«عايزة أروح (شباك)»

كان هذا رد متحمس لعجوز مريضة عندما حاولت مداعبتها وسؤالها: أين تحب أن تذهب في رحلة للاستجمام؟ وبعدها أخذني أحد أحفادها وشرح لي أنها تقصد منطقة بدوية فقيرة وسط الصحراء، ولدت وقضت طفولتها بها، وأن هذه المنطقة لم تعد موجودة الآن، حيث تم تسويرها وتحويلها إلى معسكر كبير للجيش.

تماس كلام العجوز مع شعوري المتواصل بالحنين لمدينتي الصغيرة وأيام الطفولة والشباب ورفقتهم، رغم صعوبة هذه الأيام، ليس هذا فقط، بل مع ما صار ينتابني من شعور مستمر بالحنين تجاه كل ما ماهو من الماضي!

وتساءلت لماذا نشعر بالحنين لأيام قد تكون أصعب مما نعيشه اليوم؟

هل ما نشعر به هو اشتياق للماضي ورغبة في أن يعود؟ أم أن ما نشعر به هو حزن على ما مر من العمر ولن يعود؟ أم أن هذا هو حنين لك أنت ذاتك في فترة ما من حياتك؟

قديمًا قرأت عن الفارق بين الولادة البيولوجية والولادة الاجتماعية، وأنه لا يكفي أن تولد بيولوجيًا حتى تدخل التاريخ كإنسان، ولكن موقعك الاجتماعي وما تتلقاه خلال فترات عمرك الأولى من (لغة/معرفة) هو ما يشكل وعيك الاجتماعي، ويحدد ميولك وانحيازاتك الطبقية، بل إنه يخلق أمام حواسك (مصفاةً) شديدة التعقيد تقوم مع الوقت بعمل انتقاء إجباري لكل ما يدخل إلى عقلك عبرها، وكذلك ما تقوم بالتعبير به عن ذاتك من خلالها، وهذه الولادة الاجتماعية لا تقف عند عمر محدد، بل هي مخاض متواصل مع كل تجربة جديدة يخوضها المرء.

قد ينسف هذا تمامًا فكرة الحنين، وقد يجعلها أكثر علمية، فوفقًا لهذا قد يكون ما نشعر به من حنين هو بشكل ما حنين الى المرحلة البيولوجية أو أقرب الأوقات اليها ونعتها بالطهارة في مواجهة دنس الحياة والتجربة، فهو حنين إلى أبسط تركيبة كان عليها وعينا، رغم أنه لولا الولادة الاجتماعية الموصومة بالدنس هذه لما كنا على وعي بأهمية أو طهارة الولادة البيولوجية، بل وما كنا بشرًا من الأصل لنتساءل مثل هذه الأسئلة.

وقد يكون الحنين لدى البعض هو حنين الى مجموعة من الرموز تمثل مرحلة ما من هذه الولادة الاجتماعية المتعثرة قد تم هضمها واستيعابها الآن، ومحاولة للفرار من آلام الولادة الاجتماعية المتجددة مع كل تجربة حياتية جديدة لم يتم هضمها واستيعابها بعد، فكما أن الحياة لا تنتهي سوى بالموت البيولوجي فالتجارب لم ولن تنتهي سوى مع هذا الموت، وهكذا بالطبع لن يمكننا الفصل بين ما مر بنا من لحظات حلوة ومرة لأنهما مجدولتان في نسيج (الذاكرة/اللغة) بلا انفصام، ولهذا يصنعان سويًا ما نشعر به دومًا من شجن!

فالشعور بالحنين إذًا ليس شعورًا ذاتيًا فقط أو موضوعيًا فقط، ولكنه نابع من وعينا بقسوة الحاضر وتجاربه؟ إنه محاولة للإنفلات من حالة اللايقين التي يخلقها المخاض المستمر الذي نخوضه على مر عمرنا القصير، كما أنه تعبير عن حالة المعاناة التي خلقتها حالة التفاوت الطبقي والظلم الاجتماعي الذي اتسمت به المجتمعات البشرية بعد تجاوز مرحلة المجتمع المشاعي البدائي، وترتبط شدته على المستوى الفردي بمدى نضجنا وقدرتنا على التعامل مع قسوة هذا الحاضر من ناحية، وموقعنا داخل الهرم الاجتماعي من ناحية أخرى.

فنحن البشر من خلقنا هذا التفاوت الطبقي وهذه الصعوبات في الحياة، ثم إننا من نقوم ذهنيًا، على المستوى الفردي والجماعي، بتحويل ما استطعنا تجاوزه من أوقات مهما كانت صعبة إلى فردوس مفقود بالمقارنة مع ما نعيشه اليوم من صعوبات لم نستطع تجاوزها بعد!

بل إننا من نقوم بتحويل هذا الحنين في بعض الأحيان إلى مرض نفسي وفكري واجتماعي كما لدى بعض الأفراد المصابين بالذهان والانفصال التام عن الواقع، ولدى بعض الجماعات والتيارات الفكرية والسياسية التي تهرب من قسوة الواقع السياسي والاجتماعي إلى الماضي وتصوره (فردوسًا مفقودًا) كتيارات الإسلام السياسي التي ترفض أي قراءة علمية للتاريخ الإسلامي وتصور حقبة بعينها كجنة كاملة الملامح بشكل مفارق للتاريخ، وكذلك أصحاب التوجهات الفكرية غير العلمية التي تتحدث عن الهرب من المدينة القاسية الى الريف الجميل وتنتج فكر وفن يعبر عن مثل هذه المعاني مثل أغنية (محلاها عيشة الفلاح) لمحمد عبد الوهاب وفيلم (خرج ولم يعد) لمحمد خان متجاوزة كل ما كان ولا يزال يعانيه الفلاح إلى اليوم من هموم وآلام، بل إن هذا الحنين قد يكون هو ما خلق ثقافة الحياة الآخرة والجنان والملكوت السماوي والأرض الموعودة..الخ ولا عجب في ذلك، فوفقًا للقصة التوراتية كان تناول آدم لثمرة المعرفة المحرمة هو سبب خروجه من الجنة.

ولكن هل بالفعل يخنق الحنين للماضي (الحاضر) ويقف عائقًا أمام المستقبل؟ أم أن الأصح هو ما يقوله ساراماجو: ما نحن الا ذكرياتنا والمسئولية التي نتحملها فبدون ذكرى لا وجود لنا، وبدون مسئولية لا نستحق الحياة؟! وأخيرًا ماذا لو صار الحاضر والمستقبل أقل قسوة من الماضي؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفكار
عرض التعليقات
تحميل المزيد