كثرت في الآونة الأخيرة المقالات التي تتناول موضوع التعدد وكثُر الدعاة إليه والمرغبين فيه كحل للملل الزوجي وحفاظا على الرجل من الانحراف وتطوعًا كريمًا منه لحل مشكلة العنوسة التي تعاني منها أغلب المجتمعات العربية. والغريب في الأمر أن هؤلاء الدعاة يرون التعدد ويناقشونه من زاوية واحدة فقط وهي المصلحة الشخصية للرجل متجاهلين تمامًا مصلحة المرأة والأبناء ومصلحة الأسرة بأكملها التي هي أهم لبنة في بناء المجتمع.

 أبدأ بسؤال أوجهه للرجل وأتمنى أن يجيب عليه بكل صدق: كيف يكون شعورك لو علمت أن زوجتك التي تحبها تنام بين أحضان رجل آخر، ثم تعود إلى أحضانك في اليوم التالي؟ هل سيمكنك التعايش مع الوضع وقبوله بسهولة وبكل روح رياضية؟ أقول عن تجربة: إن التعدد أمر لايمكن للمرء التعايش معه إلا بإماتة مشاعره، وإلا فهو السلاح الذي يدمر نفسية أي امرأة؛ إذ لا فرق في المشاعر والأحاسيس بين الذكر والأنثى، بل كلنا نعلم أن الأنثى أكثر قابلية للجرح والكسر من الذكر، ولذلك شبه الرسول صلى الله عليه وسلم النساء بالقوارير. وقد أثبتت الدراسات أن معدلات أمراض القلب والسكري والاكتئاب المزمن تكون أعلى بكثير لدى الزوجة الأولى في زيجات التعدد مقارنة بالزيجات العادية. كما أثبتت دراسات أخرى أن الزوجة الأولى تقضي بقية حياتها تواجه نظرة الأهل والأقارب بين شامت ومشفق وتعيش حالة دفاع عن النفس مستمرة في مواجهة الاتهامات التي تجعلها مخطئة ومقصرة، خصوصًا أننا نعيش في مجتمع ذكوري يحمل المرأة مسؤولية فشل الزواج حتى لو كان الرجل هو المخطأ، بينما الزوجة الثانية تعيش حياتها بين نارين: الخوف من أن يكرر الزوج فعلته، ويأتي بزوجة ثالثة، ثم القيام بمحاولات متكررة ومستميتة للاستئثار بالزوج وحدها وفصله عن أسرته الأولى.

بالله عليكم أين نحن من زيجات الصحابة والسلف الصالح؟ لست أنكر أن هؤلاء كانوا معددين واستطاعوا رغم ذلك بناء أسر ومجتمعات مثالية، لكن أنى لنا في وقتنا الحاضر الذي أصبح فيه الأخ يقتل أخاه والأب يتنكر لأبنائه والابن لأبيه بأزواج وزوجات يحملون نفس خصال الرسول وأمهات المؤمنين ونفس خصال الصحابة وزوجاتهم والتي جعلت منهم أبطالًا لقصص خلدها التاريخ؟

ما مصير الترابط الأسري وأين هي المودة والرحمة في ظل دسائس الضرائر وتناحر أنصاف الإخوة؟ أتساءل كذلك كيف للرجل أن ينفق على أسرتين مع ما نعيشه من ارتفاع صاروخي للأ سعار دون اللجوء إلى الاستدانة أو تقليص المستوى المعيشي لإحدى الأسرتين أو لكليهما مع ما يترتب على ذلك من الآثار النفسية والاجتماعية؟ من أين له بالجهد النفسي والمعنوي الذي يجعله يوازي بين عمله وبين المساهمة في تربية أبنائه من الأسرتين تربية صالحة؟

نقطة أخرى أثارت استغرابي كذلك: إن الذين يدعون إلى التعدد أسوة بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم نسوا أو تناسوا في غمرة حماسهم أن الرسول لم يتزوج إلا بعد وفاة أم المؤمنين خديجة وهذا طبعًا وفاء لها وتقديرًا لمشاعرها وهي الزوجة المخلصة المضحية التي كانت له الأهل والسند، وظل يدعو لها ويذكر محاسنها ويكرم صديقاتها حتى بعد وفاتها، هذا هو خلق الرسول لمن أراد أن يتبعه، أما زيجاته الأخرى بعد وفاة السيدة خديجة فكانت لأسباب سياسية ودينية واجتماعية ولم تكن لأسباب جنسية أو لمحاربة الملل الزوجي.

ختامًا أتمنى أن لا يفهم كلامي هذا كتحريم لما أحل الله، لكن التعدد في ظل ما نعيشه من أزمات وتقلبات يجب أن يخضع لضوابط وقوانين صارمة، وإلا فهو النكبة المدمرة للأسرة بأكملها والسكرة التي غالبًا ما يفيق من نشوتها الرجل بعد فوات الأوان أو قد لا يفيق. أذكر من هذه الضوابط:

– أن تكون للتعدد أسباب منطقية ومقنعة كعدم قدرة الزوجة على الإنجاب أو إصابتها بمرض يحول دون قيامها بواجباتها الزوجية.

– أن يكون الزوج قادرًا على الإنفاق على أسرتين في المستوى الذي يسمح لهما بالعيش بكرامة دون اللجوء إلى تقليص نفقات إحداهما أو كليهما.

– أن تتوفر لديه القدرة النفسية والوقت الكافي للقيام بأعباء أسرتين والمشاركة في تربية الأبناء جميعا تربية صالحة.

– أن يصارح الخاطب عروسه المستقبلية بكل شجاعة بأنه قد يمارس حقه الشرعي في التعدد متى شاء ويترك لها بعد ذلك حرية القبول به زوجًا أولًا، وهذا من قبيل الصدق والأمانة التي يجب أن يتصف بهما كل مسلم، أما أن يبادلها العهود والمواثيق بالحب والوفاء مدى الحياة، ثم بعد أن تأخذ السنوات وتربية الأبناء من جمالها وصحتها يُشهر في وجهها سلاح التعدد، فأمر لا يخلو من غدر وخديعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!