صديقي أينما كنت وداعًا، مهلكة هي الحياة حينما تمضيها منتظرًا طعنة في ظهرك كطعنة بروتوس لقيصر، دع الحياة تمضي، والمشاعر تتغير، والقلوب تتقلب، لكن وحده هدفًا تؤمن به بشدة، قادر على أن يمنح لحياتك معنى. وحده صديق يقف بجانبك في لحظات حزنك قبل سعادتك، ويكون دائمًا هناك حينما تحتاجه يغنيك عن ألف علاقة زائفة. أعرف فتاة كانت دائمًا ما يخذلها أصدقاؤها، وحينما جاءت من تختلف عنهم، كانت قد قررت أن تخلق المسافات بينهما؛ لأنها توقعتها مثلهم، ثم ندمت بعد رحيلها؛ لأنها وحدها من كانت حقًّا تختلف.

خذلان البعض لنا يغير شيئًا بداخلنا دون أن نشعر، فنخفي براءتنا وندفن طفولتنا تحت أرقام هي في واقعها أعمارنا؛ ليصبح علينا أن نلتزم بما رسخوه في أذهاننا، ونخاف من همسات من حولنا، ومما يمكن أن يظنوه إذا ما ارتكبنا شيئًا. إن هناك ثلاثة قيود في الفلسفة تحكم الإنسان: الدين، والضمير، والمجتمع، وقد أجمع الفلاسفة أن المجتمع كان أقواهم، لكن، هل هذا صحيح؟

ما سأرويه لكم قد يجعلكم تفكرون ألا تأخذوا أفكار الآخرين كمسلمات؛ بل أن تكونوا أنتم آراءكم الخاصة.

فهذا هو راسكولينكوف، شاب يبلغ من العمر 23 عامًا، وطالب جامعي سابق، ذو شخصية انفصامية، من جهة بارد، غير مبالٍ، ومعادٍ للمجتمع، ومن ناحية أخرى، يمكن أن يكون محبًا دافئًا وحنونًا، لقد عزل نفسه في غرفته وامضى حياته خائفًا، يخاف من التعلق؛ لذا فبدلًا عن أن يبني جسورًا بينه وبين الناس بنى ألف سد وسد، لم يعرف الحب يومًا، وهكذا قرر أن في وحدته ما يجنبه الألم.

تسيطر عليه أفكار غريبة وهو مستلقٍ على سريره محدقًا في سقف الغرفة، أنه يريد أن يكون عظيمًا كنابليون، ترك لخياله العنان، وغدا الشيطان مسيطرًا على أفكاره، فتترسخ في ذهنه فكرة القتل، قتل تلك المرابية العجوز التي تستغل حاجة الآخرين للمال؛ فتعطيهم مقابل أن يردوا لها الضعف حينًا، فنراه يخرج من حجرته التي نادرًا ما يخرج منها، ويهبط ذاهبًا إلى المرابية، ويظل يتلفت حوله خوفًا من أن يراه أحد الدائنين الذين يترددون عليها، وبالفعل يذهب إليها مدعيًا أنه زبون، وعلى حين غفلة يقتلها بالفأس، وتأتي شقيقتها فيقتلها أيضًا، ويسرق كل مال العجوز وأشياءها الثمينة. يخرج ويركض محمومًا حتى يصل إلى منطقة نائية فيحفر حفرة، ويدفن كل ما سرقه تحت حجر كبير، يبرر قتله لها على أنه قد قام بتخليص العديد من الدائنين منها، ومن خبثها، وتارة يقول: إنه كان فقط في فقر شديد ويحاول أن يساعد أمه وشقيقته، ويواجه صراعًا داخليًّا شديدًا، العجيب أنه لم يمسس ذلك المال قط؛ بل إنه لم يجرؤ على الاقتراب منه، فأين كان ضميره؟

كان ضمير راسكولينكوف حيًّا بداخله قبل تنفيذ الجريمة، لكنه أصبح حارًا، مهاجمًا له بعد الجريمة. ظهر الضمير بصورته الكاملة في شخصية سونيا الحزينة. سونيا هي ابنة السكير مارميلادوف: شابة مطلقة البراءة، في الثامنة عشر من عمرها. تم الزج بها في حمأة العار لإطعام إخوتها الصغار، وإعالة أبيها السكير، وزوجة والدها المصابة بداء السل. تعيش في عالم مسعور لا يعرف الرأفة ولا الرحمة، وتضحي بجسدها لإعالتهم، هي فقط من تعرف سره، وحينما يسألها عما يفعل، تصرخ: اذهب فورًا، هذه اللحظة، اذهب وقف عند الطرقات المتشعبة، انحنِ إلى العالم كله، وقل للجميع بصوت عالٍ، لقد قتلت! عندها سيعيد الله لك الحياة، فيذهب بالفعل ويعترف بكل ما فعل، ويودع السجن في سيبيريا على ضفة نهر.

بعد سنة ونصف يكون هو في السجن، وتكون سونيا قد عملت خياطة، وتأتي لزيارته بالرغم من مرضها، يقفان هناك على الضفاف، وهو يعمل كسجين، تبتسم له وتمد يدها برقة، فيبكي ويمسك يدها، وتخاف منه، ثم تفهم أنه يحبها، يحبها بلا حدود، إنها صديقته التي أنقذته من نفسه، هي فقط من رأت فيه ما لم يره هو في نفسه.

إنها من أعظم الحبكات التي صاغها دوستويفسكي، هل تتفقون معي الآن أن الضمير هو أقوى قيود الإنسان أم مع الفلاسفة أنه المجتمع؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد