في المدونات المعاصرة، يشكل الإذلال على الصعيد الدولي رابطًا بين المآسي الخاصة؛ كمأساة تلك المرأة الفلسطينية التي احتُجزت، وهي على وشك أن تلد، على إحدى نقاط التفتيش الخمسمائة التي أقامتها سلطة الاحتلال الإسرائيلي، أو شعور مواطن عراقي، وهو يطلع على التجاوزات التي ارتُكبت في سجن أبو غريب، غير أنه بأمكاننا أن نضيف بالتأكيد هؤلاء الأشخاص في أفريقيا وآسيا والشرق الأوسط الذين يكتشفون عن طريق تقرير مصور ذاك المشهد الذي لا يحتمل لأناس ممزقين بالرصاص، تتحلل جثثهم وسط الذباب الذي  يحوم فوقها في أماكن تعاني من الحروب. فيما كل محطات التلفزة الغربية لا تنفك تذكرنا بمناسبة اي حدث مأساوي يدمي أوروبا أو أمريكا الشمالية أنه، ولأسباب تتعلق بالاحترام والكرامة، من الملائم ألا نظهر صور الضحايا. إن التكرار اليومي للمشاهد الانتقائية التي تنم عن الانحطاط يمثل الإذلال.

إن الإذلال في العلاقات الدولية يتجاوز في كثير  من النواحي مايسعى علم النفس الاجتماعي إلى تحقيقه، علمًا بأنه كان البادئ بالانخراط في نوع كهذا من الأبحاث. ما ينوي هذا العلم إثباته كيف يمكن لتصرفات نفسية، حين تكون مشتركة بين أعضاء مجموعة مجتمعية، أن تولد أحداثًا اجتماعية، وبشكل خاص أشكالًا خطرة من العنف.

بكلام آخر، لا ينظر إلى الإذلال على أنه سمة نفسية فحسب، وإنما هو (تأثير) للنظام الدولي في بعض الوحدات التي تكونه. وهو يظهر موضوعيًا على شكل تجريد من الصفة الإنسانية لنظام قائم على المنحنى الإنساني.

إن هذا الصراع من أجل تحديد المكانة – ومن أجل القيم التي تعطيها معنى – إن النظام الدولي حدث هو في أساسه أمر اجتماعي عادي. إن الفاعل الدولي، في صراعه من أجل تحديد موقعه، يقوم بذلك وفقًا للعبة اجتماعية مبتذلة، سواء أكان فردًا أم مجموعة أم مؤسسة أم جماعة. وهذا ينطبق بالذات على الظروف التي تساهم في (إنتاج) الإذلال دوليًا، والذي تؤدي (تكتونية المجتمعات) فيه دورًا أساسًا. وينطبق الأمر أخيرًا على (تجسيد ) الإذلال، أي ترجمته إلى فعل دبلوماسي ملموس، حيث تحل اللعبة الأوليغارشية بشكل حاسم مكان توازن القوى، فاتحة الطريق بذلك أمام سلسلة من الأعمال الدبلوماسية غير المسبوقة والقائمة على ردات الفعل.

إن النظام الدولي الذي يتناوله فيض القوة والنقص المتنامي لفاعلية هذه الأخيرة، يعمد إلى الخلط بين مفاعيل اللامعيارية والتقييد، وهو يتخذ في الوقت الحاضر شكلًا غير مسبوق، حيث القوة تقود إلى العجز، والنزاعات لم تعد تعكس المنافسة وإنما عدم المساواة، وباتت الحوكمة تسعى إلى إعادة إنتاج الأوليغارشية في الوقت الذي يتوجب عليها العمل لجمع شملهم كلهم.. مظاهر مرضية عديدة تتسرب فيها جدلية الغطرسة والإذلال إلى طيات المواجهة بين كل هذه الأضداد. هذه اللعبة الجديدة تستبدل النمط الاعتيادي لنزعات القوة الكلاسيكية في الزمن الوستفالي، حيث كانت المواجهة تتم بين متساوين يقر واحدهم بحق الآخر وبمقدرته على مشاركته في إدارة ساحة دولية أقل اتساعًا، حينذاك كان يتم الاكتفاء بتجاوز الكيانات التي تؤكد على سلطة كل واحدة من الدول المتنافسة، هي أشبه بعلاقة توافقية بين متساوين.

هكذا يصبح الإذلال سمة إحدى الباثولوجيات التي يعاني منها النظام الدولي المعاصر، من هنا فرض الإذلال نفسه بوعي أو بلا وعي كنمط سلوك دولي، لا بل تجسد بأشكال دبلوماسية تعمل بصورة روتينية، كطرائق وجود وسلوك نعتبرها بديهية وحتمية ولا مفر منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات