يدرك اليوم الشباب العربي أكثر من أي وقت مضى أهمية المشاركة السياسية بالنسبة لهم ولمجتمعاتهم ومستقبلهم، وتعد عملية مشاركة الشباب في القرار ضرورةً ملحةً في الوقت الراهن أكثر من أي وقتٍ مضى؛ لأن ذلك مرتبط بسيرورة المجتمع وتطوره. فلا يمكن الإبقاء على هذا الخزان الكبير راكدًا دون الاستفادة منه، وتوظيفه التوظيف الجيد الذي يعود بالفائدة على البلاد، فهناك العديد من الحواجز تحول أمام المشاركة الفاعلة للشباب في الحياة السياسية وفي صنع القرار.

إذ يبقى السبب الرئيس في نظري هو عدم الثقة في بنية العملية السياسة، وفي مكوناتها ومخرجاتها، فالمواطن اليوم أو الشاب لا يُعبر عن موقفه السياسي؛ لأنه يرى أن العملية السياسية ومخرجاتها لا تصب في مصلحته، أو أنه لا يستفيد شيئًا من العملية السياسية؛ مما خلق انطباعًا عامًّا بعدم أهمية المشاركة، وهو الانطباع أو الإحساس الذي يزكيه مشايخ الساسة؛ لأنه يضمن لهم البقاء في مناصبهم والاستفادة منها لأكبر فترة ممكنة. ومشكلة أخرى وهي نظرة الشباب للعمل السياسي، إذ اقترنت الممارسة السياسية بمفهوم الريع والمصالح. كما أن التغيير لا يتم وفق الطرق الديمقراطية الشرعية؛ بل يتم عبر التزوير وشراء الذمم، ما جعل الممارسة السياسية تدخل في خانة التهم. وما أزَّم هذا الوضع، هو الصراعات والانشقاقات التي تطال الأحزاب السياسية، التي جعلت الشباب يعزف عن الممارسة السياسية، والتي أصبح يراها وسيلةً لتحقيق المصالح الشخصية والكذب على الناس. من جانب آخر يجب التذكير أن مؤسساتنا الحزبية ومؤسسات الدولة، وللأسف لا تؤدي وظيفتها المخولة لها من طرف الدستور وقانون الأحزاب المتمثلة في تأطير المواطنين وتربيتهم على الثقافية السياسية وقيم المواطنة، وعجزها الكبير في استقطاب الشباب وكسب ثقتهم والمثير للعجب، أن هذه الأحزاب غير متواجدة أصلًا في القرى والأرياف ولا تعرفها إلا من خلال الانتخابات مما يزيد من تعقيد مسألة تواصل الشباب معها، وبالتالي يولد فقدان الثقة فيها وهذا شيء ليس في صالح الديمقراطية، ولا السياسة خاصةً أن بلداننا العربية تطمح إلى تحقيق انتقال ديمقراطي حقيقي في جميع أجهزتها. وهناك حاجز آخر وأخير أمام مشاركة الشباب الحقيقية و الفعالة في صنع القرار، وهي في الشباب أنفسهم؛ فافتقارهم إلى الخبرات والقدرات وجهلهم بخبايا الحياة السياسية أزَّم الوضع كثيرًا، ويعود ذلك إلى ضعف برامج بناء القدرات وسوء التخطيط من جانب القيادات. وفي رأيي أن القيادات تتعمد عدم تزويد الشباب بفرص بناء القدرات لخشيتها من أن يتفوق الشباب الماهر عليها؛ فالقيادة ما زالت تخشى الشباب و لا تزال تعدهم خطرًا و ليسوا فرصةً لصنع الحل.

قبل كل شيء وجب علينا العودة للواقع وتسليط الضوء على بعض الحقائق، إذ إن حكوماتنا العربية وبالخصوص وزاراة الشباب لم تستفد أو بالأحرى لم تستثمر في شبابها، والذي يشكل الجوهر والعمود الفقري لنهضة الأمم؛ إذ تزخر المجتمعات العربية بكمٍّ هائل من هذا المؤهل. فلو آمنت حقيقةً بشبابها ووضعت فيهم الثقة وأطرتهم، لما كنا وصلنا لما نحن فيه الآن إذ إن آمال الشباب في هذه المجتمعات كبيرة جدًّا؛ فالخيارات المتاحة في أيامنا تلك، خيارات تفرض ذاتها على الساحة ولا يجد الشباب مناصًا غير الأخذ بها. لكنني اليوم أركز على دور قادة الحكومات العربية في إنقاذ ما تبقى لدى دولهم من شباب، فعليهم الآن الاستفادة من الخبرات للمشاركة الفعالة للشباب في صنع القرار وفي الممارسات السياسية حول العالم، ومحاولة تطبيقها بما يتماشى مع إمكانيات الدول ويحقق أهدافها. نقطة ثانية و هي إتاحة مساحة ضمن صفوف القيادة السياسية للأعضاء الشباب، وسن قوانين تسمح للشباب بالانخراط في الحياة السياسية، أهمها تغيير سن الالتحاق بالعمل السياسي. إذ إن معظم الدول العربية تحدد سن 30 سنة فما فوق لإمكانية الخوض في غمار الحياة السياسية؛ فالنضج السياسي، ليس له علاقة بالسن و 30 سنة هنا لا يعد شابًّا. ويجب أيضًا على حكوماتنا العربية تطوير برامج بناء القدرات المستهدفة التي ترتكز على تعزيز مهارات و خبرات الشباب، و تصميم برامج محددة لبناء القدرات تمكن الشباب من فهم أفضل للممارسات السياسية وتوفير برامج تدريب مهنية، تساعد الشباب على الخوض في غمار الحياة السياسية. وأخيرا لا بد لنا من تعزيز الآليات والعمليات الديمقراطية في جميع المؤسسات ذات الطابع السياسي، لضمان اتخاذ القرارات على أساس توافق الآراء بدلًا من تربية فئة جديدة من القادة السياسيين الشباب، ترث الممارسات الاستبدادية من الجيل القديم. و يجب على الحكومات الشروع في معالجة ثقافة الإقصاء والسرية والتهميش والبروقراطية، التي تجعل الشباب يتخوف من الدخول في الحياة السياسية.

وأخيرًا أقول إن معالجة الرهانات والتحديات المطروحة على العالم العربي، لن تأتي إلا بفعلٍ سياسي قوي وديمقراطي يكون الشباب من خلاله فاعلًا رئيسيًّا، حقيقيًّا ومباشرًا مما يحتم على كل الفاعلين رسم سياسات وخطط متوسطة وطويلة تكون محصلتها وضع الشباب في سياقهم المجتمعي الصحيح قوةً مغيرة رئيسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد