كُنا نجلِسُ فوقَ قمّة جبلٍ يُغطّي ألسِنتُنَا الصّمت. تعبثُ بأرواحنا التّائهة الرّياح الرّبيعية، لكنني كنتُ أشعرُ أنه فصلُ الخريف.. لا يُهم.

سألني بروكاست، والغريبُ أنه سألني: ماذا يحدُث لكِ، لم كل هذا الشرود والخوف الذي فيه غضبٌ شديد؟

زادت حدّة صمتي، وكنت أجهلُ الإجابة لعُمق السّؤال، وما يحملُه من ضجّة كشفت عن نفسي الضّجر، وبما أن كل ما حولي ضجرٌ ومبهمٌ.. سكتت وكنت أحب التكلم. ثم أخذتُ أنتشِلُ روحي وأقف وأنا كالجريح الذي ينزف، لكن لا يقوى أن يرى نفسه مهزومًا. وفتحتُ يدي كالطّائر الذي سيُحلق بحثًا عن مكانٍ جديد.. وصرختُ الصّرخت الأولى والثانية والثالثة. كانت الصّرخة الأولى فيها لغة الألم، والثانية فيها الضجيج، والثالثة تمرد.

ذلك الصراخ الذي اهتزت له الطبيعة؛ لقوّته، وأحرقت حُنجرتي وألهبت داخلي. كان بروكاست ينظرُ دون حراك أو سؤال، وقف وعانق روحي بقوّة وردد أنا هُنا أفرغي كل غضبك، لا تخافي، تنفسي وأصرخي من جديد. إذا أردت أن تضربي أيضًا افعلي ولا تترددي.

قلتُ وقد نزلت على خدّي الدموع بغزارة معلنة الإستسلام: لماذا؟ لم؟ كيف ومتى؟ أين أنا؟ ومن أنا؟

لماذا أبحث فوق هذا العالم عن شيء أغيّر به سخظ البشرية المقرفة.  لماذا كل هذا النّفاق الذي نعيش فيه، أي عالم هذا يكتسيه السّذاجة والانحطاط. من نحن؟

أريد أن أرقص فوق سعادتي مع الأطفال في المُخيّمات أو في أرض لا وجود فيها لسفّاحين. ماهذا العالم الوضيع؟ تجدُ السّارق في القصور و المناضل في السّجون. تجد الإباح مُباح والحشمة تعقيد وعقدة عنوانها الكبت.. هكذا يفكرون.

في عالم تجد الرّجال كالنساء والنساء إذا سمعت بالحرية تعرت وتسلّحت بقلم حمرة. في عالم يموت الأطفال والشيوخ في الحرب والباقون نائمون ويحلمون أنهم حرّروا فلسطين وسوريا و القائمة طويلة. تجد الفُقراء يغتصبهم البرد والصيف والإنسان. أي بشرية هذه؟ بروكاست بربك هذه أفلامكم؟ أتدري أن في وطني الشاب وطني جدًا إلى أن يأخذ الجنسية والمتديّن عاقل إلى أن تأتي العاهرة. في وطني جسد المرأة مقدس فوق الفراش وعقلها المتحرر يجب أن يقمع. في وطني يجب أن نسعى لتشويه الإسلام عمدًا؛ لأنه يشكل العراقيل وليتهم يعرفون أن الإسلام حرية وسلام.

في وطني الفن المنحط إبداع والرسم أصبح بشاعة لا جمال.

في وطني المسرح لم يعد التعبير عن قضية، بل سخافة تجعل المرء يبكي من السذاجة.. في وطني وأكره العالم ووطني، لا دخل لوطني، بل البشرية جاهلة.. ليست كل البشرية، لكن بات معظم البشرية هكذا.

وحين تمعنت جيدًا وجدت نفسي أخاطب الحائط: لا ، بروكاست مخيّلتي.

أيها الحائط كيف سأغزو العالم؟

قل لي يا بروكاست،  كيف أنامُ وصوت الرّعب يملئ المنازل، والفقر يجتاح العقول؟ أحبذ التنصل من هذا الجيل البائس جدًا.

لطالما أحببتُ بلاد أشور والمغوليّة. وكنتُ جدًا أفضّل لو عِشتُ في فترة النّهضة الأوروبية،في عصر تجديد الأدب والفن وغيرها. وكم تمنيتُ أن أمرّ ببغداد، وخَاصة شارع المتنبي. ذاك الجيل الذي كان فيه برونر وسرفانتي، لافايت ولنكلن، غولد سميث ووليم بت، تشيخوف ماركيز وأمبرتو إيكو وخورخي لويس بورخيس، دوستويفسكي.. القائمة طويلة. أيضًا لا ننسى أديب إسحق الشاعر والرّسام الفرنسي بليك، ومؤلف الكوميديا الإنسانية بلزاك، والكاتب المفضل لروحي د. مصطفى محمود ، لا أنسى بطلي كنفاني، ورائدة روحي غادة السمان، والفراشة مي زيادة . لو كُنت تلميذة شيشرون أكبر خطيب وكاتب ومفكر عرفته روما، لأصبحتُ قادرة على فن الخطابة جيدًا.. ماذا لو كنت يا طفلي في زمن سرفانتس الذي كان من أكبر ناثري الإسبان، وخاصة كتابه don Quichotte. 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد