تُكبّلنا الحروف أحيانًا رغم عُمقها وكثرتهَا. لنُخرجَ السُّم الذي يُعرفُ بالألمِ ويسكُن في دواخلُنا. ونُحبّذ بقوّة لو طلقنَا الكبرياء ونعبّر عن «فلسفة الاشتياق» دون قيود.

تلك الفلسفة التي ندخُل بها في عوالمنا الخاصة جدا، لنكتُبها على ورقة مدّتها طويلة المدى، لكن سهلٌ جدا لو أحرقناها لتُصبح رمادًا يأخذُه الرّيح إلى ما لا نهاية.

فلسفة الاشتياق أو ما نستطيع التّعبير عنه «بعذرية الاشتياق»، كُلها معان مجنونة فقط لنستطيع التعبير. لا نملك عُذرية واحدة بل العديد من المُفردات تسكن فينا يجب أن لا نفقدها. أن نُكسّر حاجز الصّمت، نُكسّر حاجز القوّة المُفبركة بالأحرى فكُ شيفرة كل ما هو كبرياء أمام الاشتياق اللاذع.

إني امرأة أشتاقُ إلى ذاتي كثيرا. أشتاق أن أقف أمام المرآة دون التّحديق كثيرا في هويّتي أو جسدي الذّابل المُتصلّب.

أشتاق أن أقول لنفسي «ياه.. لقد أصبحت أكثر حلاوة ونضجًا فكريًا وجسديًا». إني أشتاق أن أتحدث مع مذكراتي دون خوف من أن أكشف ما أخفيه من ضجيج في داخلي.

اليوم أنا أفقد لغة الخوف وأقول لقد اشتقت إلى أختي التي فتك بها السرطان وجعلها طريحة قبر، أشتاق إلى الحياة وابتسامة. أشتاق إلى مُخرجي المفضّل بروكاست مخيّلتي، إلى أصدقاء الطفولة وأصدقاء الفكرة وأصدقاء الأحلام وصديقي المسرحي المجنون والمشاغبة والتّسكع في الليالي المُظلمة مع الشّلة الحالمة بتغير العالم. أشتاق إلى غرفتي التي أنام فيها وإلى أمي وأبي الموجودين أمامي ولا أستطيع أن أعبر لهم عن اشتياقي. أن أجلس مع نفسي وأتجرّد من تلك المثقفة وملتهمة الكتب، أتجرد من ذاتي لو نصف ساعة أعود فيها جدا عادية بدون أي ضغط أو تعمق في تحقيق ما أريد.

أشتاق لبكاءٍ طويل وشجار مع إخوتي السبعة، أشتاق أن أخرج هذا الكم الهائل من الغضب، أشتاق إلى الرّاحة والسّكينة دون التفكير المفرط في الغد.

أريد أن أتنهد بإعياء وأفتح عيني، فماذا يعني هذا الاشتياق إلا أنني لم ألبث أن تنهدت وفتحت عيني بعد؟

لقد غطى الاضطرابُ غَطَى الاشتياق المؤقت وغزت أقلامنا الفلسفة المُميتة والإحساس العاصف فينا كأنه نوع من الذّعر وذلك الجيشان الذي يرعى الصّدر لم يهدأ منذ بداية المراهقة.

فلسفة الاشتياق وعذريتها التي تُراودنا على أنفسنا وتجعلنا نقدّس عُذرية هذا الاشتياق الذي لا يجعلنا لا نستطيع التعبير عنه أمام حاجز «الكبرياء».

رغم تلك العفوية المفرطة في التعبير، يبقى الكبرياء هو صنيعُنا نحن. لأننا لا نملك له أبيات شعر لتكتمل القصيدة وتبقى عُذرية الاشتياق دوامة لا نجاة منها إلا بالصراخ في وجه الكبرياء فهو غاية وجودي. وإلا بالله خبرني ماذا نصنع بالاشتياق الذي يكتّفنا كالهواء؟  وأسراره التي تلهبنا كالنار والكون الذي يرهقنا بلا رحمة؟، ماذا نفعل بالصمت وأول لقاء لنا مع الاشتياق تفضحنا الأحضان ودقات القلوب؟ وأخيرا  نسمت نسمة خريفية مرّت تُلقي التحية على وجنتي وشعرت بالراحة وكنت خائفة من الجريمة التي ارتكبتها، فقد فقدت عُذرية الاشتياق وخُيّل لي أن الأنغام ترامت من فوق مسرح الاشتياق وكانت قد تحررت كأنني سقف شيع بالنور المكتوم من باطن جوانبه الملتهبة وسألت نفسي السؤال العميق كأنني شاعر في وعيه الأخير. إذا كان الشوق يريدني حقًا لم هجرني؟! ولقد خامرني شعور بأن قلبي ينبض في الواقع وبأنه لم يسكن. ألم يهجر الشوق من أجلنا الدنيا؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد