كلّنا نتذكّر جورج بوش الابن الرئيس الأمريكي السابق، عندما أطلّ واجم الوجه بعيد ضربات برج التجارة العالمي. يومها قال عرّاب السياسة الأمريكية هنري كيسنجر إنّ العالم قبل 11 سبتمبر (أيلول) لن يكون نفس العالم بعد 11 سبتمبر. وبعد سنتين فقط كانت القوّات الأمريكية تتجوّل في بغداد عاصمة العراق وقد طوت صفحة حسّاسة من تاريخ العراق والعالمين العربي والعالمي.

ونعني حقبة النظام البعثي تحت قيادة صدّام حسين. في غمرة تلك الأحداث تحدّثت مستشارة بوش الابن للأمن القومي كوندوليزا رايس عن مفهوم الفوضى الخلاقة، ولم يفهم العالم العربي مقصد رايس إلا بعد مرور ثلاث سنوات على احتلال العراق، عندما اعتدى الكيان الصهيوني على دولة لبنان سنة 2006 فيما عُرف يومها بحرب تموز. بعد ذلك بسنتين جاءت عملية الرصاص المسكوب وهي حرب قذرة شنّها الصهاينة على قطاع غزّة في محاولة لوأد المقاومة. ولعلّ المفارقة تكمن في تبجّح رئيس وزراء الكيان حينها إيهود أولمرت بأنّ أطرافًا عربية تبارك الهجوم الإسرائيلي وما رسمه من بنك أهداف.

وفي العام الحادي عشر من القرن الحادي والعشرين انتبه العالم لنزيف يشقّ الكرة الأرضية، ومأتاه من جرح عميق في خاصرة العالم العربي والإسلامي الجمهورية العربية السورية. لقد نزل العالم بطمّ طميمه لتصفية الحسابات السياسية ومحاولة توريط أطراف دون أخرى، ناهيك عن تجارة الدم التي يعيش تحت وطأتها أطراف عديدة تستثمر في قتل البشر وهدم الحجر واقتلاع الشجر، تحالف ربطة العنق والعمامة.

سوريا اليوم وبعبارة آدموف تدفع ثمن بقية الدول العربية التي نجت من أتون ما يسمى بالربيع العربي الذي تقوده أيادٍ خفيّة في الحديقة الخلفية للصهيو-أمريكية، فهي تدفع ثمن استقرار الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا ولبنان وحتّى مجلس التعاون الخليجي الذّي يموّل الطرف المقابل للنزاع في سوريا.

أذكر مرّة أن المتحدثة باسم البيت الأبيض وقفت أمام حشد من الإعلاميين والصحفيين وهم يسألونها عن فيديو ‏‏مسرّب يظهر فيه صحفي أمريكي يتم اقتياده من قبل عناصر تنظيم القاعدة عبر جبل في سوريا، ‏فقالت المتحدثة بكل هدوء وبما يشبه اللامبالاة إنّه لا يمكننا الجزم بأن هذا الفيديو حقيقي فأيّ شخص يمكنه لبس لباس ‏مقاتلي القاعدة ويصور الفيديو ويدعي أن القاعدة من خطفت الصحفي الأمريكي وربما النظام ‏السوري من فبرك الفيديو وعلينا أن لا نجزم على ما نرى أنه الحقيقة. وفي مقابل ذلك علّقت وزارة الخارجية الأمريكية على شبه معطيات تروّج لها محطّات تلفزيونية محسوبة على الشقّ الإسرائيلي بأنّ النظام السوري يعدّ لهجمات بغاز الكلور على الغوطة الشرقية؟

ولسائل أن يسأل هنا: إذا كانت الخارجية الأمريكية شكّكت في فيديو يبثّ صورًا حقيقية واتّهمت النظام بذلك فكيف تبني قناعات جيو-استراتيجية بأنّ هجومًا كيميائيًا سيحدث؟ إنّ سياسة الكيل بمكيالين تفضح الموقف الرافض لاستقرار سوريا وتعرّي الجهات التي لا تريد السلام للشعب السوري. إنّ ما يدفعه السوريون كلّ يوم هو في الحقيقة طوق نجاة لبقية الدول العربية، فلولا صمود سوريا لأتى على العالمين العربي والإسلامي يوم يصيحون فيه على قلب رجل واحد: أكلنا يوم أكل الثور الأبيض.

إنّ شيوع مفردات من قبيل جرائم حرب، جرائم ضدّ الإنسانية، حرب إبادة، تهجير… إلخ، هو في واقع الحال صكّ على بياض للعملاء العرب وللطابور الخامس قبل أن يستخدمه الغرب كمخرز لسمل عيون السوريين. لقد صنعوا ملفًا سوريًا كي يبتزوا السوريين على مبدأ قذر ألا وهو واحدة بواحدة ‏أي إذا فكّرتم في فتح ملف إسرائيلي، يتم فتح عشرات  الملفات السورية. ولم يبق أمامهم  ‏سوى رفع شعار عودة اللاجئين السوريين، في الوقت الذي ينتظر اللاجئون الفلسطينيون العودة منذ 1948.

فكل ما يتعلق بالقضية الفلسطينية وجرائم الصهاينة التي تم توثيقها عبر منظمات عالمية وعدسات المحطّات الفضائية ولعلّ أشهرها استشهاد محمد الدرّة واستشهاد الناشطة الأمريكية راشيل كوري، تم في مقابلها إنتاج ‏نسخة سورية  وافتعالها وتركيبها عن قصد بصورة سريعة جدًا حتى على مستوى ‏أسماء المجازر، فمثلًا مجزرة الحولة ارتكبت إسرائيل مجزرة الحولة في فلسطين. أيضًا مجزرة كرم ‏الزيتون ارتكبت إسرائيل مجزرة كرم الزيتون في فلسطين. لقد توضّح المشهد دون الحاجة إلى مكبّر الصورة أو المجهر.

افتعال جرائم سورية لتدفن تلك المتعلقة بإسرائيل وبممارسات القوات الأمريكية في ‏العراق وما أبو غريب عنّا ببعيد. كلّ هذا تم باستعمال أدوات وإعلام وإذاعات وعملاء. وتم تسخيرها ‏لخدمة هذا الغرض بعد مؤتمر عقد في إسرائيل عام 2009 يدعى المؤتمر الرئاسي الإسرائيلي ومواجهة الغد برعاية شيمون بيريز حضره ممثّلون عن جوجل ويوتيوب وياهو وفيسبوك ومديري المؤسسات الإعلامية الكبرى وشركات ‏الأقمار الصناعية والاتصالات والهواتف النقالة وتم إقناعهم بضرورة وضع تلك المؤسسات في خدمة ‏المخطط الذي استهدف سوريا.

وبعيدًا عن نظرية المؤامرة التي من الممكن أن يُتّهم بها هذا المقال، سيسجّل التاريخ أنّ كل ما قام به الصهاينة منذ سنة 1948 وحتى اليوم من أعمال وممارسات قد مرّت مرور الكرام بينما تمت فبركة واستنساخ ‏نسخة سورية طبق الأصل عن نظيرتها الإسرائيلية، لكن بفارق بسيط: أن النسخة الفلسطينية حقيقية بينما النسخة السورية ‏‏مصطنعة ومفبركة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد