شهدت تركيا يوم الجمعة 15 يوليو (تموز) انقلابًا على الديمقراطية، لم يكلل الانقلاب بالنجاح، وفشل في الساعات الأولى له.

تركيا ما بعد الانقلاب ليست قبله أبدًا، طبيعي لبلد عانى من آثار طويلة مع الانقلابات العسكرية، والتدخل الخارجي.

الانقلاب الحالي، حتى إن فشل، هو أشدها ضررًا؛ لأسباب، أبرزها: وضع تركيا الحالي، وتحولها من بلد عسكري إلى بلد ديمقراطي، يؤمن بالتعددية الحزبية، والمعارضة السياسية، واحترام قرار الشعب.

ما بعد الانقلاب، تواصلت الحملات التطهيرية، كما أطلقت الحكومة عليها، وتعدت هذه المحاولة إلى جماعة كولن. أو ما تسمى بالدولة الموازية. ما أعتبره سلبيًا في إدراج تركيا لكولن، وأنه المخطط للعملية؛ هو تسرع الحكومة في إطلاق الأحكام، والذي يعتبره الكثير انتقامًا سياسيًا، كان الأحرى ان تنتظر الحكومة أحداث التحقيقات، ومن ثم عمل اللازم.

الكثير استنكر العمليات ـ التطهيرية ـ لعدم شفافيتها بأرقامها الكبيرة، وهناك من رحب بهذه الاعتقالات؛ لأن الحدث خيانة للدولة، والعودة إلى عصر الانقلابات، حيث تقدمت تركيا، وتغيرت عقلية العسكر.

اختيار هذا التوقيت؟

في وقت تركيا فيه ديمقراطية، ثابتة على الساحة الدولية، وتشهد نهضة كبيرة مع إرهاب منظم عليها، وعدم استقرار إقليمي.

من الطبيعي في هذه الظروف التفاف مؤسسات الدولة بحماية قواتها المسلحة؛ لأن تراخي أحدهم يسقط الآخر مما فيه من ترسبات على الأمن القومي والمشروع التركي عامة.

قد يكون الانقلاب ـ على فظاعته ـ أقل ضررًا على الشارع والمواطنين أنفسهم، إن تم قبل 10 سنوات، وليس بعد إرساء الدولة المدنية، وازدياد شعبية العدالة والتنمية.

أما تركيا اليوم لها مشروع ـ رؤيا تركيا ـ 2023 ـ والأهداف فيه ضخمة، ما يقفز بتركيا إلى مصاف الكبار بالأرقام.

الانقلاب لمصلحة من؟

1- أمريكا

مما لا يخفى على المتابعين أن العلاقات ليست نفسها بين الحليفين؛ الوضع متأزم في ملفات كبيرة، أبرزها: مصير النظام السوري، والمنطقة الآمنة في سوريا، وصمت الأمريكان على تمدد حزب «العمال الكردستاني»؛ ما تعتبره أنقرة مصدر قلق قومي، إلا أن التحالف قائم في العمليات العسكرية ضد تنظيم الدولة.

هناك من يقول إن أمريكا ضد أية دولة تتحرر من وضعها السلبي إلى قوة مستقلة، ولاعب مؤثر في الساحة الدولية، وتريد إخضاع تركيا إلى ما قبل الصعود، يبدو وصفًا سليمًا في مجمله.

صمت الأمريكان وقت الانقلاب، وانتظارهم تطورات الأحداث وضعهم دائرة الشك مع أغلب الدول الغربية، ثم إبدائهم لاحقًا التهاني؛ لاستمرار الشرعية، كما أن تغيير اللهجة الأمريكية لعمليات الحكومة التطهيرية، حثتهم أنقرة على ضبط النفس، والالتزام بالتحقيق في وقت استثنائي لعملية خيانة الدولة أمر يدعو للتساؤل، في حين إن أغلب المعتقلين الكبار هم من قاعدة «أنجرليك» ذات الغالبية الأمريكية، التي تبدو أنها مركز العمليات.

2- فتح الله كولن

الخيار المرجح عند الحكومة التركية تحت مسمى الكيان الموازي أو الدولة العميقة، وهو أحد خلافات أنقرة مع واشنطن.

عداء أردوغان مع كولن يعود لسنوات، أبرزها قضية فساد، وتسريب موالي كولن محادثات أردوغان

ما سماها أردوغان بالتسريبات المفبركة، إلا أن هذا الحدث يدل على تغلغل جماعة غولن في مؤسسات الدولة،

ما يجعل قول الحكومة في قدرات الدولة الموازية يؤخذ بشكل جدي.

العادة التسريبات الحكومية تحدث من أفراد في دول أخرى؛ لأهداف سياسية، أو من المعارضة، أما في الحالة التركية، فمن فعلها أشخاص داخل الدولة، وربما شخصيات لها نفوذ.

لكن مع حجم هذه التسريبات لا يجعلهم الخيار الوحيد، والقوي في إعداد خطة أدارها جنرالات داخل الجيش.

3- الجنرالات الكماليون

في بداية الانقلاب ـ الفاشل ـ مع السيطرة على القناة الحكومية، وفي بيانهم مع بداية الانقلاب، إن السبب هو تعدي الحكومة على الثوابت العلمانية للدولة، في تركيا الجيش هو حامي العلمانية، ما يلاحظ على حكومة أردوغان مع بدايتهم هو احترامهم المبادئ العلمانية، إلا أن طابع التغيير موجود في اللهجة، وحتى المشاركة الحكومية الكثيرة في الحديث عن ذكريات الأمجاد العثمانية الذي يحلم به منتسبو «العدالة والتمنية»، أبرزهم رئيس الوزراء السابق «داود اوغلو»؛ لكونهم «العثمانيين الجدد».

سبب وجيه على أن يكون الانقلاب من الكماليين، دون «فتح الله» مع ضوء أخضر أمريكي، انقلاب على السلطة يجب الاعتراف به دوليًا، بعد المهمة لإعطائه شرعية دولية. ما أفشل المخطط أنه لم تكتمل أطرافه، وغطاء شعبي مع تنسيق مؤسسات الدولة بقيادة السلطة العسكرية، وهذا لم يحصل. أما الاحتمال الضعيف فهو ان يكون دون تدبير، وأنه تم بتكتم داخلي.

4- فبركة الانقلاب

يبدو خيارًا ضعيفًا، من ذهب لهذا التحليل أغلبهم في البداية كانوا من المتحمسين للانقلاب، وإسقاط الحكومة،

سرعان ما تغير التحليل بفشل الانقلاب، على أنها مسرحية حبكت من رئيس الاستخبارات شخصيًا، هذا الرأي غير مقبول، ويعد فجرًا في الخصومة، أشد أعداء العدالة والتنمية، لم يذهب لهذا القول.

قصف مبنى المخابرات وقتل المدنيين ودهسهم بالدبابة، قصف مبنى البرلمان. أفعال لن تقوم به حكومة منتخبة فقط لإقصاء جماعة، الحادثة كبيرة، وأثرت فعليًا على تركيا، وضربت بها السياحة، والعملة التركية، وشكل تركيا الرسمي. أما المتورطون في العملية فهم جنرالات رفيعو المستوى في الجيش، يستطيع أغلبهم أن يكذب العملية كلها.

التجربة التركية مهمة من ناحية إرساء الديمقراطية، ولو أن أردوغان قلص المعارضة؛ ما يعد شرخًا في مفهوم الديمقراطية، إلا أن التحول من الحكم العسكري الفاشي المكبل للحريات الدينية والثقافية والاجتماعية إلى تكبيل الجيش نفسه بتعدد الأحزاب والسيطرة المدنية تعتبر ناجحة، وفشل الانقلاب يدل على أن الأتراك ودعوا حكم الحديد والنار، وأن الجو المدني صحي، وفيه انتفاعهم، والتعبير عن توجهاتهم استهجان المعارضة للعملية العسكرية هو بحد ذاته نجاح لتركيا الحديثة، والذين تبدو فرصهم في الحكم ضعيفة، وربما لن تسنح لهم فرصة لسنوات طويلة لشعبية العدالة والتنمية ، مع الانقلاب كانت فرصهم عالية، إلا أنهم احترموا أنفسهم قبل الحفاظ على الديمقراطية المكتسبة.

الانقلاب بشكل عام يوجد شرخ فيه، لم تكتمل تفاصيله، ولم يخرج لنا قائد للمجموعة يتبنى العملية، وهذا ما أضعفها، وعليه اتجهت الأغلبية إلى أن الانقلاب من الجنود، ولا قائد عليهم! طبعًا لا يمكن هذا، إنما ظروف الانقلاب، وضعفه أدى لهذا الاعتقاد.

تركيا المدنية: اقتصاد جيد جدًا اعتماد على الصناعة الوطنية، بلد جاذب للسياح، وتصنيع عسكري قادم،

ونهضة في كل المجالات ما لن يحصل في الحكم العسكري.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

تركيا
عرض التعليقات
تحميل المزيد