استفاقت ولاية (محافظة) صفاقس التونسية – ثاني أكبر المدن التونسية بعد العاصمة تونس والمسماة بعاصمة الجنوب – على وقع مفاجأة لم تدر بخلد أحد من ساكنيها، حيث قررت السلطات ودون سابق إنذار الشروع في إنشاء تمثال للرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، في أحد أهم المفترقات الحيوية للمدينة دون سابق إعلام، ما أثار موجة من الاستياء لدى عموم ساكني المنطقة الذين اعتبروا تكلفة إنجاز التمثال تبديدًا للمال العام، والتي من الأجدى حسب رأيهم أن توزع على من هم أكثر احتياجًا وما أكثرهم في بلد تمزقه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية منذ ما يربو عن السبع سنوات تاريخ اندلاع الثورة التي أطاحت بالرئيس المخلوع زين العابدين بن علي.

وأشعلت هذه الحركة مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف الآراء حول الرئيس السابق، بين مؤيد له مبارك لتوجهاته وآخر منتقد له ولتاريخه وسياساته عمومًا، لكن اللافت أن أغلب القراءات جانبت الموضوعية في تحليلها، فكانت إما مباركة له متغافلة عن زلاته، أو جارحة له متعامية عن إنجازاته، لكن وقفة تأملية موضوعية لتاريخ حكم الرجل الطويل والممتد لواحد وثلاثين عامًا بالتمام والكمال تجعلنا نقارب الموضوع بإنصاف أكثر، فبورقيبة حرر المرأة التونسية بدون شك، ومنع تعدد الزوجات، ومنع الطلاق برمي يمين الطلاق وأخضعه لسلطة مؤسسات الدولة، بل وحيد كل المؤسسات الدينية عن التدخل في شؤون الأشخاص وعوضها بالمؤسسات المدنية لا سيما المحاكم، بورقيبة أيضًا أدمج المرأة في النسيج المجتمعي بحيث أصبحت تقريبًا تتقاسم كل الوظائف مع الرجل حتى تلك الوظائف التي كانت توصف بالذكورية والمحتكرة من قبل الرجال على امتداد قرون طويلة.

 جدير بالذكر أيضًا أن أحد أهم إجراءات بورقيبة الاجتماعية التي لم تذكر كثيرًا هي تحديد النسل، وهذا قرار لولاه لكانت وضعية البلاد كارثية من الناحية الديمغرافية حيث تشير التقديرات أنه لولا هذا الإجراء لبلغت تونس تعدادا يتراوح بين 30 و40 مليون نسمة عوضًا عن 11 مليون نسمة حاليًا، ما جنب البلاد الانزلاق في هوة اجتماعية واقتصادية سحيقة كانت قد تؤدي إلى نتائج كارثية لا يحمد عقباها.

أما على الصعيد الخارجي، فيحسب بدون شك لبورقيبة حدسه السياسي وقراءته الاستباقية لكل الأحداث العالمية التي عاصرها، حيث تنبأ بهزيمة المحور وانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية وحذر من مغبة مساندة ألمانيا في الحرب ما يفتح باب انتقام فرنسا – حامية تونس آنذاك – على مصراعيه ما قد يؤجل استقلال البلاد، علاوة على ذلك توقع انهيار الاتحاد السوفياتي قبل وقوعه بسنوات عديدة، مؤكدًا على حتمية فشل التجربة الاشتراكية، وهو ما حصل فعلًا مطلع التسعينيات، ويبقى الطرح الأكثر شجاعة قراءته للقضية الفلسطينية، والتي أضحت مرجعًا يستند إليه كبار خبراء الشأن الفلسطيني بل بلغ الأمر بالبعض إلى إعرابهم عن ندمهم على عدم الاقتداء بالطرح البورقيبي، الذي طالب العرب بالقبول بقسمة أرضهم مع اليهود آنذاك، بحصة تفوق ما يتمتعون به اليوم بكثير، كل هذا لا يجادل فيه أحد لكن هذه القراءة تبقى منقوصة إذا لم يتم تنزيلها على محك النقد الموضوعي، فبورقيبة لم يؤسس لفكر تحرري من صميم أفكاره، بل استند في أغلب مرجعياته الفكرية على أفكار المفكر التونسي الحداثي الطاهر الحداد.

 من جهة أخرى فقد وقع التغاضي على النتائج العكسية التي أدت إليها سياسات بورقيبة التحررية خاصة في مجال المرأة، حيث إن تونس اليوم تحتل مرتبة متقدمة في العالم في نسبة الطلاق، إذ أدى تحرير المرأة بشكل كلي إلى اختلال التوازن الاجتماعي، حيث أصبحت المرأة التونسية متمردة بشكل لافت واختفت هيبة الزوج عن البيوت التونسية، وتحولت المرأة في عديد العائلات إلى ربان الأسرة وقائدها، وهو اختلال فاضح في التقاسم الطبيعي للأدوار في الأسرة، فقانون الطبيعة ينص على أن المرأة خلقت لتقاد، وليس في هذا الكلام أي نزعة رجعية أو رغبة في العودة للوراء، لأن القيادة في الأسرة هي الوظيفة الرئيسية للرجل، وأكبر خطأ كارثي تعانيه المرأة التونسية هو تصورها لتحرير المرأة على أنه تسليم دفة القيادة لها، في حين أن المراد من تحرير المرأة منحها مطلق الحرية في اختيار شريك يحسن القيادة، وحمايتها قانونيًا من أن يفرض عليها شخص غير مؤهل لتأسيس أسرة فقط لا غير، وما تجنيه البلاد حاليًا من ارتفاع معدلات الطلاق وارتفاع نسبة العنوسة وكثرة المواليد خارج مؤسسة الزواج إلا نتيجة لسياسات بورقيبة الاجتماعية غير المدروسة.

 أما فيما يخص الإصلاحات التي شملت التعليم، فلا ينكر أحد جودة التعليم التونسي في العهد البورقيبي، حتى إن الباكالوريا التونسية كانت معترفًا بها في أرقى الجامعات العالمية، لكن وجب التصحيح هنا أن بورقيبة لم يكن صاحب فكرة إجبارية التعليم ومجانيته، بل يعود الفضل في ذلك إلى الباي الوطني المنصف باي صاحب الفكرة وواضعها حيث لم يقم بورقيبة بأكثر من إعادة صياغتها.

 أما في خصوص علاقة بورقيبة بالإسلام ففيها لغط كبير بين من يعتبر الرجل مسلمًا صالحًا له مقاربة مختلفة عن الإسلام، وبين من يعتبره مارقًا زنديقًا خارجًا عن الملة، حيث بلغ الأمر بالبعض حد تكفيره مثل مفتي المملكة العربية السعودية في السبعينيات عبد العزيز بن باز، الثابت تاريخيا في هذا السياق أن الرئيس التونسي السابق أعلن صراحة وعلى الملأ ضرورة إفطار شهر رمضان لما فيه من مشقة على الصائمين، بل وشرب كأسًا من العصير في أحد أيام شهر رمضان المبارك على مرأى ومسمع من الجميع، وهنا كانت الدولة تفرض على منظوريها الذين هم تحت رعاية مؤسساتها والمقصود هنا المبيتات الجامعية والثكنات العسكرية الإفطار قسرًا، من ناحية أخرى قال بورقيبة أيضًا في أحد خطاباته أن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم رجل يسافر كثيرًا في الصحراء ويستمع كثيرًا لخرافات البدو فتأثر بها، بل وأضاف أن القرآن الكريم مليء بالخرافات على غرار قصة أهل الكهف وقصة عصا موسى، بل اللافت أنه كان يقول في خطاباته النبي فقط عند وصفه للرسول محمد صلى الله عليه وسلم دون حتى أن يصلي عليه شأن عامة المسلمين، وكل هذا الكلام موثق من خلال تسجيلات التلفزة التونسية في ذلك الوقت حيث طرح مختلف هذه الأفكار في خطابه بدار المعلمين سنة 1972.

أما على الصعيد الاقتصادي فيلام بورقيبة لتكريسه التفاوت بين الجهات وميله المفرط لمسقط رأسه المنستير التي أبى إلا أن يجعلها ولاية (محافظة) قائمة بذاتها وأصر على إنشاء مطار فيها رغم افتقارها للمعايير الفنية، ما جعل السلطات اليوم تجبر على بناء مطار آخر غير بعيد عن مطار المنستير وتحديدًا في مدينة النفيضة، ناهيك عن منوال تنموي مختل بالكامل بين الشريط الساحلي الفائز بنصيب الأسد من ميزانية التنمية والمناطق الداخلية شبه المنسية، وهو ما ازداد تعمقًا في العهد النوفمبري،  وبالعودة لدبلوماسية بورقيبة النشطة والمتألقة فعلى رجاحة عقل الرجل وقوة شخصيته التي ظهرت خصوصًا في حادثة حمام الشط حيث أجبر أمريكا على عدم استعمال حق الفيتو في أي قرار يدين إسرائيل صادر عن مجلس الأمن بعد اعتدائها على حرمة التراب التونسي في غارة جوية كان الهدف منها اغتيال الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، إلا أنه لم يتمكن من إجبار إسرائيل على الالتزام بما ورد في نص قرار الإدانة خصوصًا إجبارها على دفع تعويضات لأهالي الضحايا، وهو ما لم يتحقق إلى يومنا هذا.

أما استقلال البلاد الذي كان يعتبر مهندسه، فقد أثبت التاريخ بما لا يدع مجالا للشك أنه منقوص بكل المقاييس، وأن سيادة البلاد لم تسترد إلى الآن والدليل المنطقة العازلة الموجودة في الجنوب التونسي الممنوعة على المواطنين التونسيين وهو ما يعتبر تعديًا صارخًا على الدستور الذي يكفل حرية التنقل للأفراد ناهيك عن ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، ويتوهم من يتعلل بكونها منطقة عسكرية بالأساس وغير مدنية حيث لا يوجد دولة في العالم ثلث مساحتها تقريبًا منطقة عسكرية مغلقة، هذا دون أن نغفل عقود استغلال مختلف ثروات البلاد التي يعتبرها مراقبون جائرة ولا تراعي مصلحة الوطن، خاصةً عقود استغلال الملح التي حررت بالمليم الرمزي ولا زالت إلى الآن سارية المفعول منذ أربعينيات القرن الماضي.

 ومن الناحية السياسية لا يمكن الحديث عن بورقيبة دون الحديث عن جشعه للسلطة واستفراده بالرأي، فالرجل أخرس كل معارضيه حتى ممن كانوا مع الدساترة (حزب بورقيبة) في صف واحد ضد الاستعمار الفرنسي خاصةً من الشيوعيين، ناهيك عن اغتيال أبرز معارضيه صالح بن يوسف وملاحقة أتباعه ثم التنكيل تباعًا باليساريين والإسلاميين على حد سواء، علاوة على منع التعددية الحزبية وإقرار مبدأ الرئاسة مدى الحياة وهو أكبر أخطائه حيث مهد الطريق لابن علي ليحكم البلاد بقبضة من حديد من خلال تمكينه من شعب جاهز في لاوعيه لتقبل فكرة الاستبداد، وهو ما يتجلى الآن من خلال دعوات البعض لعودة ابن علي وهو ما كان يمكن تفاديه لو أرسى بورقيبة لبنة الديمقراطية، أخيرًا لمن يعتبر الرجل مناضلا سجن وعذب في سجون فرنسا وجب التنويه بما قدمه عظماء آخرون لأوطانهم من قبيل غاندي ومانديلا الذي سجن أكثر من بورقيبة، ورغم ذلك لم يسل لعابه للسلطة بل سلمها طوعًا لخلفه ما انعكس على تجربة جنوب أفريقيا في شتى المجالات والتي أصبحت اليوم تنافس أكبر الاقتصادات في العالم رغم زوال نظام الإبرتهايد مطلع التسعينيات فقط مقابل استقلال تونس منذ العام 1956.

هذا إجمالا ما لم يتم التطرق إليه في معالجة حقبة حكم بورقيبة، والتي جعلت الآراء تنقسم إلى قسمين شق يُرى فيه قائدًا فذا أعطى لتونس الكثير وأنقذها من براثن الجهل والفقر والتخلف، وشق يُرى فيه إنسانًا سلطويًا متعطشًا للحكم أنهك البلاد والعباد بحكمه الجائر وضيع على تونس فرصة اللحاق بركب الدول المتقدمة، يقبع الرجل بين هذا وذاك في انتظار من ينصفه لكن للأسف يبدو أن سلبياته تطغى على ما قدمه لوطنه بكثير.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب بورقيبة والإسلام الزعامة والامامة للكاتب لطفي حجي
عرض التعليقات
تحميل المزيد