة لا شك فيها بأن الله العظيم الحليم هو القادر الحكيم الرحيم، وإن الله طيبًا لا يقبل إلا طيبًا، وأنه يساعد المؤمنين والمظلومين، وتظهر روعة مخرج هذا العمل في دقته في استخدام الصور التعبيرية والإضاءات الخافتة أو الباهرة كرغبة في التأثير على المشاهدين وتوصيل المعنى الذي يرنو إليه الكاتب في إطار درامي شديد الإبهار.

وقد برع الكاتب بشدة في رسم الشخصيات، حيث دمج بين الواقعية في بعض الشخصيات والشر مع القسوة المطلقة في البعض الآخر، وأخيرًا المثالية في شخصيتين فريدتين هما البطلة الشابة (ميدا) التي أطلق عليها في المسلسل اسم (زينب)، وابنة أختها (بشرى) البطلة الصغيرة، لقد كانت زينب من الأفراد أصحاب الشخصية المثالية الذين يتسمون بقوة الإرادة والإيمان الشديد بالله عز وجل، ولهذا فلم يؤثر بها السحر والمؤمرات لقوة قلبها وثقتها برحمة الله سبحانه وتعالى، أما بشرى فهي الطفلة الصغيرة التي آمنت بأفكار خالتها الإيمانية عن عدل الله سبحانه وتعالى ونصره للمؤمنين، ولقد برع المخرج هنا مرة أخرى باستخدامه لموهبة هذه الطفلة المتميزة.

بحثت كثيرًا لمحاولة معرفة بعض النبذات عن أبطال مسلسل الحلم الأزرق فهالني ندرة المعلومات، بالرغم من شدة إتقان هذا العمل الجذاب الذي يعلم الأطفال قبل الكبار معنى الإيمان والتقرب إلى الله عز وجل، وأن التدين وحب الله تعالى ليس بالانقطاع للصلاة في المساجد، بل إن الصلاة الحقيقية هي التي يعقبها العمل وخدمة الناس، وإن النصر على قوة الأشرار وبأس الأعداء الكارهين للدين والإيمان ليس صعبًا، بل هو يحتاج فقط إلى القوة الإيمانية والروحية والثقة بنصر الله الحليم العظيم.

وبكل صراحة فإنني أصابني بعض الحزن على بلدي مصر رغم شدة حبي لتركيا، وذلك لأن السينما المصرية كانت تسير دائمًا بخطى ثابتة خلف المبادئ الأمريكية المتحررة من كل شيء، فهي سينما تقدس العرى والإغراء، ولكنها بالتأكيد كانت تمتلك محتوى هادف وقيم، أما الآن فلقد أصبحت السينما المصرية بلا أخلاق وبلا مضمون، وأتساءل لماذا لا يقدم حتى عمل واحد تليفزيوني أو سينمائي بهذا الرقي والإبداع التركي، فلقد كانت مصر رائدة في الأدب والفن والفلسفة، ويكفي أن نقرأ رواية جميلة مثل «حديث الصباح والمساء» أبدع صناعها في المسلسل الذي ربما كان العطاء الأخير للمسلسلات المصرية، وبالرغم من روعة هذا العمل التليفزيوني، إلا إننا صدمنا قريبًا بحذف مشاهد تمثيلية منه للفنان عمرو واكد لمجرد أنه من ضمن المعارضين السياسيين لنظام الحكم.

فهل أصبحت مصر خالية إلى هذا الحد من المبدعين، وهل أصبح تصنيف المبتكرين والفنانين على أساس الولاء السياسي دون النظر إلى القيمة الفنية والفكرية؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد