أشهر من أن يعاد تعريفه على الأقل للجزائريين، وللقراء العرب. إنه «العربي بن مهيدي» رضع الرجولة من حليب جبال النمامشة الأوراس طفلًا، وشابًا، وثائرًا شهيدًا. هو أحد أعظم مفجري القيام النوفمبري للثورة الجزائرية، وقائد «معركة القصبة» الشهيرة ومهندس «مؤتمر الصومام» المؤسس الثوري التنظيمي الأول، والقائد الأسير الذي قتله الجيش الفرنسي في تجاوز للقيم الإنسانية كلها، وفي أبشع ارتكاب لجرائم الحرب.

عاش بريئًا بخبز الأحلام الثورية، ورفعته زغاريد الحرية عاليًا بما لا يطال، وظل عازبًا فلم يسعفه قيامه النوفمبري للاعتناء بتفاصيل صغيرة أمام جهده كالأسرة وحميمات العيش الهنيء، وكما عظماء العالم طلع بطلًا وعاش كذلك، واستشهد على أحرفه والرجولة.

وكان عزوفه أكبر سوء تفاهمه مع أبيه، وأسرته، فمند أواسط خمسينيات القرن العشرين تقول أخته، لطالما أثارت نقاشاته مع أبيه ضمن السقف العائلي كثيرًا من التداول، وإعادة التداول للفكرة ذاتها تقول: إن والدهما كان حازمًا، ودائمًا ما كان يثور على ابنه العربي غاضبًا مرة، ومعاتبًا في مرات أخرى، لأنه لم يتزوج كما بقية أترابه من شباب عرشه، وأصحابه، وقد بلغ سن الزواج.

كان خوف يرواد الأب على ابنه، أن يظل بلا زوجة ولا عائلة؟ ولم يدرِ الأب الكريم أن ابنه تزوج قضية شعبه، وأن زوجة ابنه الحرية، وأن أولاد ابنه أحرار سيطلعون في كنف الاستقلال ورايات الكرامة، كان الأب الكريم ربما في تلك الفترة يملك من الوجاهة حرص الأبوة، لكنه القدر الثوري والإنساني لابنه البطل الشهيد، كان بترتيبات أخرى يجهله الأب الكريم؟

كان هذا على مفاصل النصف الثاني من العقد الخمسيني، قبيل القيام النوفمبري العظيم، بل قبل أن تأخذه ثورته عن الأنظار الأسرية، وتحمله إلى أوراس الغضب ومقارعة الظالمين.

كان والده، وكلما حدثه عن الأسرة والأبناء، كان العربي بن مهيدي يجبيه قائلًا: أنا متزوج يا أبي، أنا متزوج! وسيأتونكم أولادي يومًا. وكان رده هذا غريبًا عجيبًا في وقته؟ كان رده يثير حيرة الأب أكثر، وحيرة الإخوة في تلك الأجواء البعيدة في الماضي السحيق إلى أزمنة ما قبل الثورة الجزائرية. فكانوا جميعًا الأب، وأخته تقول، وإخوته الآخرون، يرونه كلامًا وكأنه ضرب من اللامعقول! فيصمتون احترامًا لمكانة الأخ الكبير. وإن كان كلامه، وجملته تلك، تزيد من قناعة لديهم أنه لن يتزوج أبدًا.

ويندلع القيام النوفمبري في الجزائر، ليأخذ العربي بن مهيدي أبعاده الثورية والأسطورية والاستشهادية، والأهم أبعاده الرجولية المكتملة الأركان، وتشرق شموس الحرية بصرخات شهدائها وأكف مجاهديها وتراث ثوري نوفمبري جزائري عظيم. تقول أخته تمر العقود والسنوات والأيام، إلى أحد الأيام ربما في 2005 إحياء لذكرى استشهاده في باتنة.

تقول: بينما كنا في هول القاعة ننتظر انطلاق الاحتفالات، إذ بمجموعة من الأطفال الصغار لا يتجاوزون سن الرابعة أو الخامسة من العمر، يحملون باقة ورد ضخمة متعاونين معًا، تتوسطهم صورة أخي العربي وكأنها منهم وهم منها، وهم يقتربون مني في هدوء وسكينة أثار انتباهي قدومهم والورد وصورة أخي الشهيد كثيرًا. ولما وصلوا، أعطوني باقة الورد الضخمة، عربونًا من الوفاء للشهيد؟

تقول: ولما قلبت تلك الباقة، وجدت ورقة ملصقة وقد كتب عليها إهداء، لما قرأته بدا لي شيء غريب عجيب، لما قرأت تلك الكتابة ذكرتني فجأة بما قاله أخي العربي بن مهيدي لأبي في الماضي السحيق. قالت قرأت ما يلي: من أولاد العربي بن مهيدي، إلى الأخت الغالية؟

قالت فصدمت من هول وقع الجملة. وكأنه كان نبيًا، أخي الشهيد البطل، فجاءت نبوته كما فلق الفجر بعد 50 عامًا مضت.

فلم يسعفني وقع الذكريات وما قاله، سوى دموع مزجت بألم، وفكرة استيقظت في البال، حقًا وكأنه كان نبيًا أخي، لما قال ما قال، فقد جاء حقًا أولاده مستذكرينه، ومذكرين بروحه ودمه ورحيله.

تنويه: 3 مارس (آذار) 1957 يغتال الشهيد أسيرًا لدى الجيش الاستعماري الفرنسي.

مؤتمر الصومام: أول مؤتمر في الثورة الجزائرية 1956.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد