ما لم يُقَل أكثر

مع الساعات الأولى من فجر يوم الجمعة 5 يوليو (تموز) 2019، زف إلينا مبعوث الاتحاد الأفريقي إلى السودان محمد بن لبات، في مؤتمر صحفي مشترك وبحضور الوسيط الإثيوبي، بشرى اتفاق تم بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي، وذلك بعد يومين من المفاوضات المباشرة.

وما إن أُعلِن الاتفاق حتى خرج كثير من السودانيين في الشوارع فرحًا وابتهاجًا، معتبرين أنه خطوةٌ كبيرة نحو استقلال السودان واستقرارها، وإيذانٌ بانتهاء الحقبة العسكرية التي طالما جثمت على صدر السودان مدة ناهزت الثلاثين.

ولكن، هل هذا الاتفاق بالفعل حقق المراد وأخرج السودان من قبضة «العسكر»؟ هذا هو السؤال.

كي نحاول الإجابة عن ذلك، لنأخذ الأمور بشيء من التفصيل:

بنود الاتفاق

أوضح لبات في مؤتمره الصحفي بنود الاتفاق؛ إذ إن الطرفين قد اتفقا على:

– تشكيل مجلس سيادي يتكون من 11 عضوًا؛ لكل طرف خمسة أعضاء، والعضو الحادي عشر عضو مدني، يتفق عليه بين الطرفين.

– تكون مدة المجلس السيادي ثلاث سنوات أو تزيد، وتكون قيادته بالتناوب بين العسكريين والمدنيين.

– تشكيل حكومة كفاءات وطنية مستقلة برئاسة رئيس وزراء مستقل.

– إرجاء تشكيل المجلس التشريعي إلى ما بعد تكوين المجلس السيادي والحكومة المدنية.

– إقامة تحقيق وطني مستقل وشفاف بشأن الأحداث الأخيرة.

تساؤلات حول الاتفاق

بداية لا يمكن إنكار أن الاتفاق بحد ذاته أمر جيد، في ظل حالة التأزم بين الشعب السوداني والمجلس العسكري الانتقالي، ومع انتقال هذه العلاقة إلى مرحلة «الدم» وفق ما حدث في مجزرة فض اعتصام القيادة العامة يوم 3 يونيو (حزيران)، وكذلك مجزرة مليونية 30 يونيو، والذي نتج منهما ارتقاء عشرات الشهداء وإصابة المئات.

كما أن الاتفاق من جهة أخرى حقق كثيرًا مما كان يأمله الشارع السوداني؛ كظهور مؤشرات للخلاص من «حكم العسكر» عبر مجلس سيادي يخرج بشكل ما من قبضة المجلس العسكري، الذي كان يطالب دومًا بسيطرته عليه، وكذلك وجود حكومة مدنية ورئيس وزراء مستقل، ما يُؤمِّل بقدرة على تحقيق نوع من الإصلاح والارتقاء بمستوى الشعب السوداني على كافة الأصعدة.

غير أن هذا الاتفاق، وعلى الرغم من دلالاته المبشرة، ما زال يطرح أسئلة، ويثير شبهات، منها:

المجلس التشريعي

لماذا تأجيل تشكيل المجلس التشريعي؟ وإلى متى؟ وهل إنْ اتفق على تشكيله سيكون وفق الاتفاق المسبق بين قوى الحرية والتغيير والمجلس العسكري الانتقالي، والذي نص على أن تنال قوى الحرية والتغيير 67% من تشكيله، والذي تم الاتفاق عليه يوم 15 مايو (أيار) الماضي؛ خصوصاً إذا ما علمنا تأكيد الأطراف الثلاثة (المبعوثان- قوى الحرية- المجلس العسكري) قبل لقاءاتهم على أن أي اتفاق جديد لا يلغي الاتفاقات السابقة؟

إذا ما قررت الأطراف تشكيل المجلس التشريعي؛ فمن الذي يشكله؟ هل هما «المجلس السيادي» و«الحكومة» أم من؟ وما آلية ذلك؟

المجلس السيادي

عدم تحديد مدة المجلس السيادي أمر يثير التفكير؛ بل الشكوك! ماذا يعني «تكون مدة المجلس السيادي ثلاث سنوات أو تزيد؟ «أو تزيد» هكذا في المطلق؟ ما الذي يمنع في هذه الفترة من قيام المجلس العسكري أو أي قوة في السودان من الانقلاب على هذا الاتفاق، وهذا المجلس، وهذه الحكومة؛ لتعود السودان إلى دائرة العسكر والفوضى والفساد من جديد؟

إن كون المجلس السيادي مكونًا من 11 عضوًا لكل طرف خمسة أعضاء، والطرف الأخير مدني بالتوافق، أمر آخر يثير التفكير؛ بل القلق! فما الذي يمنع أن ينقلب المجلس العسكري على أعضاء المجلس السيادي المدنيين عبر استمالته لعضو واحد فقط من المدنيين، وسن تشريعات تثبت سيطرة المجلس العسكري على المجلس السيادي والدولة؛ الأمر الذي يصل بنا إلى عودة «حكم العسكر» من جديد، ولكن بغطاء مدني؟

إن كون قيادة المجلس السيادي بالتناوب أمر ثالث يثير التفكير؛ بل التساؤل! فما الذي يحول دون انقلاب المجلس العسكري على أعضاء المجلس السيادي المدنيين أثناء فترة قيادتهم للمجلس السيادي؟ ومن خبر العسكر يعلم جيدًا أنهم يمكنهم فعل ذلك بأي طريقة كانت.

الحكومة

من الذي سيشكل الحكومة؟ المجلس السيادي أم من؟ وما الاعتبارات التي ستحدد من خلالها «الكفاءات الوطنية المستقلة» التي نص عليها الاتفاق؟ ومن الذي سيحدد ذلك؟

الأسئلة السابقة ذاتها تنطبق على تعيين رئيس الوزراء «المستقل» كذلك.

التحقيق الشفاف حول الأحداث الأخيرة

من الذي سيجري التحقيق؛ المجلس السيادي، أم المجلس العسكري، أم الحكومة، أم سيجري اختيار طرف للتحقيق أم من؟ وهل هو النائب العام؟ وكلنا يعلم أن من وضعه في منصبه هو المجلس العسكري؟ وكيف نضمن نزاهة هذا القائم بالتحقيق و«شفافيته» المنصوص عليها؟

ماذا لو ثبت تورط أحد قائدة المجلس العسكري الانتقالي في الأحداث، وهذا أمر وارد بل متوقع جدًّا؟ هل سيحاسب أم سيتغاضى عن أمره وغض الطرف عنه أم ماذا؟

لا أشك لحظة أن في الاتفاق بوادر خير؛ أقلها تخفيف الضغط على الشعب السوداني الذي عانى الأمرَّيْن، إضافة إلى أن الاتفاق قد يكون بارقة خير لتعاون حقيقي بين الأطراف لتحقيق مصلحة البلاد؛ بيد أنني أخاف أن يكون هذا الاتفاق ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قِبله العذاب للشعب السوداني العزيز، الذي انتظرنا قيامه منذ زمن، ولتلك البقعة الغالية على قلوبنا والتي نعلم جيدًا أنها سلة خيرنا كعرب، وكنزنا الاستراتيجي.

لذا، وقد تم الاتفاق، أدعو الشعب السوداني أن يبقى دائمًا متيقظًا، وعلى أهبة الاستعداد للحفاظ على ثورته حتى يتم تمامها، وتتحقق كاملة لا نقصان فيها، وهذا لا يكون إلا بالسلاح الذي أنجحهم أول مرة، وسينجحهم باستمرار، سلاح الشارع؛ فالنزول إلى الشارع عند أي محاولة لسرقة الثورة هو الإنقاذ الأمثل للثورة، فكونوا يقظين ومستعدين للشارع باستمرار، والشوارع لا تكذب.

اللهم جنب السودان كل شر، وانصر أهلها وثوارها الأبطال، وارحم شهداءها واجعلهم في عليين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد