ما زالت وجهات النظر حول مسألة الأمن تشكل أساسًا منطقيًا لاختيار طريق المضي قدمًا نحو بناء قدرات نووية، فإن وسائل الضغط التقنية لا تزال غير كافية لتحطيم الهمم الساعية بكل قوة لامتلاك تلك الأسلحة.

بدأت الدول تدرك أن بناء قدرات نووية سيتيح لهم احتلال مكانة أعلى، ومن خلالها بإمكانهم تحدي أو الوقوف بوجه المنافسين. أو حتى إعادة تكوين أسس منظومة مصالح جديدة لهم. لكن في هذه الحالة تقف أمامهم مصاعب كثيرة تعوقهم خلال تنفيذ محاولتهم هذه.

لذا نرى أنهم يميلون للمناداة بحظر انتشار الأسلحة النووية، انطلاقًا من تصوراتهم الموضوعية الخاصة. فإن من الضروري مساندة الجهات التنفيذية لأن هذا سيساعدهم في الحد من انتشار الأسلحة النووية في المنطقة. هم يعتقدون أن الحماية التي توفرها تلك الجهات لا تقل أهمية وضمانًا من تلك الحماية التي توفرها المنظمة الدولية للطاقة الذرية.

يكمن السبب الحقيقي والأساسي لظاهرة انتشار السلاح النووي وترسخه في الذهنية السياسية من الشعور بالقلق من العلاقة العدائية التي تربط الدول المتجاورة ضمن المنطقة الإقليمية الواحدة. كما يمكن ربطه بالرغبة في تعزيز القدرة الوطنية ومكانة البلد على المستوى الإقليمي والدولي.

يحدد «حسقيال دارفر» ثلاث حالات تشكل فيها الأسلحة النووية عاملًا من عوامل تحقيق العدالة، وعندما يكون امتلاك  السلاح النووي سببًا في مقدار كبير من الأمن.

أولًا: عندما يكون السلاح النووي فيه مصلحة للنهج السياسي لدولة ما، ما تقوم به إيران ضمن استراتيجيتها العامة بمحاولات للحصول على السلاح النووي لأجل تعزيز وتقوية مجالها الحيوي، ومحاولة لتقديم نفسها كأكبر قوى في المنطقة.

ثانيًا: عندما يكون استخدام السلاح النووي مرتبطًا بالظروف والمتطلبات الداخلية للبلد، وليس له أي فائدة على مستوى السياسة الخارجية لذلك البلد، الذي يمكن أن يخدم البنية الوطنية من خلال تعزيز ثقة الشعب بالحكومة، كما أنه يصرف نظر الشعب عن المشاكل الداخلية للبلد.

ثالثًا: عندما تتطلع بعض الدول للحصول على السلاح النووي على الرغم من عدم وجود أي سبب واضح لذلك، يمكن تعليق الأقدام على هذا العمل بالحالة المعنوية أو بمزاج القائد مثلًا، ويبدو أن الدعم الغربي المتصاعد والنشاط قد لعب دورًا كبيرًا وحيويًا في إنتاج وانتشار الأسلحة النووية.

وبفضل ذلك، فإن التطلع العربي إلى بناء قوة نووية والضغط المستمر الذي تمارسه الدول الأخرى على المستوى الإقليمي قد ساهم وبشكل كبير، ليس فقط في تحديد مسارات الاستراتيجية العربية، بل حتى في تحفيزهم على الوجود والحضور الفعال.

تنطوي أهداف وتطلعات العرب على مجموعة من المفاهيم التي لا يمكن التحدث عنها إلا في سياق خطة استراتيجية شاملة. هذا يعني أن الأسباب المطروحة لبناء قدرات نووية ستكون جزءًا من تلك الخطة، التي دائمًا ما تتعرض للتغيير بسبب عدم وجود اتفاقيات عربية تتعلق بمسألة امتلاك تقنيات نووية، وكذلك بسبب وجود ردود منطقية محتملة قد تبدر من القوى المعارضة لهذا التوجه.

هنا يكمن التحدي أمام العرب، التحدي الناتج عن حالة التهميش واللامبالاة أو الأنانية التي ميزت تصرفات الدول العربية. يمكن ملاحظة حالة الانعزال واللامبالاة واضحة جدًا بعد حرب الخليج الثانية عام 1991 وخصوصًا في ما يتعلق بالبرنامج النووي العراقي، غافلين أهمية برنامج نووي كهذا ودوره في مقارعة البرنامج الإسرائيلي، بدلًا من التمادي في التوسل واسترضاء إسرائيل كما يفعل الآخرون.

سبب هذا الانعزال يعود أيضًا إلى محاولة الدول العربية عدم تحمل المسؤولية، التي تدفعها إلى المواجهة مع الدول الكبرى مما سيؤدي إلى أن تجد نفسها في حالة شلل تام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد