من البصيرة والفطنة أن يطرح الإنسان على نفسه، وعلى من حوله الأسئلة الصحيحة في التوقيتات الصحيحة؛ لأنه بتحري هاتين الصحتين، فإنه يدفع العقول نحو عصفٍ فكري في اتجاه الحصول على إجابات منطقية، تؤدي إلى الوصول إلى استدلالات ونتائج ممنطقة.

ولكن للأسف وكنتاجٍ لعقودٍ طويلةٍ من قولبة العقول في أُطرٍ فكريةٍ سابقة التجهيز تم تشكيلها من خلال (تعليم) و(إعلام) صُنعا خصيصًا لخدمة الغزو الفكري وإخضاع العقول، فقد اعتدنا أن نسأل (الأسئلة الغلط) في الزمان الغلط.

وسوف نتناول هنا واقعة محددة كمثالٍ واضحٍ، ودليلٍ بينٍ على طرح (الأسئلة الغلط) في الزمان الغلط؛ ألا وهي واقعة سقوط ضحايا الألتراس وايت نايتس في مباراة الزمالك الأخيرة.

فبمجرد حدوث الحادث، وقبل حتى أن تجف دماء الضحايا، إذا بمواقع التواصل الاجتماعي وشاشات الفضائيات تعج بعدد من الأسئلة العجيبة مثل:

1 – هل هؤلاء الضحايا شهداء أم لا؟

2 – هل كان معهم تذاكر لدخول المباراة أم حاولوا الدخول بالقوة؟!

3 – لماذا قد تقتلهم الشرطة – التشكيك مقصود -؟
…إلخ.

والحقيقة فإنه يجب علينا أولا قبل توضيح الغلط في هذه الأسئلة المطروحة على ألسنة من طرحها بقصد أم بعدم قصد، أو ذلك الذي رددها
لاشعوريا بعقلية الببغاء، فإنه يجب أن نوضح أن الدور الأساسي لوجود هذه (الأسئلة الغلط)، هو التعمية على طرح الأسئلة الصحيحة التي يجب
طرحها في مثل هذه الواقعة، والتي سنوضحها أيضًا في حينها.

1 – هل هؤلاء شهداء أم لا؟!

وطرح ذلك السؤال المتعلق بأحكام الآخرة هنا، إنما هو شغل للعقول عن طرح السؤال الصحيح المتعلق بأحكام الدنيا؛ بمعنى أن الجدلية حولشهادتهم من عدمها التي لا يمكن حسمها لكون الأمر يتعلق بنياتهم حال سقوطهم وما تم ممارسته عليهم من كيد وظلم، هو بالأساس لشغل العقول عن ثبوت وقوع الظلم والجناية عليهم. والرد على ذلك السؤال – كما تردد الآلات الإعلامية – بأنهم ليسوا شهداء إنما يقصد منه ما يتبع ذلك آليا من نفي لا شعوري في النفوس لكونهم مظلومين مجنيًا عليهم.

والحقيقة أن السؤال الصحيح الذي كان يجب طرحه هنا هو:

“هل هؤلاء معصومة دماؤهم ماتوا ظلما بغير حق أم لا؟”.

لأن طرح ذلك السؤال يترتب عليه ما سيتم اتخاذه بعد ذلك من إجراءات تتعلق بمحاسبة المسؤولين ومحاكمتهم، ولكن لأن المقصود هو عدم المحاسبة أو المساءلة، فإن الهدف يتحقق بطرح السؤال الغلط والتعمية عن طرح السؤال الصحيح.

2 – هل كان معهم تذاكر لدخول المباراة أم حاولوا الدخول بالقوة؟!

وهذا نموذج آخر من نماذج طرح (السؤال الغلط)، ومقصود السؤال هنا هو محاولة تحميل الضحية بعضًا – إن لم يكن كلًا – من مسؤولية ما حدث له، وكأن المقصود هو القول بأنهم هم المتسببون فيما حدث لهم لأنهم لم يتبعوا الطريقة الصحيحة لدخول المباراة، وكأن تلك التذكرة هي (عاصم الدم) الذي إن غاب (أهدر الدم) وأصبح لا حرج على من سفكه عمدا أو خطأ.

وطبعًا تبقى استحالة التأكد من كون تلك الآلاف كانت تحمل تذاكرها أم لا سببًا في استمرار الجدلية الكافية لشغل العقول عن طرح السؤال الصحيح. والسؤال الصحيح هنا هو:

“هل تم التعامل معهم بطريقة تعتبر آدميتهم وحرمة دمائهم أم لا؟”.
فمن المفترض أن تتوفر آدمية المعاملة والمحافظة على الأرواح حتى للصوص والمجرمين، وأن يعاملوا بما يتناسب مع أخطائهم إن وجدت، فمن غير المنطقي أن يعاملوا بما ينتج عنه إزهاق أرواحهم خطأ – إن كان خطأ – لمجرد عدم وجود ورقة لا يتعدى ثمنها بضع جنيهات، ومن يقل بغير ذلك فهو مجنون ولا ريب.

ولكن لأن السؤال الصحيح سيفتح باب الكلام حول الشرطة وعلاقتها بالشعب واستطالتها أفرادًا وكيانات على الناس بالقوة والسلطة، فالبديل هو طرح السؤال الغلط الذي يواري السؤال الصحيح تحت قدميه.

3 – لماذا قد تقتلهم الشرطة؟!

ومقصود السؤال هنا هو نفي مسؤولية الشرطة عما حدث، وكأن عدم كون جهاز الشرطة مستفيدًا مباشرًا من إزهاق تلك الأرواح ينفي بالتبعية كل
مسؤولية أخرى ويبرئ ساحة الشرطة تمامًا. والحقيقة طبعًاعلى غير ذلك، فحتى إن كانت الشرطة غير مستفيدة من قتلهم، فهذا لا ينفي مسؤوليتها عن دورها في حماية واجبة لم تقم بها، فالشرطة لا تتواجد في مثل هذه المباريات لمجرد التأكد من أن كل من يدخل إلى المباراة يحمل تذكرته!

بل من المفترض أن لها دورًا أساسيًا في توفير الأمن والحماية، وهو ما لم يحدث قطعا.

وإن كان هؤلاء قتلوا بالتدافع – كما يدعون -، أليست قنابل الغاز سبباً كافيا لحدوث ذلك التدافع القاتل؟ وبالطبع فإن الفيديوهات المسجلة شاهدة على إطلاق الشرطة لقنابل الغاز، بل وطلقات الخرطوش أيضًا.

والسؤال الصحيح الذي كان يجب طرحه هنا هو:

“لماذا لا تقوم الشرطة بدورها المنوط بها في حماية مثل هؤلاء وغيرهم من فئات الشعب؟”.
ولكن لأن ذلك السؤال سيقود لمناقشة حقيقة دور الشرطة، وهل هي حقا في خدمة الشعب أم في خدمة النظام السلطوي، فالتعمية عن السؤال لابد من حدوثها بطرح (السؤال الغلط).

الغريب أن ذلك الأسلوب يتكرر استخدامه كثيرًا، ولكن لأنه في كل مرة يصادف عقولا أسيرة فإن مستخدمه ينجح في الوصول الى غرضه، والأمثلة من بعد 25 يناير واضحة لمن أراد أن يرجع إليها. مثل سؤال “إيه اللي وداهم هناك؟” في أحداث مجلس الوزراء، ومحمد محمود،والعباسية، وكأن الضحية هو الذي يتحمل المسؤولية كاملة لأنه تواجد في المكان الخطأ!

 

وبالتالي تنفى كل مسؤولية أخرى، حتى مسؤولية القاتل. وسؤال “هل الضباط والجنود دخلوا مسجد النور بالأحذية أم لا؟!”، وكأن نفي تلك التهمة عنهم يوم أحداث العباسية تنفي عنهم انتهاك كل الحرمات الأخرى، وسؤال “هل كانت قيادات الاعتصام تعلم بميعاد الفض؟!”، وكأن المسؤولية كلها في الفظائع التي حدثت في رابعة والنهضة، يتحملها من  كان يعلم ميعاد الفض – إن كان يعلم – ثم أصر على بقاء الاعتصام!

والأمثلة كثيرة لمن أراد أن يرجع إليها.

ومن هنا فمن الحري بنا أن نتعلم في أن نبحث في الأسئلة المطروحة، والغرض الحقيقي من إثارتها، وأن نحرر عقولنا من القوالب التي أرادوا لنا البقاء في أسرها، وألا نقع تحت التأثير الموجه من الأدوات الإعلامية المستخدمة كالقطيع.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد