انتشرت في عصرنا مواقع التواصل الاجتماعي بشكل رهيب، لدرجة تحولها إلى وريد يجري فيه البشر، لضخ قلب العالم، ربطتنا وسهلت تواصلنا، قربتنا وقلصت الهوة بين الثقافات، لا أحد يتخيل عالمنا، مدننا بدون هذه المواقع الإلكترونية، دورها في تشكيل فِكرنا والطريقة التي يسير بها العالم، لا يمكن غض النظر عنه، حتى أنماط سلوكياتنا وشخصياتنا تغيرت بسببها، فالجيل الذي لم يعرف غيرها، نحمل على كاهلنا مسؤولية توجيهه، تنويره، وتنمية وعيه، فلا يمكن عزلهم عن تكنولوجيا عصرهم، بل ينبغي التكفل بمدهم بطرق استغلالها لتعمل لصالحهم، لا أن تتحول إلى صخرة كبيرة، تعطل سير حياتهم وإنتاجيتهم.

ولا يكون هذا إلا  بتسليط الضوء على سلبياتها التي تكون مدمرة في كثير من الأحيان، ويصف نيكولاس كار في كتابه «الظلال» كيف تغير الإنترنت الطريقة التي نقرأ ونفكر ونتذكر بها؟ فقال: «إن الإنترنت تستحوذ على اهتمامنا لتبعثره»، وأيضًا كما قال عالم الأعصاب الأمريكي دانييل ليفتيين: «إن الملهيات في العالم الحديث يمكن أن تخرب أدمغتنا فعلًا».

فهذه المنصات حينما تستخدم بلا تعقل، تفقد الشخص إحساسه بالوقت، فقد صممت لتجذب الانتباه، ولتأخذ أكبر قدر ممكن من اهتمامنا وتركيزنا، لدرجة وصف هذا العصر بعصر التشتيت والإلهاء، نتيجة التدفقات الرقمية الهائلة من المعلومات، التي تتسرب إلينا باستمرار، لغرض تجاري وتسويقي بحت، فوجودنا عليها يدر الأموال الطائلة على أصحاب هذه المواقع، فصفحة تنقلك لأخرى، وصورة تأخدك لغيرها، وهكدا دواليك، حتى يستفيق المستخدم على الزمن وقد اختطفت منه ساعات بلا فائدة تذكر، لا يجني منها إلا وخز العين والتشويش، والرابح الوحيد هم مؤسسو الموقع.

إذا كان المتصفح صغير السن، سيكون حينها  الضرر أكبر، فالناشئ يجب أن يدرك الأهمية الشديدة للوقت في حياته مند ريعانه، و«السوشيال ميديا» تساهم في قتل هذا الوعي في مهده، إذا ما استخدمت بطريقة عشوائية، وهذا الحاصل عندنا للأسف.

فلكي نسيطر على هذه المنصات، لجعلها تعمل لصالحنا، ينبغي علينا اختيار المحتوى بعناية ودقة، خاصة تلك الصفحات التي نتابعها وتحمل لنا فوائد جمة من ثقافة وتعليم وأخبار مهمة، وتجنبًا أيضًا لمجرم آخر إلى جانب قاتل الوقت، ألا وهو التفاهة، فالمتجول داخل هذه المنصات، سيقضي مدة ليست بالقليلة حتى يجد شيئًا ذا فائدة نسبية على الأقل، ليس لافتقار هده المواقع للمحتوى الهادف، بل لطغيان الصفحات التافهة على نسبة كبيرة من مساحة المنصة، التي تعتمد على عدد المتابعين والمعجبين، فأي شخص واع متعلِّم وناضج، يتصفح «فيسبوك» مثلًا لبعض الوقت، سيخرج بنتيجة يغلب عليها الاحتقار لهذا الموقع، فباصطدامه المتكرر بمحتوى لا نفع يجنيه من ورائه، هو السبب الذي يدفعه للابتعاد عنه مباشرة، وهكذا يصير «فيسبوك» مرادفًا للتفاهة، والحقيقة هي أن هذا الفضاء الافتراضي، هو تربة نحصد منها ما نزرع، فنحن من نقرر كيف يكون شكله، وأي مستوى يصل إليه من فائدة وإيجابية، كقطعة أرض أعطيت لنا، تعكس ثقافة من يقطنها، مثل التفاوت الحاصل بين الشعوب والدول اقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، الذي ينعكس على جمال عمارتها ومرافقها وفخامتها.

فالتغيير دائمًا ما يبدأ من ذواتنا، فباستطاعتنا تهميش الصفحات السارقة للوقت والتافهة، بعدم متابعتها ومشاهدتها، وندعم تلك الهادفة في كل المجالات، وخاصة من يعرض أصحابها إبداعاتهم المختلفة، فكما نعلم أن نظام عمل هذه المواقع يقوم بطريقة أتوماتيكية، بعرض الصفحات الأكثر متابعة والمحتويات الأكثر مشاهدة للمتصفح، كما في موقع «يوتيوب»، فبمقاطعتنا للتفاهة، سنفسح المجال للمعرفة لتبرز وتظهر، وتتحول مواقع التواصل الاجتماعي من أداة للتخلف إلى واحدة من أهم الوسائل العصرية مساهمة في تقدم الشعوب.

فينبغي علينا اختيار ماننشر بعناية، وما نكتب، خاصة المحتوى الذي نتابعه ونساهم في بروزه، لينتقل بشكل «فيروسي» بين شاشاتنا ثم مباشرة إلى عقولنا؛ ما سينعكس بالضرورة على مختلف جوانب حياتنا، وخاصة الجانب العقلي والنفسي الذي يؤثر على طريقة رؤيتنا للعالم والوجود من حولنا.

أنا وأنت يا صديقي في يدنا تكمن مسؤولية الارتقاء بثقافتنا، أو السقوط بها في غياهب الجهل والرداءة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد