تضعنا الحياة أمام اختبارات كثيرة تدفعنا لاتخاذ قرارات تساعدنا فيما بعد على اكتساب الخبرة والمعرفة في حياتنا وخاصة تلك القرارات التي تتخذ بعد تفكير وإيمان واقتناع، فهذه القرارات هي نتيجة لبعض المبادئ والأفكار التي تربى عليها الإنسان وترعرع كما يمكنها أن تكون طريقه إلى المعرفة التي يتبنى على إثرها أفكارًا ومبادئ جديدة يدافع عنها بكل شراسة وقوة وإيمان وقناعة فيما بعد، لكن هناك مسألة ما زال النقاش محتدمًا حولها وخاصة في الآونة الأخيرة ومع انتشار المواقع ووسائل التواصل الاجتماعي التي جعلت لكل شخص منبرًا يدافع من خلاله أو يرفض الحجاب.

الحجاب في اللغة هو الستر وشرعًا هو ستر المرأة جميع بدنها وزينتها، هذا فيما يخص تعريف الحجاب بعيدًا عن الرفض والمنع أو التأييد، لأن هذه المقالة هي أبعد من أن تكون مقالة أعبر بها عن رأيي في الحجاب بل هي مجرد استطراد أو تحليل لحالات بعض النساء المتحجبات اللواتي عرفتهن.

فنظرة بعضهن للحجاب لم تتعد كونه موضة ظهرت وانتشرت في وقت ما مما اضطر البعض لاتباعها ومجاراتها لمسايرة العصر وبالنسبة للبعض الآخر هو التزام وطاعة لأوامر الآباء وإذا حدث وأن خفين عن أنظارهم خلعنه كل الخلع وهذا يحدث كثيرًا في صفوف الثانويات وقد عاينته بنفسي حيث يرتدين ثيابًا أخرى تحت الثياب المحتشمة، لكن الغريب أنهن إذا ما أقحمن في نقاش حول الحجاب تجدهن مدافعات عنه وكأنهن به مؤمنات، هؤلاء اللواتي لا يشبه ظاهرهن باطنهن، يمشين في مسار رسمه لهن الخوف من الناس وأفكارهم والمجتمع وتقاليده والآباء وسيطرتهم، لا يفقهن في الحياة شيئًا ولا يملكن عن الإيمان علمًا ولا يملكن القدرة على البحث حتى يتمكنَّ من الرفض أو القبول، فتجد ظاهرهن المستور ولسانهن المدافع عن الحجاب عكس لسان حالهن الذي يقول عن غير المحتجبات يا ليتني مثلهن أظهر شعري وأستمتع بجمال جسدي.

عادة هؤلاء اللواتي يعشن هذا التناقض قد فرض عليهن ارتداء الحجاب في مرحلة عمرية كن فيها صغارًا لا يفقهن في الحياة شيئًا ومع الوقت تبدأ أفكارهن بالتخبط وتلقى إرادتهن ورغباتهن مصيرًا واحدًا وهو الضياع بين آراء تلتقطها آذانهن من هنا وهناك، فلا هن راضيات كل الرضا ولا رافضات كل الرفض، تمامًا كما هو حال صديقة لي تتمتع بتغيير صورها على مواقع التواصل الاجتماعي مرة بالحجاب ومرة من دونه وإذا ما سألتها أن تخلعه ثارت في وجهك وقالت إنها ترتديه عن قناعة منها وتصديق وإيمان بأنه فريضة على كل امرأة مؤمنة، ولكن إذا ما سألتها في زمان ومكان آخر عن ما إذا تم قبولها في الوظيفة التي تتمناها والتي تشترط على الملتحقات بها أن يخلعن الحجاب لأجابت إنها ستفعل ذلك ناسية تمامًا أن النية أبلغ من العمل وأن صلاح القلب بصلاح العمل، وصلاح العمل بصلاح النية.

إن هذا التخبط والضياع الذي تعيشه هذه الفتاة هو نتيجة للجهل وغياب القدرة على مواجهة وتحمل نتيجة قراراتها واختياراتها خاصة وسط مجتمع متفككة آراؤه كل يفتي على هواه، بالإضافة إلى أقاويل الناس ووسوستهم في أذنيها بأن تخلع الحجاب بدعوى أنها لا تزال صغيرة ولم تعثر بعد على عريس وأن الحجاب الذي تغطي به شعرها من شأنه أن يمنع عنها زوجًا خيِّرًا. وكإضافة إلى هذه الفئات هناك من تربط ارتداء الحجاب بالمستوى المعيشي في المستقبل فتجد فكرتها عنه تكمن في أن العيش الرغيد والطيب يعني الاستمتاع بالحياة مالًا وجسدًا والعيش المتعسر الضيق يستوجب الحجاب.

في المقابل هناك من لا تقبل بارتداء الحجاب خوفًا من عدم القدرة على الالتزام به أو الإخلال بأحد تعاليمه ويبقى الحجاب بالنسبة لها فعلًا يساعد على تقويم النفس وتهذيبها وارتداؤه يحتم الالتزام به كل الالتزام والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يعارض مبدأ الستر والاحتشام مع احتفاظها بفكرة أن عدم ارتدائه لا يلغي أخلاق المرأة وتشبثها بالدين.

في النهاية إن الحروب التي شنت على الحجاب والحملات الداعية لخلعه لا يمكنها أن تعبر عن رأي أشخاص واعين ومثقفين ومؤمنين بالحريات الفردية بغض النظر عن ما إذا كان الحجاب فريضة على كل امرأة مسلمة أم اختيارًا منها، فستر الجسم عن قناعة لا ضير فيه، صحيح أن الإيمان في القلب وليس الجسد وأن الله عليم بما في الصدور لكن هذا لا يمنحنا الحق في التدخل في حياة الآخرين ودعوتهم إلى التخلي عن ما به هم يوقنون إلا إذا ما ثبت أن هناك خللًا في أفكاره فحينها فقط نستطيع التدخل للإنارة ومد يد العون من أجل إدراك الحقيقة ومن ثم القناعة، وإلا ما الغاية من فعل شيء له عند الله عنه جزاء كبير دون قناعة أو نتيجة ضغوط وارتباط بقيود اجتماعية ما الغاية من ارتداء الحجاب إذا لم يبعث في داخل المرأة الشعور بالراحة النفسية والرضا عن نفسها وعملها؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد