أعتقد أنّي لو تقدّمتُ لاجتياز درجة الماجستير في الجامعة فسيكون ذلك في مجال النقد والبلاغة، وسيكون عنوان رسالتي: (أفضل المناهج في الإجابات التي تصيب السائل بالفالج)! أو شيئًا من هذا القبيل. وتعرف أمّي – حفظها الله – أنّ لي باعًا في هذا المجال.. ما علينا. كانتْ هذه المقدّمة تحذيرًا ضمنيًّا لمرهفي القلوب من متابعة القراءة.

لم أكن أريد أن أكتب شيئًا، وأن أكتفي بقراءة ما كتبه الكثيرون والكثيرات عن (العام السابع للثورة السورية)، لكنّي لمّا وجدتُ الكلمات تتدافع داخلي مثل حموضة معدة توشك أن تتحوّل قيئًا، قرّرتُ أن أفرغها بأفضل و(أهذب) طريقة ممكنة، ويشهد الله أنّي حاولتُ جهدي.

1. ما معنى الثورة؟

لا توجد إجابة واحدة لهذا السؤال، كما كلّ الأسئلة التي تتناول المفاهيم والعقائد والأفكار. في النهاية كلّ إنسان سيجيب بحسب تراكماته النفسية. خذ هذا الكلام وطبّقه على الملايين، كيف تتوقّع منهم أن يتّفقوا إذًا على راية واحدة، وعلى فكرة واحدة؟ حتى لو تمّ الاتفاق على الفكرة الكبرى المجرّدة (مثل اتّفاق ملايين المسلمين حول العالم على شهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله)، فأيّ تفاصيل بعد ذلك سيتّفقون عليها! هذا كلام خياليّ، ولو كنّا نقرأ التاريخ، لعرفنا ذلك دون جهد، لكن التاريخ الذي قرأناه كان زائفًا، ولم تُخلَق في أنفسنا رغبة التفتيش عن الحقيقة. وحتى الآن، ما زال معظم من الناس لا يحاول التفتيش عن الحقيقة، وإمّا أنه يقرأ ولا يفهم، وإما هو يقرأ ويفهم لكنه لا يدري ما يفعل.

وإذا أردنا أن نحسبها بالأرقام من مئة تكون الحسبة كالتالي (دراستي أدبي بعيد عنّك): مائة تلقّوا تعليمًا تاريخيًّا زائفًا، خمسون فقط شعروا بالرغبة لاحقًا في معرفة التاريخ الحقيقي، أربعون بحثوا فعلًا، ثلاثون منهم قرأوا فعلًا، عشرون فهموا، وعشرة حاولوا تطبيق ما فهموا، خمسة ماتوا في حادث (مدبّر والله أعلم)، وخمسة ملاحقون من التسعين الباقين الخائفين/الرافضين/الحائرين! وخيارهم: إمّا النجاة بحياتنا أو تطبيق ما فهمناه. فالثورة ما تريده أنت، وأنا، وكلّ آخر.

2. لماذا عليّ أن أتّخذ موقفًا من الثورة السوريّة إذا كنتُ سوريًّا؟

أخبرني أوّلا: ما معنى سوريّ؟ يعني أنّكَ تحمل جواز سفر سوري؟ أم أنك ولدتَ وتربّيتَ على الأرض السورية؟ أم أنّك تنحدر من أبوين عاشا في سوريا منذ زمن؟ أم هذه كلها معًا؟ بالنسبة لي، لم أختر أن أكون سورية (وهل اخترتَ أنت؟) وُلدتُ لأبوين سورييّن، وبحسب علمي يمتدّ نسب عائلة أبي رحمه الله إلى عائلة تركيّة، ربّما عاش جدّ جدّ جدّي في سوريا وصاروا سوريين، لا علم لي، ولا يهمّني (وأركّز على كلمة لا يهمّني).

لأنّ الواقع هو التالي: لقد وُلدتُ بأيّة حال خارج الأراضي السورية، ولكنّي حملتُ الجنسيّة التي تشبه الوشم إذ إنّها لا تسقط بالتجنيس من أيّة دولة أخرى. لقد عشتُ أياما كثيرة في سوريا، ولكنها أقل بكثير من تلك التي عشتُها خارجها، ومع ذلك تصرّ أنتَ وغيرك على اعتباري سورية، دون إعارة هذه التفاصيل أيّة أهمّية. لقد أحببتُ فيها أشخاصًا وأماكن كثيرة، أقلّ جدًّا من تلك التي كرهتُها فيها.

في النهاية، أدرك تماما وقد صرتُ في عامي الثالث والثلاثين، لو أنّ والدتي لم تأخذني في طفولتي المبكّرة للتعرف على (بلدها)، ولو أنّها ما داومت على زيارته مصطحبة إيّاي، لما فكّرتُ أن أزور سوريا كسائحة ولا كمواطنة (سورية الأصل لا المنشأ). وحقيقة هذا أنّي لما صرتُ في مرحلة عمرية يمكنني فيها اختيار المكان الذي أرغب فيه بقضاء إجازة الصيف، اخترتُ ألا أسافر إلى هناك لثلاثة أعوام متتالية، ثمّ كانتْ زيارتي الأخيرة لها في عام 2006 والتي كان سببها الأساسيّ (تجديد جواز سفري)، وما زلتُ أذكر لحظة إقلاع الطائرة مغادرةً مطار حلب، كانتْ عيناي تدمعان لأنّي في قرارة نفسي حلفتُ ألا أزور هذه البلد (الزفتة) بعد ذلك أبدًا. وتمّ لي ذلك.

هل أشتاقها؟ طبعًا، هنالك أيامٌ أكره فيها الهواء الذي أتنفّسه في هامبورغ، أكرهه جدًّا لأنّه يأتي برائحة تشبه نسيم الصيف في حلب، وأحسّ أن قطارًا مرّ فوق روحي مرّتين ذهابًا وإيابًا مع كلّ نفَس. هكذا أفهم شيئًا من شعور أمّي التي اعتقلها هذا الوطن في أوائل الثمانينات، ثمّ خرجتْ بلطف الله قبل أن تطول مدة اعتقالها، وهاجرتْ، ثمّ لما استبدّ بها الشوق ورغم تخويف الكثيرين، صحبتنا جميعًا نحن أولادها الخمسة وسافرتْ بنا، ولما أخذتْ ورقة (مراجعة مركز المخابرات) عند مدخل الحدود للحصول على إذن خروج من (الوطن)، لم يطرف جفنها. وطوال السنوات اللاحقة التي كان عليها أن (تزور) فيها مركز الأمن في دمشق للحصول على تلك اللعنة، كانتْ تؤكّد لنا أنّ الأمر روتينيّ ولا شيء سيحدث، وكان الحقد يكبر في قلبي، الحقد أكثر من أيّ شيء آخر. (لقد بكيتُ وأنا أكتب هذا الجزء). لاحقا، لمّا صرتُ ألبس الحجاب في سوريا، وأستخدم مصطلحات هي من أساس كلامي (سعوديّة)، كنتُ أسمع من الكثيرين هنالك كلمة وهّابية، كشتيمة طبعًا، ما زاد شعوري بالانتماء (المعاكس)!

سوريا كانتْ بالنسبة لي: أقارب ورحلة البحر كجزء إيجابي، ما عدا ذلك.. هي بلد متوحّش، بلد زبالة ونشح، بلد عديمة الأمان وكلّ الناس جواسيس على بعض، بلدٌ اعتقل أمّي وخالي وخالي الآخر وابن عمّهما واستدعتْ شقيقي (لخدمة العلَم) فخرج منها بمدّة شبه مضاعفة للمدّة العادية لأنّه كان يرفض رشوة المسؤول عنه، ويرفض أن يصفع المجنّد الأقل منه رتبة، ويرفض أن يُذلّ. بلدٌ حشر الناس في بؤرة التخلّف والحقارة والتفاهة الممنهجة و… (عد واغلط) كم نعرف من المعتقلين والشهداء على مدى عقود، دعكَ من المفقودين فهؤلاء جريمة ما بعدها جريمة.

إنّني كلّما سمعتُ أو التقيتُ شبابا وُلدوا وتربّوا هناك، وخرجوا على أفضل ما يمكن وما يتمنّى الإنسان الكريم، حمدتُ الله وأثنيتُ كثيرًا على تربيتهم، فمعجزةٌ حقًّا أن تُنشِئ شخصًا يفهم معنى الكرامة في بلد المذلّة والعار.

في الفيديو الذي عُرض مؤخّرا عن أطفال في الغوطة يسألهم المذيع عن كلماتٍ يفترض أنّ الأطفال في أعمارهم في سوريا يعرفونها، أدهشني سؤاله عن كلمة (مول)، لأنّ سوريا هي قمّة التخلّف الحضاري بالنسبة لي، في عام 2006 لم يكن هنالك مول واحد في حلب، وكنتُ أرى أنّ هذا (طبيعي) لأنّ هذه البلد تحتاج (نفضة) من جوّة قبل (المولات). هل يا ترى تحقّقتْ هذه (النفضة الجوّانية) بالثورة؟

باختصار: هنالك من يعتقد أنّ تأييدي للثورة السورية هو فرض عليّ لامتداد جذوري إلى سورية، وآخرون يرون أنّ عليّ أن أخرس لأنّي من (اللي برّة)، وآخرون يظنّون أنّي أتمتّع بممارسة نشاط سياسيّ (وراكبة الموجة)!

الحقيقة، إنّي نشأتُ في بيتٍ يقول لي: فلسطين أرضنا لأنّ فيها بيت المقدس ونحن مكلّفون بالدفاع عنه؛ لأنّه بيتٌ حرام، ونفس المسلم حرام، وعرضه حرام، وماله حرام، وكلّ من يتعدّى على حرمة مسلم ويعتدي عليه هو عدوّي، وكل من يحميه أنا ملتزمة باحترامه. لذا، خذ هذه الجنسية السورية التي تبتزّني بها أيّها (الثائر المولود على أرض سورية وتعتبرني دخيلة أشجّع على قتل الناس لأنّي في أمان)، وضعها في (عقب جيبك). ونعم، أنا أحترم دولة منحتني أمان النفس والعِرض والدين والمال، وفوق ذلك.. منحتني حقّ الدفاع عن المظلوم في أرضٍ أخرى!

3. ما رأيك في ظاهرة الثائر (التقي) الذي يستشهد بآيات من القرآن ببلاغة مذهلة، عن حقن الدماء وما إلى ذلك، وبعد التمعّن إذا هو يقول (لو حذفت الشواهد): (بدنا سوريا ترجع مثل ما كانت من قبل، بدنا السلام يرجع؟).

هذه الظاهرة تستحقّ مرجعًا في عِلم التشريح النفسي، لأنّه مؤيّد – بكامل قواه العقلية – للثورة السورية وحقّ الشعب في الحرية والكرامة، وإجرام نظام الوغد الزنيم، ولكنّه إن كان قد نسي أو زلّ لسانه سهوًا مرّة وقالها هكذا، فلا يعقل أن يسوقها في نصّ بلاغيّ يستشهد فيه بآيات من القرآن الكريم!

عن أيّة سوريا تتحدّث وتريد أن ترجع كما كانت؟ إن كان عمركَ من عمري، فأنتَ تتحدث عن سوريا الثمانينات، (عاجبتك؟!) ما زالتْ موجودة فلماذا لا تبقى فيها؟ هل تقصد ما قبل حكم الأسد؟ هل تعرف كم نظامًا عسكريًا حكم سوريا بعد الاستعمار الفرنسي؟! فلنرجع أكثر إلى الوراء: أيّام الدولة العثمانية، هل هذا ما تقصد؟ وما أدراك عن حالها في ذلك الوقت و(مستوى) السلام على مقياسك الذي لا أعرف درجاته؟

أيّها الثائر: أنتَ شبّيح دون أن تنتبه، أنتَ من جماعة (كنّا عايشين) وبدنا (نرجع نعيش). لا مشكلة في ذلك لو صدر عن غيرك من الناس، أفهمهم جدًّا وليس علينا أن نجعل من كلّ الناس ثوّارًا، ولا مشكلة أيضًا لو أردتَ أنتَ قوله سوى نقطتين:

الأولى: عن جد عَيْب، لا تقل أنَكَ ثائر ثمّ تقول أن (ترجع سوريا كما كانت) ولا حتّى أحسن ممّا كانت، لا تقل (أن ترجع) مطلقا، فهذا يدلّ على غباء مطلق وجهل مدقع بالتاريخ والحياة وكلّ شيء. سوريا ستصبح، ستصير دولة وأرضًا (مثل الخلق والعالم) بعد أن كانتْ… (بيكفي هيك).

والثانية: أنا لم أدفع مالا لأطفال درعا ليكتبوا على الجدران، ولم أدفع مالا لجزّاري الأمن ليعتقلوهم، ولم أدفع مالًا لأهاليهم ليتظاهروا، ولم أدفع مالا لمرتزقة الأسد ليطلقوا عليهم الرصاص في أوّل مظاهرة سلمية. لا أنا ولا آلاف غيري، نحن لم ندفع سوى كفالة يتيم من عمر ابنتي الصغرى، عينيه واسعتين جميلتين تبتسمان، بكيتُ عندما قرأتُ في استمارته التي استلمتُها أوّل مرّة: استشهد أبوه تحت التعذيب ويعيش مع أخيه وأمّه التي تحاول مواصلة تعليمها لتجد عملًا. هذا هو المال الوحيد الذي نصرّ على دفعه، فبأيّ حقّ تهاجمنا بأنّا: (نحكي من برّة، وأنّا نشجّع الناس ليلقوا حتفهم!) عيب.

4. لو انتصرتْ الثورة وصارتْ سوريا الجديدة دولة متقدّمة، هل ستعودين للعيش هناك؟

هذا كلام مضحك متناقض، أوّلًا: لماّ تنتصر الثورة السورية بإذن الله، وليس (لو) انتصرتْ. ثانيًا: لا، باختصار. أنا لم أكن هناك حتى أعود، لا يعقل أنّك نسيت الكلام من إجابة السؤال الثاني! ولأوفّر عليكَ العناء: هل لو حدث أن صارتْ هنالك ظروف مناسبة في الرياض (باعتبارها بلد نشأتي) سأذهب لأعيش هناك مع عائلتي؟ لا، باختصار. أنا لا أفهم لماذا يصرّ الناس على الرجوع إلى الوراء والحياة كلّها تمضي للأمام! الله خلقنا لنكبر لا لنصغر، ألم نتعلّم شيئًا ممّن سبقنا، من أهالينا مثلا؟!. أنا أعرف بالضبط كم كان عمري عندما قرّرتُ أنّي لن أكمل حياتي في بلدٍ عربيّ: كنتُ في أوّل مخيّم صيفيّ للمسلمين في سويسرا، ورغم أنّ الشعب السويسري متكبّر، صعب التعامل كثيرا مع المهاجرين والمسلمين، لكنّي حدّدتُ موقفي ورأيي. والآن بعد عشرة أعوام، أحاول أن أكون على قدر المسؤولية التي اختارني الله لها، نعم.. المهاجر المسلم مسؤول، وحياته صعبة جدًّا، صحيح أنّها لا تقارن بمن يُقتل أطفاله أمام عينيه، لكنّها تقارن بحال من هم مثله بلا هجرة.

5. تتكرّر كلمة (ما حدا قلكم تطلعوا) و(بلا هالفضايح قدّام العالم) بعد انتشار أخبار معيّنة عن المهاجرين السورييّن، ما هو الردّ المناسب على هذا الكلام؟

إذا كنت تفتّش عن ردّ (مناسب) عندي أنا.. (وصلت)، وللمرّة الثانية يبدو أنّك تنسى كثيرًا، فلترجع إلى بداية المقالة.

هذان تعليقان منفصلان: (ما حدا قلكم تطلعوا) وهذه غالبًا تشمل كلّ السورييّن من خمسة وأربعين عاما وحتى اليوم، فعلًا بالنسبة لي (ما حدا قلّي أطلع). كان بإمكاني أن أتزوّج المحترم الحلبيّ الذي خطبني وأعيش معه هناك، لكنّي كنتُ قرّرتُ أنّ هذا البلد/السجن ليس مكان زواج وحياة طبيعية وتربية. بالنسبة لأهلي (الحمد لله أنّهم طلعوا قبل ولادتي هناك)، بالنسبة لأهل زوجي (الحمد لله أنهم طلعوا قبل أن يولد هو أيضا وينشأ هناك)، وإلا كان من المستحيل أن ألتقيه؛ لأنه من المستحيل أن (يطبق عقلي على عقله). بالنسبة لكثيرين (ما حدا قلهم يطلعوا)، لو وجدوا لقمة عيش (صعبة ولكن كريمة) ما طلعوا. ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها، هل هو فرض على الإنسان أن ينتظر حتى توضع السكين على حدّ رقبته ليهاجر؟ ما هذه بهجرة، بل فرار وهروب. ما زلتُ أؤكّد تقديري للناس الذين تربّوا في سوريا على أفضل ما يكون، وأكرمني الله بالتعرّف إليهم هناك أو هنا، أقول: لو كان حامل السلاح يجاهد مرّة ليحمي الدم، فأهاليهم قد جاهدوا مرّتين ليخرجوهم بهذا الفكر وهذه النفوس النظيفة في ذلك الجوّ الموبوء الملوّث.

وأمّا (بلا هالفضايح قدّام العالم)، فالحقيقة إنّ العالم (مو سائل)، وأنّ الفضائح هي بين بعضنا. ما دام ليس من حقّنا أن نتكلّم عن الداخل السوريّ لأنّنا (من برّة)، وهذه عبارة غير دقيقة لأنّي كنتُ على فترات متباعدة يمكن قياس التغييرات فيها (من أهل جوّة)، فليس من حقّكم أنتم أيضًا أن تتكلّموا عن (برّة) لأنّكم من جماعة (جوّة).. وصلتْ؟ والكلام لكلّ سوريّ (جوّة) الوطن العربي كلّه، ولم يضع إصبع قدمٍ في أيّة دولة لا تتكلّم لغته. لا تحكوا شيئًا لم ترَوه، ولم تعايشوه. لا فضائح هنالك، إنها نتائج تخرج من ظروف غير طبيعية أبدًا، هذا يحدث في كلّ العالم على مستوى الميكروبات قبل الإنسان. هذه الظروف بدأت من عام 1900 وخشبة، وليس 2011.

الشيء الوحيد الذي يزعجني فعلًا من السوريّين، ويمكن أن يكون وقع من غيرهم، ولكنه منهم أكثر، هو ظاهرة خلع الحجاب للحصول على عمل، ثمّ إقناع صاحب العمل أنّ الحجاب ليس من أساس الدين الإسلاميّ، وأنّ المحجّبات متشدّدات ويبتدعن في الدين! وهنا يصير ضررها علينا جميعًا؛ لأنّ الواقع أنّ هنالك أصلًا في المجتمع الوظيفيّ الألمانيّ مشكلة بهذا الصدد، ولكنّها الآن صارتْ كارثة بسبب السوريّات تحديدا، فكثيرات على مستويات من الدراسة تؤهّلهنْ للحصول على الوظائف بالكفاءة والشهادة، ويقف الحجاب عائقًا (برأيها)، فإذا نزعته حصلت على الوظيفة، فلماذا لا تكتفي بذلك (وتخرس) بدلًا عن أن تعيّن نفسها (مفتي الجمهورية)؟ هنالك نوع من الحرب والكيد والانتقام، من كلّ شيء وكلّ أحد، وأكرّر، هذا ليس نتيجة أحداث ما بعد الثورة، بل هذه سوريا التي عرفتُها مذ كان عمري ثمانية أعوام. كان السوري يتصرّف طيلة الوقت (يا أرض اشتدّي ما حدا قدّي)، ثمّ صار يتصرّف بطريقة (كلّ العالم يكرهنا ويريد دمارنا والجميع أعداؤنا)، وبالتالي يصير هو عدوًّا للجميع.

6. أخيرًا، (بدنا نخلص قبل أن ينفلج القرّاء): ما الذي يمكن لكلّ مؤيّد للثورة السوريّة عمله كي تنتصر الثورة؟

والله يا أخي أنا التي (سأنفلج) من هذا السؤال، لأنّ الثورة السورية انتصرتْ فعلًا، مثل كلّ الثورات الأخرى، لكنّ عُميَ البصيرة يرفضون أن يروا ذلك.

الثورة انتصرتْ لما وقف أوّل متظاهر وهتف: (حرّية.. للأبد.. غصبٍ عنّك يا أسد)، (عيدها وسمّعني فأنا لا أملّ سماعها منهم وكم أغبطهم على شجاعتهم).

وتمامًا كما انتصرتْ الثورة الفلسطينيّة منذ سبعين عامًا وما زالت تنتصر كلّ يوم، انتصرتْ الثورة السورية:

في كلّ يوم يرتقي فيه الشهداء تنتصر الثورة في النفوس، في كلّ يوم يتعلّم فيه طفلٌ القراءة بدلًا عن أن ينشأ في الجهل تنتصر الثورة، في كلّ يوم يقول فيه من دُكّ بيته وقُتِل أطفاله: الحمد لله، تنتصر الثورة. في كلّ يومٍ نصحو فيه صباحًا ونعلّم أبناءنا: احترم من يحترمك، ولا تقبل أن يهين أحدٌ شخصكَ أو دينك، تعلّم كيف تدافع، ولا تكن همجيًّا، ولا عشوائيًا، تنتصر الثورة. في كلّ يوم نقرّر فيه أن نغيّر عادة من عاداتنا، أن نتصالح مع شخصٍ لا نطيقه لكنّ العمل معه يتيح لنا تقديم شيء لخدمة المجتمع وإعطاء صورة محترمة عن دينٍ نحن مسؤولون عنه، تنتصر الثورة. في كلّ يومٍ نقول فيه لأنفسنا: الله أكبر، وهنالك يوم آخرةٍ سيقف الجميع فيه للحساب ولن نسامح، نقولها بإيمان فتنتصر الثورة. في كلّ يومٍ نفكّر أنّنا قد نموت بنوبة قلبية، بينما ينجو طفل الخامسة من غاز الكلور، ويعيش حياة طويلة هانئة، ويصير بنّاءً، ويقرّر أن يبني ما هُدِم، ويحيل الأرض الخرِبة عمارًا؛ لأنّه فهم معنى الاستخلاف، تنتصر الثورة.

الثورة انتصرتْ وما زالت تنتصر كلّ يوم يا أخي، فقط افتح عينيك وقلبك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد