الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

منذ مطلع عام 2011 والذي كان بداية فترة ما يُعرف بالربيع العربي، كانت وما زالت هناك جدلية تشغل الشارع وعامة الناس، وهي جدوى المظاهرات، والكل أدلى بدلوه في المسألة بالطبع، مع أن الكثير من الأطروحات كانت متأثرة بشكل أو بآخر بالبيئة السياسية المحيطة، ففي عام 2011 أو 2012 كان هناك شبه إجماع على جدوى التظاهرات، وأنها طريق تحقيق الحرية والديمقراطية، وانظروا تونس ومصر وليبيا واليمن، بعد عام 2013 انقلبت الآية وأصبح هناك شبه إجماع على أن التظاهرات وصفة دمار البلدان وإشاعة الفوضى، وانظروا سوريا والعراق وليبيا واليمن.

نلاحظ أن ليبيا واليمن اللتين كانتا دليل جدوى التظاهر تحولتا إلى دليل الأثر التدميري للتظاهر، ولكن هذا ليس هو الأمر المهم، المهم هو أن تناول المسألة في حقبتي نجاح الثورات والثورات المضادة كان محاطًا بعاملين أفقداه إمكانية النظر الموضوعي.

أولهما التأثر بالبيئة المحيطة كما أسلفنا، وفيه لا يفعل المتكلم سوى استصحاب الوقائع، فكون التظاهر أسقط النظام، معناه أن الأمر قد نجح وسينجح كلما فعله شعب ضد نظام مستبد، هذا دون النظر في أي حيثيات أخرى قد يكون لها دور رئيسي في الأحداث، أما الأمر الثاني فهو الربط المباشر بين الموقف من التظاهر، وبين العمالة والخيانة أو أي تهمة موازية لهما، فمن ينتقد التظاهرات هو أحد موالي السلطان، أو مخبر لأمن الدولة، أو العكس، فيكون مؤيدًا للتظاهر ليكون عميلًا لدولة معادية تريد للبلد الدخول في الفوضى، وربما هذا يدفع الكثير للإعراض عن إبداء رأيه ولو كان رأيه هذا لا وزن له في الأرض ولن يسمع به أحد أصلًا.

وفي رأيي مسألة التظاهر هذه مسألة لها أبعاد أخرى غير نقاشها في إطار التأييد أو المعارضة، وحتى نفهم هذا لنرجع إلى دائرة فهم المجتمع نفسها، والتي تتفرع منها مسألة التظاهر وعلاقته مع المنظومة التي تحكمه.

يقول الله تعالى: «وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا…» ﴿الزخرف: ٣٢﴾. ومن تدبري المتواضع لهذه الآية أفهم أن كل شخص في مكانه يعمل لأجل هدف أسمى في إطار خدمة المجتمع الذي ينتمي إليه، وطبعًا تحقيق الهدف الأكبر يكون بتحقيق أهداف فرعية أصغر، وهي تتنوع بتنوع المهام، وكل مهمة توكل إلى صاحب التخصص أو الخبرة، وفي هذا يدخل الجميع ابتداءً من الحاكم ووصولًا إلى صاحب المهمة ذات الدرجة الأدنى، وبالتالي يكون لدينا مجتمع تحت مظلة منظومة قِيَمِية قد تكون دينًا أو أي معتقد ما تكون الحاكمية التشريعية له، ثم تأتي الحاكمية التنفيذية تتمثل في الحاكم الذي يكون دوره هو العمل على إنفاذ مخرجات هذه المنظومة القيمية، والتي ينبني عليها الميثاق بين الحاكم والمحكوم، وهو عامة الناس، وعليها ينال الحاكم صلاحياته التي تسهل له إنفاذ تلك المخرجات وتسيير شؤون المجتمع وفقها، يتجلى هذا المعنى في قول الله تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّـهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّـهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» ﴿النساء: ٥٩﴾.

فالتنازع بين الحاكم والمحكوم أمر يقع لسبب أو لآخر، ولا يكون هذا التنازع مشكلة إذا كان هناك المرجع الملزم لجميع الأطراف، والذي يتحاكمون إليه في حال وقع التنازع أو الخلاف، لا يجب أن ننسى نخبة المثقفين والمفكرين والعلماء الذين هم رسل تلك المنظومة القيمية لذلك المجتمع، وصوت المجتمع للقيادة، أو السلطة التنفيذية.

استقرار أي مجتمع يعتمد اعتمادًا كليًّا على التزام كل طرف بمسؤولياته وعينه على تحقيق المصلحة العامة في إطار المرجعية الملزمة للكل، وأي إخلال من أي طرف بمسؤولياته أو محاولة التعدي إلى ما هو خارج دائرة الاختصاص، فضلًا عن الاستبداد بالرأي وإساءة استخدام الامتيازات والموارد، تكون عواقبه وخيمة وتخل بكامل المجتمع، وقد تورده إلى التهلكة، والذي يجب الانتباه إليه في هذه النقطة هو أنه كلما طال أمد هذا الخلل تطلب إصلاحه وقتًا طويلًا وعملًا جبارًا، أهمية هذه النقطة في أن طول الأمد هذا تصعب معه رؤية أو تمييز طريق الإصلاح، فتكون صعوبة تعيين هذا المسار سببًا عند الكثيرين لرفض فكرة الإصلاح من الأساس.

الآن سنسقط هذا الكلام على مسألة جدوى الثورة، والسؤال نفسه في الحقيقة لا يجوز إلا في حالة أن الحراك الثوري نفسه كان أمرًا مخططًا له، بحيث يتم توفير أسبابه وتجهيز متطلباته وتسويق الفكرة للجمهور، أما لو كان حراكًا عفويًّا أو رد فعل على أمر ما يحدث ومستمر في الحدوث، فحينها لا مكان للسؤال، أيًّا كان نوع الحراك فهو في النهاية يمثل الحركة التصحيحية التي لن يعود المجتمع لحالة الاستقرار التي تحدثنا عنها مسبقًا إلا بها، سبب الجدل يرجع بشكل كبير إلى التخوف من المرحلة التي تلي هذا الحراك الثوري، وهي مرحلة الفراغ السياسي، وهذه المرحلة هي بالفعل مرحلة حرجة جدًا تحتاج إلى فهم عميق ونخبة رشيدة تدير الموقف بحكمة؛ لتسوق المجتمع عبرها إلى بر الأمان وإلى حالة الاستقرار السياسي والاجتماعي، وفرص تحقق هذا ضيقة جدًا، والإطار الزمني لهذه المرحلة الانتقالية لا يمكن تحديده إلا بمعرفة عقلية النخب التي تتصدر المشهد، واستراتيجية تعاملها مع الوضع.

ولكن السؤال هنا: هل كانت أو هل يجوز لصعوبة المسار ومخاطره أن تكون سببًا في عدم خوضه؟!

لو كانت الإجابة نعم لما كان شكل الكوكب هو الشكل الذي نعرفه الآن، ولما كانت الخارطة السياسية للعالم كله كما نعرفها الآن، بل ولما كانت الأمم كما هي عليه الآن، ولكان الموروث القيمي الذي بين أيدينا مغايرًا تمامًا للذي بين أيدينا فعلًا، الذي يعرفه الكثير من الناس عن طريق التغيير هو الذي قرأوه في الكتب والمصنفات، ولكن القراءة شيء والتجربة شيء آخر، عمر الثورة الفرنسية الذي نعرفه في كتب التاريخ كان 100 عام، ولا بد أن هذه الجدلية كانت موجودة في حوارات الفرنسيين الذي عاصروا تلك الفترة ورأوا شركاء الثورة في فترة من الفترات يخونون بعضهم البعض، وربما وصل الأمر إلى قتل بعضهم البعض، ولكن جيل المستقبل الذي أتى بعد هذه الحقية كان ممتنًا لهذا الحدث الذي لولاه لما فهم معنى الحرية والاستقلال بغض النظر عن أمور أخرى يمكن الاختلاف أو الاتفاق عليها.

ولننظر إلى المقاومة الجزائرية التي استمرت عقودًا من الزمان ضد المستعمر الفرنسي، وحالة التخبط التي وقعت فيها البلاد بعد خروج المستعمر الفرنسي، هل يمكن لأحد أن يعزو حالة التخبط والانقلابات العسكرية التي وقعت بعد خروج الفرنسيين إلى المقاومة الجزائرية للمحتل الفرنسي؟! هل يمكن لأحد أن يقول إن الثورة ضد المستعمر ليست حلًّا ويشرع في تحذير الناس من مغبة الفراغ السياسي؟!

الفراغ السياسي معضلة ومعضلة كبيرة، ولكن طالما أنه أمر يمكن ولو نظريًّا التعامل معه، فهو لا يرقى لكي يكون مانعًا للمشروع الإصلاحي، كما أن هناك أمرًا آخر، وهو ليس بالضرورة أن تأتي لحظة المواجهة في الوقت الذي يناسبنا أو في الوقت الذي نكون فيه مستعدين لها، المصريون كان أمامهم فرصة تاريخية لتحول ديمقراطي حقيقي، وتوفرت لديهم بيئة سياسية وحرية تعبير، والفضل في ذلك يعود لثورة 25 يناير (كانون الثاني) التي كانت نتاجًا شعبيًّا خالصًا لم يكن لأي قوة سياسية فيه يد، ولكن الفرصة ضاعت منهم مع وجود نخب ذات أفق ضيق، ما عدا القليل الذي كان لديه رؤية ثاقبة لم تجد لها آذانًا صاغية، فكانت النتيجة كارثة وقعت على الجميع دون تمييز بين حكيم أو ضيق أفق أو عامي أو مثقف، ومع ذلك لم يلق أحد اللوم على ثورة 25 يناير ولم يتكلم عنها بسوء أحد سوى مرتزقة النظام الانقلابي الحالي.

والحقيقة أننا لسنا بحاجة إلى الكثير من كل هذا الحديث النظري عن الثورات لو أتينا للحديث عن حالة السودان الراهنة، فالنظام الحالي لم يكفر فقط بمرجعية المنظومة القيمية، بل كفر حتى بمبادئه هو نفسه، والتي أتى للشعب على ظهر الدبابة زاعمًا أنه أتى ليطبقها، ويقود بها الشعب للخلاص، إنه نظام يقوده رجل بلا رؤية، ولم يكن على رأس الدولة أصلًا إلا بقدر الله المحض؛ ليقود منظومة يتقاتل أفرادها في ما بينهم خلف كواليس التحالفات الهشة المعلنة على أنها لصالح البلاد، والتي ليست سوى مجرد صفقات تجارية يتقاسمون فيها السلطة في ما بينهم، ومن لا يرض بنصيبه يلجأ للقوة، فعلى مدى فترة حكم البشير وقعت عدة محاولات انقلاب منها ما كان من كيان القوات المسلحة، ومنها ما كان بواسطة من كان يومًا رفيق الدرب، ولذلك فهو نظام يحمل في جنباته أسباب انهياره ولو لم يخرج أحد من بيته لمعارضته.

أستطيع أن أقول إن مسار الاستبداد يقود دائمًا للاصطدام بالثورات، وكل من كان يقع تحت سلطة المستبد لا بد له أن يكون جزءًا من المرحلة الثورية، فهي بشكل أو بآخر لا بد لها أن تكون، والجميع سيكون له دور في هذه المرحلة ولو بالصمت، ولو استطاع المستبد أن يقمع الموجة الثورية فستأتيه موجة أخرى، وقد تكون أشد وذلك لأن أسباب الموجة الأولى ما زالت موجودة، وربما تأتي معها أسباب أخرى حتى يسقط المستبد، هكذا يقول التاريخ وهكذا تقول سنن الكون وقوانين الوجود، يبقى السؤال عما إذا كنا سنحضر هذه اللحظة أم لا، فمن حضر سيكون أمام التحدي الكبير وهو مرحلة ما بعد الاستبداد، فإما أن يتعامل الكل مع هذه الفترة الحرجة بالشكل الصحيح، وإما أن يغرق الكل، وهنا، هنا فقط يجب أن نحذر من مصير ليبيا والعراق واليمن، فلو حدث هذا المصير «وأرجو من الله العلي القدير ألا يحدث»، وشعر أحدكم بالندم والحسرة على سقوط النظام السابق، فليتذكر أن النظام السابق باستبداده هو الذي دفعك بشكل أو بآخر إلى مفترق الطرق هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد