إن نشوة الحياة جميلة لكنّها مؤقتة، تتنتشي من الحياة ومن ثم تستيقظ على فيلم ممزوج بالرّعب والوحشيّة. كذلك الحياة، أيضًا تفتك منا حياتها لنفسها. أهذا ما يُسمى باللبس يا «بروكاست»؟

فؤادي عتيقٌ جدًا مثل الأشياء التي مرّ عليها الزّمان. فما هي الأشياء العتيقة التي تمتلكها يا «بروكاست» أريد بشدة أن أعرف من أنت لأول مرّة ولآخر مرّة.

كان «بروكاست» يستعد أن يُخبرني بمن هو. ثم سألني بحنان أراه لأوّل مرة منذ تعارفنا: «لماذا آخر مرّة؟ ولمَ تشبهين كل هذا العبث الذي بيننا بالأشياء العتيقة؟».

أخبرته وقد ملأ فؤادي ألمٌ شديدٌ مفزع جدًا: «أنت قلت لي هذا آخر كلامي. سننتهي، أكمل بروكاست بدوني».

وأنتِ استسلمتِ، كأنك ترفع راية النظر عن عينيّ. اقتربتُ منه جدًا، وقبلتُ ما تبقى من فكرة. ثم عانقت ما تبقى من عبث وقلت له «يا معشر العُرب قولوا له تُيّمت بعينيه الجميلة». غالب الصمت الحياة، واشتدت السحب سوادًا وعصفت الرّياح بقوة.

عند الصباح أفقتُ ولم أجد فكرة بروكاست ولا عبثنا ووجدت رسالة كتب فوقها لن ننفك من بعضنا أبدًا. ساد الشغف داخلي وفتحت الرسالة وكتب فيها «ﻭﻣﺎﺫﺍ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻥ ﺃﻛﻮﻥ ﺃﻧﺎ؟ ﻭﻣﺎﺫﺍ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻥ ﻳﻜﻮﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ ﻭﺍﺳﻌًﺎ ﺃﻭ ﺿﻴﻘًﺎ؟ ﻣﺎﺫﺍ ﻟﻮ ﻛﻨﺖ ﻧﺠﻤﺔ ﺍﻟﺸﻤﺎﻝ، ﺃﻭ كنت ﻏﺒﺎﺭ ﺍﻟﻄﻠﻊ ﺃﺭﻛﺐ ﺟناح نحلة؟

 ﻫﻞ ﺗﻜﺘﻤﻞُ ﻣﻬﻤﺘﻲ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ ﺇﻥ ﺣﺎﻓﻈﺖ ﻋﻠﻰ ﻓﻄﺮﺗﻲ؟ ﻟﻦ ﺃﺗﻮﻗﻒ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺴﺎﺅﻝ ﻭﻻ ﻋﻦ ﺇﻋﻄﺎء ﺍﻹﺟﺎﺑﺎﺕ. ﻣﺎ ﺭﺍﻭﺩﻧﻲ ﺍﻟﺘﺴﺎﺅﻝ ﺇﻻ ﺑﺎﺣﺜًﺎ ﻋﻦ ﺭﺍﺑﻂ ﻳﺠﻤﻊ ﺑﻌﻀًﺎ ﻣﻤﺎ ﺃﻋﺮﻓﻪ ﻓﺘﻜﺘﻤﻞ ﻋﻨﺪﻱ ﺍﻟﺼﻮﺭﺓ ﺑﺘﻠﻚ الإجابة، ﻭﻳﺒﻘﻰ ﻋﻨﺼﺮ ﻣﻔﻘﻮﺩ ﻳﻤﻠﺆﻩ ﺳﺆﺍﻝ ﺃﻛﺒﺮ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺃﻛﻮﻥ ﺃﻛﺒﺮ. ﺇﻟﻰ ﺃﻳﻦ ﻭﺟﻬﺘﻲ؟

ﻫﻞ ﺑﻤﻌﺮﻓﺔ ﻧﻔﺴﻲ ﺃﺧﺘﺎﺭ ﻭﺟﻬﺘﻲ ﺃﻡ إن ﺍﺧﺘﻴﺎﺭ ﻭﺟﻬﺘﻲ يُعرّفُني ﺑﻨﻔﺴﻲ؟ أتلك البوصلة ﺍﻟﺤﺪﻳﺪﻳﺔ نفسُ تلك ﺍﻟﺒﻮﺻﻠﺔ التي ﺗﻮﺟﻬﺖ ﻭﺛﺒﺘﺖ على ﺍﺗﺠﺎﻩ ﺍﻟﺸﻤﺎﻝ؟ ﻭﻫﻞ ﻓعلًا ﺑﻮﺻﻠﺘﻲ ﺍﻟﺸﺨﺼﻴﺔ ﻣﺮﺗﺒﻄﺔ باتجاه ﺍﻟﺸﻤﺲ ﺃﻭ ﺷﻜﻞ الأرض؟ إذًا ﺍﻷﺻﻞ ﻓصل.

اﻟﻮﺟﻬﺎﺕُ ﻭﺗﺴﻤﻴﺘﻬﺎ ﺃﻭلًا أو ماذا يعني؟ ﻳﻌﻨﻲ، ﺃﺳﺘﻄﻴﻊ ﺑﻌﺪﻫﺎ ﺍﻻﺳﺘﻤﺮﺍﺭ ﻭﺍﻟﺜﺒﺎﺕ. ﻣﺎﺫﺍ ﻳﻠﺰﻣﻚ ﻻﺳﺘﻤﺮﺍﺭﻙ ﺑﻌﺪﻣﺎ ﺳُﻤﻴﺖ ﺃﺳﻤﺎء ﺍﻟﻮﺟﻬﺎﺕ ﻭﻋﺮﻓﺘﻬﺎ؟ ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ ﺑﺼﺪﻕ؟ إن ﺍﻻﺧﺘﻴﺎﺭ ﻣﻄﻠﻮﺏ ﻟﻜﻦ ﺍﻟﺼﺪﻕ وحده لا يكفي. ﺑﻌﻀﻬﻢ ﺳﻘﻂ عندما صدق. ﺇﺫًﺍ، ﻛﻒّ ﻋﻦ تساؤلاتكَ ﻭﺍﻃﻠﺐ ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ. ﺍﻟﻬﺪﺍﻳﺔ ﻷﻱ ﺷﻲء؟ ﻃﺮﻳﻘﻚ الذي تطلُب… ﻭﻣﺎﺫﺍ ﺃﻃﻠﺐ؟ «ﺟﻤﻊ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻌﻤﻞ ﻭﺍﻟﺸﻐﻒ ﻭﺍﻟﻘﻀﻴﺔ»، وﻣﺎ ﺍﻷﻛﺜﺮ ﺃﻫﻤﻴﺔ؟ القضية،«ﺍﺳﻤﻬﺎ ﻓﻠﺴﻄﻴﻦ ﻭﺍﻟﺸﻐف». ﻓﻲ ﺍﻟﻔﻦ ﻭﺍﻻﻧﺤﻴﺎﺯ، للخير في ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﺒﻞ. ﻭﻋﻤﻠﻚ؟

ﻻ ﻓﺮﻕ. ﺳﺘُﻈﻠﻢ ﻗﻀﻴﺘﻚ. هكذا، ﺷﻐﻔﻚ ﺩﻟﻴﻠﻚ ﻟﻠﻌﻤﻞ. ﻭﻫﻞ ﻏﻴﺮﻩ ﺃﺳﺎﺳًﺎ؟ ﻣﺎ ﻫﻮ؟ ﺻﻨﺎﻋﺔ ﺍﻷﻓﻼﻡ. ﺇﻟﻰ ﺃﻱ ﺣﺪ؟ ﺃﻥ ﺃﻟﺘﺤﻖ ﺑﺎﻟﺠﻴﺶ ﺍلإﺳﺮﺍﺋﻴﻠﻲ. ﻭﺃﻧﺎ ﻓﻲ ﺍﻟﺴﺮ ﻋﻤﻴﻠﻬﻢ ﻭﺑﻌﺪﻫﺎ؟! ﺃﻋﻮﺩ ﻷﺻﻨﻊ ﻋﻨﻬﻢ ﻓﻴﻠﻤًﺎ. ﺃﺗﻌﻠﻢ ﺧﻄﻮﺭﺓ ﻣﺎ ﻗﻠﺖ؟ ﺫﺍﻙ ﻋﻤﻞ ﺍﺳﺘﺨﺒﺎﺭﺍتي ﻭﻟﻴﺲ ﺻﻨﺎﻋﺔ ﻓﻴﻠﻢ، ﺻﻨﺎﻋﺔ ﺍﻷﻓﻼﻡ ﺍﻟﺼﺎﺩﻗﺔ ﺗﺤﺘﺎﺝ ﻣﻌﺮﻓﺔ ﺃﻛﺜﺮ ﻣﻦ ﻫﺬﺍ. ﻭﻟﻢ ﻻ تقرأ؟ ﻻ ﺃﺣﺐ ﻓﻲ ﺍﻟﻮﺭﻕ ﺍﻟﻤﻤﺘﻠﺊ ﺑﺎﻟﺤﺒﺮ، ﺗﻌﺠﺒﻨﻲ ﺭﺍﺋﺤﺘﻪ ﺍﻟﺠﺪﻳﺪﺓ ﻓﻘﻂ، ﻭﻣﺎ ﻫﻮ إلهامُك؟

 ﻭﺭﻗﺔ ﺑﻴﻀﺎء ﻭﻗﺼﺺ ﺍﻟﻌﻴﻮﻥ. ﺃﻱ ﻋﻴﻮﻥ؟ ﺍﻟﻌﺎﺑﺮﻳﻦ ﻭﺍﻟﻤﺎﺭﻳﻦ والآتين ﻭﺍﻟﺮﺍﺋﺤﻴﻦ! ﺇﻟﻰ ﺃﻳﻦ؟ ﻛﻞ ﺇﻟﻰ وجهته ﻭﺃﻧﺎ ﺇﻟﻰ ﻭﺟﻬﺘﻲ. ﺳﺄﺭﻯ ﺍﻟﺠﻤﻴﻊ ﻭﺃﺧﺎﻟﻄﻬﻢ ﻭﺃﺟﺎﻟﺴﻬﻢ ﻭﻗﺪ ﺃﺭﺍﻓﻖ ﻫﺬﺍ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻘﻪ ﻭﺃﺳﺎﻳﺮ ﺫﺍﻙ ﻭﻫﻜﺬﺍ، ﺃﻫﺬﻩ ﻭﺟﻬﺘﻚ؟! ﻭﻫﻞ كان مطلوبًا مني أن ﺃﻧﻐﻠﻖ على نفسي؟ ﺃﻧﺎ ﻓﻘﻂ ﻟﺴﺖ في عجالةٍ ﻛﻴﻒ ﺫﻟﻚ؟ ﻳﻌﻨﻲ ﺃﻥ ﺯﺍﺩ ﺣﻴﺎﺗﻲ ﺑﻌﻴﺪ ﻋﻦ ﻭﺟﻬﺘﻲ ﻋﺎﺩﺓ، ﻋﻠﻲ ﺩﺍﺋﻤًﺎ أن ﺃغير مكاني، ﺳﻴﺄﺧﺬ ﺍﻷﻣﺮ ﺩﻫﺮًﺍ؟! ﻭﺇﻥ ﻋﺸﺖ ﺃﺭﻳﺪﻫﺎ ﺩﻫﺮين. ﺗﺘﻌﺐ ﻧﻔﺴﻚ؟ ﺑﻞ ﺃﺻﺒﺮ ﻋﻠﻰ ﻧﺠﺎﺣﻲ ﻓﻴﻜﻮﻥ ﻓﺮﺣﻲ ﺃﻛﺒﺮ. ﺍﻟﻠﻪ ﺃﻛﺒﺮ! ﻫﻮ ﺍﻟﻨﻮﺭ ﺍﻟﻤﺒﻴﻦ ﻭﻗﺮآﻧﻪ ﻛﺘﺎبهُ الحكيم، ﻛﻞ ﻣﺎ ﺃﺣﺘﺎﺝ ﺇﻟﻴﻪ ﻓﻲ طريقي ﺇﻟﻰ ﻗﻀﻴﺘﻲ ﻭﺳﻼﺣﻲ، ﺷﻐﻔﻲ ﻭﻋﻤﻠﻲ ﻓﻲ ﺍﻷﻓﻼﻡ سأجدهُ في القرآن ﺃﺳﺎﺳًﺎ.

ولكن ﺃﻛﺜﺮ ﺍﻟﻨﺎﺱ ﻻ ﻳﻌﻠﻤﻮﻥ. ﺳﺒﺤﺎﻥ ﺍﻟﻠﻪ! ﺗﻠﻚ ﺍﻟﺴﺒﺎﺣﺔ في ﻣﻠﻜﻮﺗﻪ ﻭﺍﻟﺘﻔﻜﺮ ﻭﺍﻟﺘﺄﻣﻞ، وبعدها، ﺍﻟﺤﻤﺪ ﻟﻠﻪ! ﻻ ﺇﻟﻪ ﺇﻻ الله، ﻭﻏﻴﺮﻩ ﺷﺮﻙ ﺃﻛﺒﺮ ﻭﺃﺻﻐﺮ. ﻣﺎﺫﺍ ﺗﺮﻳﺪ ﺃﺧﻴﺮًﺍ؟ ﺍﻟﺼﺮﺍﻁ ﺍﻟﻤﺴﺘﻘﻴﻢ.

انهارت كل أسئلتي ومن ثم عرفت أنه ترك لي أسئلة فيها كل الأشياء العتيقة لأحلها بنفسي. أسرعتُ إلى مكان لطالما اعتدناه في مُخيّلتنا، فوجدتُ «بروكاست» هناك، أسرعتُ كالمجنون الذي يبحثُ عن عقله، كأنني أحدٌ يبحثُ عن الذّاكرة بين الرُكام. عانقته بقوة وأخبرته «لأنك نص بروكاست وكل بروكاست وكل العبث والثنائيات».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك