بعض الضمير الوطني والغيرة على مكان الانتماء، بالإضافة إلى مجموعة الأفكار الواعية التي تدعو للتصحيح تترجمها بورقةٍ وقلم تكون قد وقعت على وثيقة اغتيالك هذه هي معادلة الوعي السياسي عند الحكومات العربية.

جمال خاشقجي ليس الوحيد الذي مر على هذه المقصلة، فهناك أيضًا:

  • موسى الصدر: سياسي لبناني اختفى قبل 38 سنة، وذلك في زمن القذافي بليبيا، وأعلن عن وفاته سنة 2011.
  • ناصر السعيد: من أوائل المعارضين السعوديين طالب بدستور جديد وضمان حرية التعبير، اختفى، ثم عثر عليه مقتولًا بعد 30 يومًا من ذلك.
  • المهدي بن بركة: سياسي ومعارض مغربي، كان أكبر خصم سياسي للملك الحسن الثاني، اختفى بشمال فرنسا بعدما اعتقلته قواة الشرطة الفرنسية التي نفت بدورها أي علاقة بالأمر.
  • رضا هلال: صحافي مصري عرف بمقالاته المعارضة، اختفى في 2003، ولم يعرف عنه شيء إلى يومنا هذا.

هي أسماء كثيرة لن يكفي حبر الورق أن يكتبها وقصصها، هذه هي الحكومات العربية وأسلوب حوارها مع المعارضة أسلوب واحد، مصير واحد وتعددت الحكومات. ووسط كل هذه الآراء المتضاربة حول قضية خاشقجي تبقى الحقيقة مختفية خلف إنكار السعودية لملابسات الجريمة. وتبقى مدانة إلى حين الإجابة على هذه الأسئلة:

في الوقت الذي ذهب فيه خاشقجي يريد تسوية وضعه في واشنطن، لماذا أرسل من واشنطن إلى القنصلية في إسطنبول؟ لنفرض جدلًا أنه أرسل لسبب مقنع عند دخوله وعدم خروجه، من المسؤول عن سلامته في هذه الحالة؟ وبعد حدوث الحادثة كما تدعي المصادر الحكومية، لماذا أنكرت الحكومة والقنصلية السعودية أمر وفاته؟ ماذا عن اللقاء مع رويترز وجولة القنصل مع الصحافيين؟ هنا يأتي دور التصريح الذي كان يجب أن لا يدلى به، كيف تفسر السعودية تغريدة حساب القنصلية وتصريح ولي العهد بتأكيد خروج خاشقجي؟ بالحديث عن الصدف هذه أغرب صدفة، لماذا تم إعطاء إجازة لجميع العمال الأتراك في القنصلية؟ لماذا صرح بالوفاة بعد 18 يومًا؟ وذلك رغم الضغوط الدولية. هل حقًا لم يكن للسلطات السعودية العلم بأمر قتله؟

كل هذا ولم نتحدث عن مجموعة دخلت لتركيا مؤلفة من 15 دبلوماسيًا يوم اختفاء خاشقجي. هل فريق الموت (15 شخصًا) الذي دخل تركيا من بين المعتقلين الذين تحقق معهم السعودية؟ أي نوع من الخلاف الذي يؤدي إلى شجار بين صحافي ودبلماسي داخل قنصلية، وينتهي بقتل؟ أين كان الباقون ليمنعوا حدوث الجريمة؟ إذا كان من قتل شخص واحد، فلماذا تكتم القنصل؟ لماذا لم يتم الاتصال بالجهات التركية المعنية لاتخاذ التدابير؟ وبالوصول إلى ضلوع القنصل في كل هذه الحوادث من عدمها، إذا لم يكن للقنصل يد في ذلك، فلماذا خرج من تركيا، فالوقت الذي دخلت فيه الاستخبارات التركية للقنصلية؟ ماذا يفعل مقربون من محمد بن سلمان ضمن 15 شخصًا الذين دخلوا تركيا؟

ويبقى السؤال ذو الاستفهام الكبير الذي لم تجب عنه السعودية إلى الآن، بما أن القتل جرى في اشتباك، أين الجثة كاملة دون تشويه؟ في وسط هذه الأسئلة يأتي العاجل السعودي السعودية تتراجع وتقول إن خاشقجي قتل خنقًا بقصد إسكات صراخه، وعلى هذا أقول إن ايقاف الصوت يكون بإغلاق الفم لا الفم والأنف معًا. في الأخير كنا نعلم مدى غباء الحكومات العربية، لكن لم نتوقع أن يصل الحد إلى ارتكاب جريمة بهذا الغباء، ثم تليها تصريحات لا يصدقها الرضيع قبل البالغ والسياسي.

خاشقجي صوت حر أسكتته الأنظمة الطاغية. رحم الله جمال، وأسكنه فسيح جنانه.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد