أن تبني شيئًا، فهذا فعل يحضر إلى الوجود موضوعًا أو شيئًا لن يكون له وجود لولا ذلك الفعل. فعلى سبيل المثال، توجد المادة الملموسة كالخشب مثلًا، في الطبيعة، لكن في الإمكان تشكيلها في عدد كبير جدًا من الأشياء، كالدعامات التي تستخدم في بناء البيوت، أو في صنع بندقية صيد أو آلة موسيقية، أو تماثيل خشبية. وعلى الرغم من أن هذه تمثل أشياء مادية في حد ذاتها، فإنها غير موجودة في الطبيعة بل أتت إلى الوجود من خلال أفعال من صنع الإنسان. وبمجرد أن يتم بناؤها، يكون لكل واحد من هذه الأشياء معنى محدد واستخدم معين ضمن سياق ما.

لذا يتقاسم البنائيون وجهة النظر القائلة أن كل أشكال المعرفة عن العالم «مبنية اجتماعيًا » وإنها تعكس أفكارنا وافتراضاتنا، بدلا من أن تعكس حقيقة اجتماعية موضوعية. بالتالي البنائية، شأنها شأن المقاربات الأخرى «كالليبرالية والواقعية والنسوية والنقدية»، تتحدى المدى الذي يمكن فيه التعامل مع السياسة الدولية بوصفها علمًا اجتماعيًا وضعيًا، وذلك لأنها تبحث بالكيفية التي تلعب بها أشياء كقواعد السلوك والأفكار والثقافة دورًا في بناء الوقائع السياسية. بهذا المعنى، السياسة الدولية هي انعكاس لأفكار الناس عن العالم بدلًا من انعكاس للقوى المادية التي تصوغ تجارب الناس عن العالم. على أية حال، لبعض الأفكار التي لدينا على العالم تأثيرًا أكبر بكثير مقارنة بغيرها – على سبيل المثال، أفكار مثل: «الدولة لها أهميتها في العلاقات الدولية» أو «العولمة تغير من طبيعة السياسة الدولية» هي أفكار شائعة معتنقة اليوم.

هذه الأفكار المعتنقة هي التي يهتم بها البنائيون بوجه خاص، إذ إن هدفهم هو التركيز على الكيفية التي يظهر بها الإجماع حول أفكار معينة، وكيف تبلغ بعض الأفكار المحددة درجة «الحقائق» في السياسات الدولية. يشار إلى هذه الأفكار، عادة، بِـ«المعتقدات المتمثلة داخليًا». إنها أفكار تبنى اجتماعيًا، لكنها تعتبر، على نطاق واسع، وكأنها صحيحة.

علاوة على ذلك، فإن المعتقدات المتمثلة جماعيًا كهذه هي انعكاس للكيفية التي تصوغ بها المفاهيم المبنية اجتماعيًا عن هوية اللاعب واهتماماته في السياسات الدولية.

إن الاعتقاد بأن دور الدولة يساعد على بناء هويتها بوصفها لاعبًا وطنيًا واحدًا عقلانيًا، وعلى بناء مصلحتها الوطنية في سعيها لتعزيز قوتها العسكرية والاقتصادية لتضمن الأمن والبقاء هذه الحجة يلخصها «ألكسندر ويندت» عندما يدعي أن الهويات هي أساس المصالح.

يسلط البنائيون الضوء على ثلاث أفكار رئيسية:

أولًا: تقترح فكرة البناء الاجتماعي وجود اختلاف عبر السياق مثلًا من وجود واقع موضوعي منفرد. وقد سعى البنائيون إلى تفسير أو فهم التغير على المستوى الدولي. والنظريات التقليدية في العلاقات الدولية والتي غالبًا ما افترضت تماثل الدول. أما التغييرات الجوهرية التي ظهرت مع نهاية الحرب الباردة وفي أعقابها، فقد كشف عن أهمية السياق التاريخي وأثارت تساؤلات عن الانتقال من الصراع إلى التعاون أو التحول من السلام إلى الحرب.

ثانيًا: أكد البنائيون على الأبعاد الاجتماعية للعلاقات الدولية ،وأظهروا أهمية المعايير، والقواعد، واللغة على هذا المستوى. أما أهمية فكر غورباتشوف (التفكير الجديد) في وضع حد للحرب الباردة، وفي ازدياد أهمية معايير التدخل الإنساني، وفي انتشار القيم الديمقراطية الليبرالية، فقد أدت إلى إثارة تساؤلات نقدية حرجة حول تأكيد النظرية الواقعية حصريًا المصلحة المادية والقوة. وقد شدد البنائيون على أن الواقعين كانوا غير قادرين على إعطاء تفسير لبعض القضايا الأساسية المتعلقة بالسياسة الدولية لحقبة ما بعد الحرب الباردة، وأنهم سعوا إلى إعطاء تفسير أكثر كمالًا، أو تفسير أفضل، مبني على تحليل للكيفية التي تجتمع فيها العوامل المادية مع العوامل الفكرية في بناء احتمالات ومخرجات مختلفة.

ثالثًا: حاج البنائيون بأن السياسة الدولية، وبعيدًا من الواقع الموضوعي، هي (عالم من صُنعنا). وردًا على كثرة محددات «البناء» في النظرية الواقعية الجديدة والليبرالية الجديدة، قدم البنائيون احتمال الفاعلية وشددوا على عمليات التفاعل. ولا يعني ذلك أن لدى الجهات الفاعلة حرية تامة في اختيار ظروفها، وإنما إنها تتخذ خيارات أثناء عملية تفاعلها مع الآخرين، ونتيجة لذلك، فإنها تجلب وجود وقائع متميزة تاريخيًا، وثقافيًا، وسياسيًا.

في هذا الصدد تعد العلاقات الدولية بناءً اجتماعيًا بدلا من وجودها مستقلة عن المعنى والسلوك البصريين. ولا تقوم الدول والجهات الفاعلة الأخرى بمجرد إعطاء ردة فعل كأفراد عقلانيين، لكنها تتفاعل في عالم ذي معنى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد