دعني عزيزي القارئ ابدأ حديثي باعتراف، وهو أني لم أرغب في البداية بالحديث عن بورما، على الأقل ليس في البداية، لقد صرت أستحي من متابعة نشرات الأخبار التي تحكي أوضاع المسلمين عبر العالم، اعذروني؛ فعندما تسمع في التاريخ عن أمير المؤمنين المعتصم حين فتح مدينة عمورية تلبية لصرخة امرأة مسلمة مظلومة، فاعذروا لي خجلي.

العجز الذي وصلنا له نحن المسلمين هو عارٌ سيلاحقنا وسيلاحق أولادنا وأحفادنا. في كل مرة أتصور أنه ليس بعد هذه الظلمة ظلمة، وأننا بالفعل وصلنا إلى القاع، أكتشف أن القاع ما زال أبعد، وأنه بعد هذه الظلمة ظلمات وظلمات، ولا تفهم خطأ أني أتحدث هنا عن كارثة بورما فقط، فبورما كفلسطين وكالعراق وكسوريا وكأفغانستان وكغيرها الكثير، جرح وراء جرح وراء جرح، جميعهم ليسوا أولاد الأمس، بل نتيجة تاريخ كامل من التخاذل والضعف والخيانة.

مرة أخرى انفتح جرح آخر من جروح المسلمين، جرحٌ قديم، ولكن مازال يؤلم أصحاب القضية وأصحاب الضمير، أما أولئك المتخاذلون الذين فطنوا إلى تسكين الضمائر وإراحة البال بعذر ان المصيبة – وان كانت بجارنا – فإنها ليست بدارنا، فلنحمد الله إذا على ما نحن فيه ولنعش كالخراف حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولا.

مرة أخرى تسقط المبادئ والشعارات الزائفة التي صدعوا بها رؤوسنا، شعارات كمعاداة العنصرية ومعارضة التحيز الديني. فها نحن نرى دماء الآلاف تُراق، آلآف الأطفال والنساء، تشريد الآلاف فقط لكونهم مسلمين في دولة تعادي الإسلام.

هؤلاء القوم يا سادة الديمقراطية والمساواة حول العالم انتهكت حقوقهم لا لجرم ارتكبوه، بل ببساطة لأنهم مسلمون،
عذرًا فهؤلاء اتبعوا ذلك الدين العدائي الذي يتبعه فوق المليار حول العالم، مالنا لا نسمع تلك الصرخات التي لطالما سمعناها بأن البوذية تدعو إلى العنف وغيره.

ففي كل مناسبة تضعون أحداث الـ١١ من سبتمبر (أيلول) في وجوهنا، وتنهمر دموع التماسيح ويخرج لنا من كل مكان أفلام ومسلسلات تدعي الجاهلية في ديننا، وتدعونا بالتخلف والعنصرية! أفلام وأفكار مسمومة كـ american sniper و 24 وHomeland وغيرها الكثير والكثير، حتى أنكم اطلعتم على أن بلادكم، بلاد العرب كلها ركام، لا شيء حضاري ألبتة، ركام ورمال ونساء بنقاب وأطفال يجرون وراء الماعز والإبل، فكيف إذا تزعمون أنكم بتحضركم ووسائلكم الحديثة قام هؤلاء البدو بكل عملياتكم الإرهابية المزعومة تلك.

مرة أخرى تظهر لنا عدالة المكيال والمصالح تلك، فبينما في دولهم المتقدمة تهمة معاداة السامية هي أمر يوجب الاحتقار وهي التعريف لكلمة عنصرية، فلا نسمع منهم صوت على مجازر اليهود في فلسطين، وإن سمعنا كانت كلمة باهتة لا تُسمع عاقلًا ولا تصل إلى أصحاب القرار.

مالنا نراكم لا تنطقون؟! ألا ترون ما نرى؟! ألا تسمعون ما نسمع؟ ما لنا لا نرى الأعلام ترفرف والمسيرات تزلزل شوارع العواصم الأوروبية، أليست تلك جرائم ضد الإنسانية وتمييزًا عنصريًا ضد الأديان؟! أعتقد أن هناك مطعمًا يقدم الأطعمة الفرنسية أيضًا في بورما، فلا بأس ببعض التفاعل يا سادة.

مرة أخرى انفتح الجرح ليُرينا الوجه القبيح لهؤلاء القوم، وأن الإسلام مضطهد في العالم، وأن هذا الارهاب المزعوم ما هو إلا ذريعة لحجب أفكار هذا الدين وتشويه رموزه.

مرة أخرى يا سادة لا جديد تحت الشمس، لن يلتئم الجرح، ولكن الزمن سيخفف من وطأة الألم قليلًا، سنعتاد عليه كما اعتدنا على غيره، وسيبقى يؤلمنا حتى يأتي ذلك الجيل الذي يستنكر سفاهة هذا العالم. جيل قوي من صلب المعتصم ينتصر للمستضعفين في بقاع الأرض.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد