النانو هو لفظ مشتق من كلمة النانوس الإغريقية بمعنى القزم، أو كل شي صغير، ويتناول علم وتقنية النانو المواد المتناهية في الصغر، أو التكنولوجيا المجهرية الدقيقة، حيث يقوم بمعالجة المادة على المقياس الذري والجزيئي، وتقاس أبعادها بوحدة النانومتر التي تستخدم للتعبير عن المليار من الشيء، بمعنى تقاس على جزء من مليار جزء من المتر، وجزء من مليار جزء من الثانية، ويمكن كتابته بالأرقام التي تتراوح أبعادها بين واحد إلى 100 نانومتر.

وتعتبر تقنية نانو تكنولوجي من أدق وأنجح ما توصل إليه العلماء في نظريات الفيزياء عبر قوانين الكوانتم التي لعبت دورًا أساسيًا في بناء وتشكيل علم النانو تكنولوجي، تنص نظرية الكوانتم على أن الطاقة الضوئية لا تتناسب، وتتدفق بشكل متواصل، بل تكون متقطعة ومحددة على شكل Quanta، وتتبنى نظرية الكوانتم مفهوم أن الطبيعة المجهرية احتمالية، أي أنه لا يمكن التنبؤ بشكل مسبق وصارم بكل مواصفات الجسيم، سواء كان هذا الجسيم (جزيئًا، ذرةً، إلكترونً)؛ مما يؤدي إلى مبدأ الاحتمالية.

ولفهم هذه النظرية بشكل سليم وواضح لابد عن الرجوع إلى مبدئين:

مبدأ عدم اليقين للعالم هايزنبرج، والذي ينص على وجود حد يمكن من خلاله تحديد المقاييس المتغيرة المختلفة للجسيم بدرجة معينة من الدقة، مثلًا عند أخذ جسيم الإلكترون هناك حد معين يمكن من خلاله قياس كل من طاقة وزمن أو سرعة والموقع بدرجة معينة من الدقة، بمعنى إذا أردنا التركيز على زيادة دقة قياس (سرعة إلكترون مثلًا) بمزيد من التفصيل والتركيز فإن المتغير الآخر (موقع الإلكترون) سينخفض فيما يتعلق بقياسه، وفي المقابل إذا تم تحديد موقع إلكتروني بدقة عالية لا يمكن قياس وتحديد سرعته بدقة نفسها، بل ستنخفض.

مبدأ الطبيعة الشبيه بالموجة للمادة ينص هذا المبدأ على أن الجسيم يتمتع بطبيعة تشبه الموجة، وهو جانب مهم من عناصر ميكانيكا الكم تسمى ثنائية الجسيمات الموجية، من خلال هذا المفهوم في ازدواجية جسيم – الموجة يمكن وصف كل جسيم أساسي في كونه جسيمًا وموجة في آن واحد.

ومن هنا تم دمج مبدأ عدم اليقين مع مبدأ طبيعة الشبيهة بالموجة للمادة بسلاسة لتشكيل قوانين الكوانتم ومن أهمها ظاهرة النفق الكمي التي جرى اعتماد عليها في تقنية النانو، وتعبر هذه الظاهرة على قدرة اختراق جسيم أولي لحاجز جهد وتحركها عبره بسهولة، وهذا غير ممكن في نظريات الفيزياء والميكانيكا الكلاسيكية؛ لآن للجسيم طاقة أقل من طاقة حاجز، وقد يكون من المستحيل تجاوزه ماديًا مثل الغازات، الفراغ أو منطقة ذات طاقة عالية، فكيف لهذا الجسيم الأولي عبور الحاجز واختراقه بكل سهوله والسبب هنا يكمن في الطبيعة الموجية للجسيم التي تنتشر وتخترق حاجز الجهد، هذا باختصار مفهوم ظاهرة النفق الكمي التي يستخدم فيها الميكروسكوب الماسح الذي يعمل عن طريق النفق ليصور ويسمح برؤية هذه الظاهرة. (Scanning Tunnelling Microscope).

قام العالم الفيزيائي ريتشارد فاينمان باخد هذا السلوك للجسيم واستخلاص وتوليد أفكار و مخططات ذهنية عديدة عن علم وتقنية النانو بمحاضرته الشهيرة عام 1959  هناك حيز كبير في القاع»، حيث أشار إلى أن هناك الكثير مما يمكن فعله على مستويات الأدنى، أي في القاع من سلم الأطوال والأحجام.

يمكن من خلال هذا العلم تصوير، تشكيل وبناء الذرات ليس عبر الخلية فقط، وإنما الذرات بذاتها التي تشكل الخلية، ومن إمكانية تغيير الخصائص الأصلية للمادة عبر التحكم في ذرات.

تستخدم هذه التقنية في كثير من المجالات الصناعة، العسكرية، الزراعية، الطاقة المعلومات والاتصال، الصناعات التقنية، الكيمياء الحيوية والطبية، وفي استهلاك السلع مما يجعلها التكنولوجيا فريدة من نوعها خارقة للعادة تبعًا لخصائصها مميزة حيث إن ما يسمى بنانوتيوب هي عبارة عن أسلاك وأنابيب مبنية على تقنية نانو، وهي سميكة ورفيعة جدًا أن تمسك وتحمل فيلًا كاملًا بكل سهولة، ويمكن عبر الأقمصة التي تم عملها عبر تقنية النانو أن تحمل مواصفات جديدة بمجرد اللمس، مثل تغيير في لون أو ربما في الشكل، هذه الخصائص لاءمت جميع علوم ومجالات الحياة لنستخلص ونتأمل مميزات تقنية النانو في مجال واحد لاستيعاب قدرات التي تضيفها تكنولوجيا نانو بمعالجتها المواد على مستوى ذرات الصغائر.

تقنية النانو في مجال الطب لها الفضل في تعزيز تجديد الخلايا العصبية وهندسة الأنسجة التي تمكن من تصميم وتصنيع السقالات المتوافقة حيويًا، والتي تشبه المصفوفة خارج الخلية الأصلية على النطاق النانوي، والتحكم في الإطلاق الزماني المكاني للعوامل البيولوجية لتوجيه سلوك الخلية، وفي النهاية تؤدي إلى تكوين أنسجة قابلة للزرع؛ مما يوفر فرصة لمن يتعرض لأضرار كَالحوادث والأمراض، قدمت تقنية النانو حل العديد من العوائق الطبية من جانب الأدوية، الأمراض العويصة، الولوج والوصول للجزء المتضرر من جسم الإنسان، لنحلل ونفهم هذا النص المترجم الذي يقوم بشرح تقنية النانو في هذا المجال ونسأل أنفسنا بعدها بمنطقية عن فعالية وخطورة هذه التقنية التي جرى اعتبارها عمل استكشافي أدى إلى تشكيل علم جديد وافق واندمج مع جميع العلوم.

النص مترجم من مقال طبي في العدد السابع من:

Health Europa Quarterly

نشر في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018. بعنوان: نانو بوت في الطب هو مفتاح مكافحة الأمراض المزمنة مع الطب النانوي:

العصر الناشئ من الطب النانوي هو الناشئة التي تسمى نانو بوت، أو نانو روبوت، وهي عبارة عن بناء مكون من حزم صغيرة، والتي يمكن أن تكمل مهمة كاملة بطريقة آلية، ولها القدرة على الشعور والاستجابة، والكشف عن العدو، أو الصديق داخل الجسم، وتقديم توصيلة، وأخذ حمولة إلى وجهته المرادة له، كل ذلك على نطاق النانو، وعلى مستوى ذرات.

الأدوية التقليدية القابلة للذوبان في الماء هي أبعد ما تكون عن الكمال والصعوبات الحالية في العلاج، ومع ذلك تسمح الآلات النانوية الأطباء لمراقبة الكيمياء الداخلية لأعضاء الجسم وتوفر الوصول المباشر إلى المناطق المريضة. بالإضافة إلى أنه يمكن تجهيز التكنولوجيا مثل نانوبوت مع أجهزة الإرسال اللاسلكية، حتى يتمكن الأطباء من الاستجابة والرد بالتحديد لتلك الحالة الطبية الخاصة، يمكن زرع نانوبوت في الطب في الجهاز العصبي للمريض لمراقبة نبض وأنشطة الموجات الدماغية، كما لها القدرة على استبدال أجهزة تنظيم ضربات القلب بالكامل عن طريق علاج خلايا القلب مباشرة، تقدم الأبحاث المتعلقة بالروبوتات النانوية في الطب العديد من الفرص، مثل الأجسام المضادة الاصطناعية، وخلايا الدم البيضاء الاصطناعية، وخلايا الدم الحمراء، والروبوتات النانوية المضادة للفيروسات.

يسبب العلاج المناعي الكثير من الآثار السلبية للمرضى من آلام في المعدة، تغيرات في الجلد وفي بعض الأحيان يقوم الجهاز المناعي بمهاجمة الخلايا السليمة لذلك، جمع الباحثون بين الطب النانوي المغناطيسي القائم على الفوكويدان والعلاج المناعي أثبتت النتائج أن مثل هذا المزيج يحتوي بنجاح الخلايا السرطانية مع تعزيز نمو الخلايا السليمة، مما يقلل بدوره من الآثار الجانبية، ويزيد من كفاءة العلاج، حيث تعمل الروبوتات النانوية كجراحين مصغرين يمكن استخدامها لإصلاح الخلايا التالفة أو استبدال الهياكل داخل الخلايا بالكامل. وعلاوة على ذلك فإنها يمكن أن تكرار أنفسهم لتصحيح نقص وراثي، أو استبدال جزيئات الحمض النووي للقضاء على المرض. يزعم العلماء أن أسطولًا من الروبوتات النانوية يمكن أن يكون بمثابة أجسام مضادة أو عوامل مضادة للفيروسات لعلاج المرضى الذين يعانون من ضعف الجهاز المناعي. يمكن أن يخلق التحقيق في الروبوتات النانوية في الطب فرصاْ مربحة في الرعاية الصحية، مثل فك انسداد الشرايين أو استبدال العضو بالكامل.

الميزة الرئيسة التي توفرها نانوبوت هي أنها دائمة للغاية ونظريًا، فإنها يمكن أن تعمل لسنوات دون أي ضرر بسبب حجمها الصغير؛ مما يقلل من الأضرار الميكانيكية.

بعد فهم ماهية النانو والإمكانات العجيبة التي تستطيع تقديمها في مجال واحد يجعلني ذلك أتساءل مجموعة من التساؤلات عن المعجزات الأخرى التي يوفرها للعلم والمجالات القائمة والموافقة لخصائص هذه التقنية ومدى فاعليتها.

وخطورتها فعلى سبيل المثال يجعلني ذلك أتساءل جميع هذه الأسئلة المنطقية التي أعجز عن الحصول عن أجوبتها فأنا لست بعالمة في هذا المجال، ولكن حثّني الفضول وشغفي في الاستطلاع والبحث عن هذا العلم، وخصوصًا بعد مشاهدتي لفيلم الخيال العلمي الذي يجسد خوارق وإمكانيات هذه التقنية بشكل خيالي:

Transcendence

1- ولكن هل يمكن وفعلًا لنانو تكنولوجي وبالتحديد القدرة على إعادة تشكيل وبناء العالم من حولنا من خلال التعديل، التلاعب وإعادة البناء؟

-2- للنانو القدرة على استمرار الدائم ولا تنطبق عليها صفة التأقيت؟ هل يمكن استخدام هذه الإمكانية للحماية من جميع الأمراض في الجسد؟ أو بمعنى آخر: هل يمكن لجسد جميع الكائنات الاستمرار والبقاء بدون تلف؟ وإلى متى؟

3- بعض المواد كالملابس المصممة بتقنية النانو تتغير بلون والشكل بمجرد اللمس، هل تؤثر وتتأثر الحواس الأخرى بهذه التقنية بمعنى التغيير في ماهيتنا، أفكارنا، قدراتنا ونظرتنا لما حولنا إذا تم استخدامها لأغراض أخرى؟

4- يمكن استخدام نانو بوت لتعديل الجينات، هل من المحتمل استخدام هذه التقنية بشكل غير أخلاقي على سبيل المثال تحسين العرق الإنساني كالون، الصفات الشكلية، والبنية الجسدية والكثير من المميزات الأخرى؟

5- تبين في العديد من الأبحاث أن ذرات النانو، وخصوصًا التي قد تتكون من ذرات الكربون أنها تعمل بنفسها بشكل آلي ما الذي يمكن أن يصيب الحياة إذا تسربت بشكل خاطئ لطبيعة، البيئة، المناخ؟ وما الأضرار التي يمكن أن تحدثها للإنسان والكائنات أجمع؟ هل يمكن تفادي مثل تلك المخاطر؟

6- ما هي المهمات والصعوبات التي تواجه العلماء والأطباء في البحث في تقنية النانو والعمل عليها؟

7- ما الإجراءات والسياسات المسموحة والواجب اتخاذها للشروع في بناء واستخدام علم كهذا، والتفنن والإبداع في تقنياته؟ وما هي الجهات اللازم تعاونها لتقرير ذلك؟ وإلى أي مدى من الممكن الوصول إليه؟

وأخيرًا هذه مجرد تساؤلات قد تكون منطقية للبعض وغريبة للبعض الآخر، ولكنها تسلط الضوء على تقنية تستخدم بالفعل في وقتنا الحاضر، وتدرس في العديد من الجامعات في العالم، وقامت باكتساح الكثير من التقنيات والأساليب القديمة، ولها فوائد وأضرار، مثل كل وأي شيء جديد، الفرق هنا أن هذه التكنولوجيا فعلًا مميزة وخارقة للعادة، على الرغم من البحث المستمر إلى يومنا هذا، وعدم اليقين بجميع فوائده ومخاطره إلى أن النتائج التي تحققها مدهشة، ويجعلنا نود طرح المزيد من الأسئلة، وتوليد مخططات ذهنية عن هذا العلم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد