ليس من السهل أن تخوض في موضوع حسّاس كالعقيدة التي يجتمع الناس حولها بين قطب ومريد. لكن التواضع المجتمعي لا يعني الصواب دائمًا، فالكم لا يعني الكيف، وليس العدد بدال على المعدود دائمًا. وفي هذا المقال نحاول كشف النقاب عن موضوع خروج يأجوج ومأجوج كعلامة من العلامات الكبرى التي تسبق نهاية العالم، وكما أخبر عنها القرآن الكتاب المقدّس عند المسلمين وتحديدًا في أواخر سورة الكهف، حين بلغ ذو القرنين بين السدّين ووجد عندها قومًا لا يكادون يفقهون قولا، اشتكوا له من بطش وإفساد قبيلتين هما يأجوج ومأجوج. فبنى لهم السد ليحول بينهم وبين القبيلتين. لكن المتمعن في المادّة اللغوية للقرآن، يلحظ دقّة العبارات التي اختارها النص القرآني للتعبير عن موضوع يأجوج ومأجوج، وهذا ما سنبيّنه في المقال بعيدًا عن الإسقاطات التاريخية للتفاسير الدينية.

أوّلا، في الموروث الفكري للعرب والمسلمين وحتّى المشتشرقين يأجوج ومأجوج هما اسمان يشتقان من عدة أقوال ومصطلحات، ولعلّ أشهرها الأقوال التالية: القول الأول أنهما مشتقان من أجيج النار والأجيج هو صوت النار المضطرمة، أما القول الثاني فيسند الاسم إلى الأجاج وهو الماء شديد الملوحة، والقول الثالث يؤكّد أنّ الاسمين مشتقان من الأج ومعناه سرعة العدو، فيقال فلان لا يقو على الأج أي على الركض، وفي قول آخر اشتقّ اسما يأجوج ومأجوج من ماج يموج موجًا بمعنى اضطرب، وذلك لقول الله تعالى في سورة الكهف الآية التاسعة والتسعون: (وَترَكنا بَعْضَهُم يَومَئذٍ يَموجُ في بَعْض).

أما في أصل قواعد اللغة العربية كلسان العرب وجمهرة اللغة فاسم يأجوج يأتي على وزن يفعول، واسم مأجوج يأتي على وزن مفعول أو فاعول. أمّا من الناحية التاريخية فقبيلتي يأجوج ومأجوج ينسبان إلى ذرية يافث ابن النبي نوح عليه السلام. هذا المدخل، أردناه للتأطير الديني والمعتقدي للمسألة، لكن بتحويل زاوية النظر نحو الجانب التفسيري العلمي المستند إلى ثوابت لغوية دقيقة لا يمكن للقرآن إلاّ أن يؤسس لها وخاصّة أنّه يحمل أصلا كاملًا لغويًا داخله، ألا وهو الإعجاز اللغوي في القرآن.

أوّلا ذكر يأجوج ومأجوج جاء في موضعين اثنين فقط، أوّلا في سورة الكهف: (حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْمًا لَّا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا سَاوَىٰ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)). نلحظ هنا رفض ذي القرنين فكرة بناء السدّ ففقال أجعل بينكم وبينهم ردمًا ولم يقل سدّا، ناهيك أنّ هذا الردم ليس من الحجارة بل من الحديد والنحاس بدليل الآية آتوني زبر الحديد ثمّ عندما صار الحديد نارًا، قال آتوني أفرغ عليه قطرًا أي النحاس. وهذا الردم قد انقضى، لقول الله: حتّى إذا جاء وعد ربّي جعله دكّا. ثمّ أغلق القرآن هذا الموضوع نهائيًّا ولم يعد إليه إلاّ في سورة الأنبياء الآية 96: (حَتَّىٰ إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ). نلحظ هنا دقّة التعبير اللغوي للقرآن الذي نزل بلسان عربي مبين، وهذا اللسان العربي لا يمكن أن يستعمل فعل الفتح المباشر على قوم مسجونين، بمعنى لو كان يأجوج ومأجوج فعلا مسجونين خلف ردم أو سدّ لكانت الآية تستعمل حرف الدلالة المكانية (على) فتصبح حتّى إذا فتح على يأجوج ومأجوج، ففتح على عكس فتح الباب، ففتح على يعني أنّ هناك من يوجد خلف الباب ونحن من يفتح عليه، أما فعل الفتح المباشر فيعني انه انفتح ذاتيًا.

ثانيا نلحظ لفظة من كلّ حدب، فالآية تؤكّد أنّ المقصودين هنا يأتون من كلّ مكان، فكيف ينسلون من كلّ حدب وهم محبوسون في مكان واحد؟ إذن يبقى السؤال: من هم يأجوج ومأجوج؟ هنا، يجب أن نقف عند أمر مهم جدًّا، كون القرآن لا يخاطب الأشخاص بأسمائهم، لم يقل رمسيس الثاني بل قال فرعون، لم يقل تبت يدا عبد العزّى بل يدا أبي لهب، يعني أنّ القرآن يخاطب الصفات، فكلّ المفسدين في الأرض هم يأجوج ومأجوج لأنّهم من أجّج النار وماج البحر، واليوم في ظلّ الحروب في السماء والبر والبحر نرى الفساد والإفساد في الأرض والقتل والتقتيل والدماء تسيل بكثافة، لهذا يأجوج ومأجوج ليسوا مختبئين خلف سد، بل هم كلّ المفسدين الذين استباحوا البشر والشجر والحجر.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد