لم أكن في حاجة إلى منبه صباحي، منذ أن جاء إلى دارنا جيران جدد. فقد كان صوت المرأة وحده قادرًا على قطع نوم دب في سبات شتوي. كنت أحتسي قهوتي على إيقاع شرخ العظام وأنام على أنين المرأة المكلومة ونشيجها. كنت على وعي تام بأن جميع السكان يسمعون عجيجها دون هجة أو رجة. قررت كسر هذا الصمت وانتشال روح هذه المستضعفة من نحب آت.

كان الفضل يعود إلى المجتمع المدني الذي ناضل وما زال من أجل حقوق المرأة والطفل. وبعد البحث المضني مع الظنين، اتضح أن السبب يمثل في إنجاب هذه المرأة لطفل من ذوي الاحتياجات الخاصة، كانت تؤدَّب لأنها لم تستطع السيطرة على رحمها. أليس التأديب من شأن الدين؟ كلمات يتشدق بها المعنفون لتكون مبررًا لتصرفاتهم الشاذة. أسباب واهية تافهة تجعل من نساء في عمر الأزهار يلقون مصرعهم على يد أقرب المقربين لهم.

لم يكن العنف وليد اليوم؛ فقد حكم عليها منذ القدم بالوأد وهي رضيعة لا لشيء فقط لأنها أنثى. كانت متاعًا، سلعة تعرض في الأسواق كالحرير والديباج، شرع فيها البيع والشراء والتوريث.

عرفت الأمم المتحدة العنف ضد النساء والفتيات بأنه «أي فعل من أفعال العنف القائم على النوع الاجتماعي يؤدي، أو من شأنه أن يؤدي، إلى أذى أو معاناة جسدية أو جنسية أو عقلية للنساء والفتيات، بما في ذلك التهديد بمثل هذه الأفعال أو الإكراه، أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء في الحيز العام أو الخاص. يشمل العنف ضد النساء والفتيات، على سبيل المثال لا الحصر، العنف الجسدي والجنسي والنفسي الذي يحدث في الأسرة أو داخل المجتمع العام، والذي ترتكبه الدولة أو تتغاضى عنه».

لن أتحدث اليوم عن النسب والأرقام التي باتت تشنف أسماعنا صباح مساء، ولا عن كيفية القضاء على العنف في سبعة أيام. فالعنف عنصر متغلغل في عيشنا اليومي. نتيجة العزلة الطويلة داخل البيوت من جراء وباء كورونا، كان العنف بجميع أنواعه ضيفًا على أغلب الأسر في جميع بقاع العالم. أعرب المدير العام لمنظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس بأن «العنف ضد النساء منتشر كالوباء في كل البلاد والثقافات، ويسبب الضرر لملايين النساء وعائلاتهن، وقد تفاقم هذا بسبب وباء كورونا، لكن، بخلاف كورونا، وباء العنف ضد النساء لا يمكن إيقافه عن طريق اللقاح».

وقد أضافت فومزيلي ملامبو نجوكا نائب الأمين العام والمديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة: «منذ انتشار كوفيد-19، أظهرت البيانات والتقارير الواردة أن كل أشكال العنف ضد النساء والبنات، خاصة العنف المنزلي، اشتدت في ما وصفناه بأنه (جائحة الظل). لقد توسعت دائرة العنف وتفاقم الوضع أكثر من السابق، وتحولت أغلب البيوت إلى جحيم، كيف لا وقد تسببت الجائحة في الكثير من الضغوط النفسية والتعثُّر المادي للأُسر نتيجة زيادة الصعوبات الاقتصادية. ناهيك عن تفكُّك شبكات الحماية الاجتماعية.

كانت نتائج كورونا كارثية حقًّا على الجميع، لكن كانت هناك فئة تضررت بشكل كبير. تحملت أغلب النساء العبء الأكبر لهذا الوباء؛ فقد زادت نسبة العنف ضدها، فضلًا عن فقدان أغلب النساء وظائفهم فقد تعددت أساليب التعنيف (الجسدي، الجنسي، النفسي، اللفظي..) كل هذه الأنواع والأشكال كفيلة بهدم الكيان الأسري. الاتحاد لإنهاء العنف ليس كافيًا، عقد المؤتمرات، أخذ الصور، الاجتماعات، المناظرات، سن القوانين ثم ننسى الموضوع. لحل المشكلة يجب البحث في جذورها والسبب وراء تغلغلها في المجتمع.

قبل الولوج إلى وظيفة نحتاج شهادة مهنية معتمدة تخول لنا القيام بمهامنا. وقبل أن نقود السيارة نحتاج الى رخصة قيادة. بطاقة تسمح لنا بالقيادة. ولكن ماذا عن قيادة الأسرة؟ ألا نحتاج أيضًا إلى شهادة كفاءة لبناء أسرة؟ ألسنا في حاجة ملحة إلى مراكز التكوين قبل الزواج؟ تدخل المرأة مؤسسة الزواج تحمل بين يديها قاموس «العيب، والحرام» ومنهج تربية يتضمن مزيجًا من العادات والتقاليد التي ينبغي لها بدورها أن تنقلها إلى أبنائها، لتنال الرضا الاجتماعي عنها بوصفها زوجة صالحة وأمًّا فاضلة. يكفي أن تتبرم أو تتمرد على أحد هذه الأساليب وتجد زوجها المصون أول من يرميها شوكًا، كيف لا وقد وجد أمه تصغي في إذعان وخضوع، تنفذ الأوامر وحسب، ولا يجب عليها معارضة زوجها المبجل.

إذن فدائرة التغيير لن تقف هنا، بل ستمس الجانب المنسي من العنف وهم الأطفال. التحسيس، التشجيع، الاتفاقيات… لا جدوى منها، فلكي نقف بوجه العنف والتصدي له، يجب تغيير المنهج الدراسي واستبدال منهج ودليل جديد به، وكذا تعديل نظام التعليم وطرقه، وجعل التربية وتعليم السلوك من الأوليات والأساسيات.

كل هذا لإنتاج أفراد تمتلك إرادة حرة، تعي سلوكياتها وتحترم ذاتها والآخر، تعرف واجباتها واعية بشكل كامل إزاء مسؤولياتها. هكذا فقط نستطيع أن نقول وداعا للعنف. هكذا فقط يمكننا أن نخرج من سراديب العنف الأسري المظلمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد