بما لا يوصف طلع التعاطف الجزائري استثنائيًّا، وحادثة ”سقوط الطائرة العسكرية”،  ومع تجلي الحادثة وأخبارها صار عجيبًا، فقد طغت أحاديث صبيحة ذاك اليوم الأربعائي المأساوي الحزين بمضامينه الأليمة، وحزنه، وتجليات الأسى التي قرأت في وجه الجزائريين، ومشاعر التعاطف الإنساني، وأحاسيس جياشة، وهواجس ما تتركه فداحة الألم في القلب المجروح أصلًا.

ومع ما كان يتوالى من أخبار، وقد انتهت في المساء اليوم مفجعة، عشرات الضحايا، وشهداء الجيش الجزائري، وقد أبكت صورهم الوطن برمته.

فلمَ بدا هذا التعاطف مسألة استثنائية؟

ألأن سقوط الطائرات حدث عالمي يثير ما يثيره من الأشجان والمشاعر، وليس الجزائريون استثناء عن القاعدة، أم أنه استثناء آخر، ضروري  البحث فيه لأجل فهم فداحة التعاطف الاستثنائي الذي تركه، وما يزال؟ ألأن أحزان الجيش الجزائري أضحت مسألة حساسة جدا جزائريا إلى هذه الدرجة، على الأقل  بما تتركه ظلال شهدائه الذين ارتبطت تضحياتهم بمسار  استثنائي باهظ الإنسانية أيضا.

إن التعاطف  وأحزان الجيش الجزائري أضحى متجليا في الحادثة الأليمة، فغدا حالة استثنائية، وبجزائرية خالصة. أحزانه  فى ذاك اليوم، ودون أدنى شك تقاسمت  في صباحات، وفى أماسي الناس، بما لا يمكن تجاهله، أو المرور عليه، هكذا، ودون إبداء انتباه؟

وهذه المقالة ستحاول الغوص في هذه الحساسية المفرطة جدا، والتي أضحت شعبيا، ورسميا، وعند النخبة، وحزبيا، عند الفقراء والأغنياء سواء، من الفنانين، وهواة كرة القدم، لدى الشيوخ الطاعنين في السن، ولدى الشباب المقبلين على رفاه الحياة، أضحوا جميعا يشتركون في حساسية مفرطة تجاه أحزان جيشهم  الجزائري وشهدائه.

ولعل البداية لفهم هذه الحساسية المفرطة، كما أسميناها، جدير جدا بالعودة إلى فعل الاستذكار  للماضي القريب، وليس ذاك البعيد  عند البطش الاستعماري الفرنسي، عودة استذكارية للماضى القريب بفرط الألم الذي تحمله الجيش الجزائري غداة الإرهاب الإسلاموي، ولا أقول الإسلامي، وقد  ضرب ضربا مروعا، فأخرج جميع قرونه الشيطانية في تسعينيات القرن المنصرم، قتلا، وتدميرا للكيانين المادي والمعنوي هنا، وما يزال متربصا، وللتاريخ فقد بدا ذلك الإرهاب مدعوما وقتها من قوى ظلامية عربية معروفة، ومغيبين كثر إسلاميين وغيرهم، وأشياء أخرى.

ثم كان التصدي، الذي لا غرو فى  توصيفه بالأسطوري، ولو تجاوزنا قليلا باللغة، لأن ما أنجزه الجيش الجزائري في الغداة الإرهابية التسعينية كان حقا أسطوريا، بمقاسات كثيرة، اتضحت كلها في الألفية الأخيرة  بوضوح ما تلا من تجليات، على  أنه كان إرهابا متوحشا، ومدمرا، قاسما للحياة والأماني  في منعرج تاريخي يتغافل عنه كثيرا، سيما وأنه تجلى في جغرافيات عربية صورا من الوحشية الإرهابية الإسلاموية «سوريا نموذجا»، صورا قد كانت ممكنة في ذاك الوقت هنا، لولا الوقفة التاريخية للجيش الجزائري، بعقيدته النوفمبرية وإنجازه العظيم.

تعاطف جزائري جاء استثنائيا، وربما جاء معاكسا تماما لما أرادته بعض الدوائر، حتى لا أقول أكثر، للمشروع الجزائري الجديد، والذي يمكن تضمينه على الأقل ضمن منصات المشروع البوتفيليقي.

صار باهرا إذن، التضامن الشعبي، متجليا بحزن الناس العميق، ومشاعر المواساة والألم الشديد، بتعازي الضحايا والشهداء ممن ملئت بهم ألسنة الناس وصفحات التواصل الاجتماعي، والمنصات التفاعلية، وفي أحاديث الشعب في مقاهيه، وأقامت عمله، بين العائلات والأسر، وفي الإقبال على الإعلام الجزائري العمومي والخاص اللذان أعطيا وجها مشرفا لما يمكن أن يقدمه الإعلام في المحن والأحزان.

قد يقول قائل، إن  جميع الشعوب تتعاطف مع جيوشها، فلم الجيش الجزائري استثناء في تعاطف شعبه معه؟ على كل حال، إن هذه الاستثنائية مرتبطة أكثر بالجزائر (الدولة والتاريخ) كثورة ومعاناة، مفهومان لا يمكن فهمهما ببساطة، على الأقل في المدى الأوسع وعند ثقافات أخرى، لأن المسارات التاريخية والمعاناة بخصائصها المحلية، قادرة أن تعطي تعابير مغايرة تماما، عما يمكن أن يكون مألوفا، أو عاديا لدى البعض الآخر.

بقي القول،إن الأوساط الإعلامية الإخوانية، وبعض الأسماء المجاهرة بالعداء والكره، وتلك المتحالفة مع قوى ومخططات، قد حاولوا جميعا إعطاء صورة معكوسا بإحالات غير منطقية، وإن قنوات «الحوار، والشرق، والمغاربية» في ريادة الاقتراف، قد تكون حرية الإعلام تعطيهم فسحا لهذا، لكنها أيضا تعطي فسحا للحقيقة، فقد أثاروا من الأسئلة ما يخفيه الضامر للأذى، والساعي إليه، بعيدا عن فهم حقيقي، وإدراك واقعي للجزائر الجديد الذي يرى أحزان جيشه مسألة حساسة جدا، لا يجب التهاون معها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك