حزب الوطن ترك التحالف، والبناء والتنمية ترك التحالف، والجبهة السلفية تركت التحالف، إلى آخره. وتحالف دعم الشرعية، هو الكيان الثوري، الذي تأسس عقب الإطاحة بالرئيس محمد مرسي عام 2013. ثم نتيجة الانقسامات والاختلافات التي زادت حدتها مع الأيام، تم تدشين كيانات جديدة عديدة لمواجهة نظام السيسي. ولأن تلك الكيانات ما أسهمت في شيء منذ انطلاقها حتى اليوم، رغم كثرتها، فأرى أنه لا داعي لذكر أسمائها.

ولكنني سوف أتناول «دعوة» كانت تنطلق في فترةِ ما بين تدشين كيان وآخر، وهي الدعوة إلى الاصطفاف، والدعوة للاصطفاف ما انطلقت إلا لعجز تلك الكيانات جميعًا عن قيامها بالمهام التي أُنشئت من أجلها.

ولا تزال تلك الدعوة قائمة حتى اليوم، رغم قِدَمها، «ولننتبه إلى هذه»، الدعوة للاصطفاف ما زالت قائمة حتى اليوم، رغم مرور كل تلك السنين!، فنحن لسنا أمام اصطفاف حدث بالفعل، ولم ينجح في تحقيق أهدافه، كلا. والسؤال، ما هي العوائق والموانع التي تراكمت، فمنَعَتْ الوصول إلى نقطة تكوين الاصطفاف، حتى باءت جميع المحاولات بالفشل؟، رغم تعاظم مقتضيات التكوين والنجاح.

يُرجع البعض أسباب الفشل، إلى أن مجموعة من الأشخاص المقيمين في معسكر الثورة، أو «معسكر المعارضة»، لا يتركون مبادرة أعدها طرف من الأطراف، أو أحدٌ من المعتدلين، وكذلك لا يتركون حدثًا نتج عنه فرصة تهيئ الأجواء لتحقيق الاصطفاف، إلا ونسبوه إلى نظرية المؤامرة، فيزعمون أن ذلك كله ما هو إلا فخ استخباراتي، إضافة إلى تمسك، هؤلاء المقيمين في معسكر الثورة، بمطالب لا تتفق عليها جموع الشعب، وبالتالي فهؤلاء من أهم أسباب شق الصف وضرب كل محاولات السعي لإنقاذ مصر. هكذا يعلق ويعلل الداعون إلى الاصطفاف، على فشل دعوتهم.

وأقول، مع كامل الاحترام للجميع، إن الأمر أكبر وأبعد من ذلك بكثير، وإذا أردنا أن نقف على الحقيقة، علينا أن نُشرِّح الأبعاد والأركان التي تقوم عليها المعارضة، بناءً على ما هو موجود ومُعلَن في الوقت الراهن، سواء، من الشخصيات العادية أو الاعتبارية.

ولو قمنا بذلك، فسنجد أن المكونات السياسية للتيار السلفي، منقسمة لأكثر من فريق، فحزب النور يؤيد السيسي ونظامه، في حين أن حزب الوطن، الذي يترأسه الدكتور عماد عبدالغفور، ترك تحالف دعم الشرعية ويميل إلى المصالحة، وأما الجبهة السلفية، فلا تعترف بالنظام وترفض الاصطفاف.

وأما الجماعة الإسلامية، فإن الشيخ عبود الزمر والدكتور ناجح إبراهيم، وغيرهم، من دعاة المصالحة مع الدولة، في حين تجد المهندس عاصم عبدالماجد والدكتور طارق الزمر والشيخ محمد الصغير من دعاة الاصطفاف، وبرغم أن المهندس عاصم يُكَفِّرُ حزب النور، ففي نفس الوقت يصطف ومن معه جوار شخصيات ذات توجه ليبرالي، ولو حدث تمكين «لهذا التحالف» سيسعى كلاهما للقضاء على حليفه، قياسًا على التجربة.

ثم سنجد جبهة أو فريق عودة مرسي، (والمتهمون بإفشال دعوة الاصطفاف، منتمون لهذا الفريق)، أعضاء هذه الجبهة أو هذا الفريق، يرفضون فكرة الاصطفاف، جملة وتفصيلًا، ومطلبهم الرئيسي هو عودة مرسي مع كل الاستحقاقات التي تحققت بعد تنحي مبارك وحتى يوليو (تموز) 2013، إلى جانب ذلك، فهم يدعون لإسقاط مؤسسات الدولة وعلى رأسها المؤسسة العسكرية، (علمًا بأن المؤسسة العسكرية هي التي أشرفت على كل الاستحقاقات التي يدعون إلى  عودتها!)، ومن لم يقل بقولهم هذا ، فهو غير مدرك، أو جبان أو عميل أو خائن أو منافق، إلى آخر ما يصفون به غيرهم. وفي هذه الجبهة ، الشيخ محمد عبدالمقصود «سلفي» والشيخ وجدي غنيم «محسوب على الإخوان»، بالإضافة إلى شخصيات عديدة، محسوبة على أكثر من تيار.

أما جماعة الإخوان، ففيها كل تلك الأنواع والفرق والجبهات، إضافة إلى أنها منقسمة لأكثر من جبهة. ومن تابع التصريحات التي تصدر عنها فسوف يجد أنها متفقة مع كل نداءات أطياف المعارَضة في الخارج، وهذا سواء من القيادات التاريخية «جبهة محمود عزت»، أومن المعارضين لهم «جبهة محمد منتصر». (فمنهم من يتمسك بعودة مرسي، ومنهم من يدعو للاصطفاف، ومنهم من استسلم للواقع بحسب ما تفرضه الأحداث، ومنهم من يتمسك بالسلمية، ومنهم من يعارض ذلك… إلى آخره).

وبناءً على هذا أقول، لو أنهم أطلقوا في كل يوم دعوة للاصطفاف، وهم على ما هم عليه الآن، فتلك دعوات، فقط لإحداث الصدى الإعلامي، دون حدوث أي تفاعل عملي، وذلك لغياب هذه الثلاثة:

أولًا: الهدف الواضح المقنع

ثانيًا: التصور الجامع المقنع

ثالثًا: الشرط القوي المقنع

وأعلم أن من يقرأ هذا الكلام سوف يبادر بتعريف الهدف، قائلًا، الهدف هو إسقاط النظام، وأقول، كلا، فلا ينبغي أن يكون إسقاط النظام هو الهدف، وإنما إسقاط النظام ما هو إلا خطوة نحو تحقيق الهدف، وأما الهدف، هو تأسيس الدولة المنشودة التي يعيش فيها جميع الفرقاء. وهذا هو الإشكال الكبير الذي نعاني منه.

ثم من الذي سيضع (التصور الجامع) لتلك الدولة المنشودة؟، فالتجارب كثيرة، ولكن الصعوبة تتمثل في انتقاء أو استحداث تجربة وتجهيزها وسد كل ثغراتها، قدر الإمكان، لإسقاطها على أرض الواقع لتصبح نموذجًا عمليًا.

ثم من المنطق أن تتم مناقشة هذا التصور مع الأطياف المعنية، للإقناع به، (وإن القدرة على إقناع الآخرين، لَمِن أهم الأسلحة التي ينبغي لصاحب الفكرة أن يتسلح بها). هذا بعيدًا عن التوافقات الوقتية، والتحالفات الهشة الشكلية. وإن الاختلافات الموجودة محسوبة في معظمها على اختلاف التضاد وليس اختلاف النوع.

ثم يأتي بعد ذلك وضع الشرط. والسؤال، الدعوة التي أُطلِقَت للاصطفاف أُطلِقَت على شرط مَن؟، والشرط هنا، هو شرط القيادة، التي حددت الهدف، وأقامت المظلة، وحملت الراية، ووضعت التصور للدولة المنشودة، وأيضًا حددت الدرب والضرب، الذي سيمضي الجميع فيه وعليه، ليقتنع بذلك من أرادوا فيصطفوا خلف هذه القيادة لا جوارها، وهم على قناعة بتلك الثلاثة (الهدف-التصور -الشرط). وهذه الثلاثة، تمثل الثغرات التي يتسلل منها كل خصم وعدو ليضرب الجميع بالجميع، (بسبب كثرة وتباين الأيدلوجيات والتوجهات وتفاوت القناعات الشخصية. وأكررها الاختلافات هي اختلافات التضاد وليس النوع، وهذا في ظل انعدام القيادة المسيطِرة).

ثم بعد ذلك، تأتي الطريقة التي سيتم بها عرض الأمر على الشعب المصري، لإقناعه والتأثير فيه، ثم، إدراك عواقب كل خطوة، فمهمٌ أن تخبر الناس بتعاظم المشاكل والقضايا، والأهم هو أن تتوصل إلى حلول وبدائل، ومهم أن تصنع حراكًا وتقوده، والأهم من ذلك، هو ضمان عدم الانحراف عن المسار لإغلاق باب الشقاقات والانشقاقات، ومهم أن تسعى كى تصل إلى الحكم، ولكن الأهم، كيف ستسوس الحكم إذا وصلت إليه. كل ذلك، حتى لا تتسبب في ضياع العباد والبلاد، وذلك ما وقعت فيه مصر وبعض دول المنطقة، بعد اندلاع ثورات الربيع العربي.

وبناءً على ما ذكرت، فإنني أرى أن الآفة الكبرى تتمثل في عدم فهم طبيعة مكونات المشهد ومقتضياته، لذلك كان البحث عن مشجب من خلال حملات التخوين والتشكيك، هو السبيل الوحيد والأسهل، ليثبت به الجميع مصداقيته. فغابت المصداقية، وانعدم التأثير.

لذلك أكرر الدعوة بضرورة تفكيك تلك الفصائل، التي عجزت عن تجهيز القيادة التي تستطيع أن تقود سفينة الوطن، وسط أمواج داخلية وخارجية متلاطمة، لترسو بها على شاطئ النجاة، ليس هذا فقط، وإنما عجزت تلك الفصائل، منذ سنوات وحتى الآن، عن تجهيز قيادة تقود الشعب في هذه المحنة التي دخلت فيها مصر بعدما أضاعوا الحكم، بل وأؤكد أن تلك الفصائل لن تتفق على قيادة من داخلها، بل لا بد وأن تكون القيادة من خارجها، لذا يجب عليهم أن يتخلوا عن عصبيتهم الممقوتة ليعودوا مرة أخرى ليمتزجوا بعموم الشعب المصري، وليلتفوا حول قيادة تنقذ الجميع.

وأخيرا ، وبما أنني أختم هذه السلسلة بهذه المقالة، فيروق لي أن أفند قولًا يردده البعض منذ الثالث من يوليو 2013، حتى اليوم ، يقولون: (ليس من الإنصاف أن ننتقد طرفًا مظلومًا، وكفاه ما يلاقيه). وأقول: هذا كلام صحيح، ولكن حينما يكون الأمر متعلقًا بصديقين أو جارين تشاجرا، بغى أحدهما على الآخر، فتتدخل صديق ثالث ليفصل بينهما، فوجه نقده للمظلوم.

ولكن حينما يتعلق الأمر بشأن دولة، ومصير شعب، ثم مصير شعوب المنطقة بالتبعية، وسياسة المُلْك، فإن مثل هذا الكلام مردود على قائله، وكل يؤخذ منه ويرد، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وحينما تُستنسخ أخطاء تجربة مر عليها ستون عامًا لتُطبق في هذا الزمان، من ذات الفصيل الذي دخل اللعبة، من قبلُ، مع نفس الخصم، وبسبب ذلك يتجرع الشعب كله كؤوس العذاب بسبب سوء الممارسات، وعدم الاستفادة من أخطاء الماضي، فهذا عبث سياسي، واستهتار بعقول شعب أودع ثقته حيث لا ينبغي أن يودعها، بل حينما يتطور الأمر ليصبح المخالفون، كفارًا أو خونة أو جبناء أو عملاء أو عبيدًا، إذن فإننا أمام أمر عظيم وخطب جليل، يستوجب التدخل لمصلحة الجميع وليس لمصلحة جماعات وفصائل. ثم إن الدعوة إلى التفكيك كانت من أهداف هذا النقد، وذلك حتى يحمل الشعب كله هَمَّ بلده وقضايا أمَّتِه.

روابط سلسلة مقالات . لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟

لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟ (1) الإخوان وعبد الناصر

لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟ (2) الفصائل والسادات

لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟(3) الفصائل ومبارك

لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟ (4) الثورة والتآمر على الشعب

لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟ (5) الحكم بعقلية المعارضين

لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟ (6) الإخوان والسلفيون والشيعة

لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟ (7) فوضى أضاعت هيبة الحكم

لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟(8) السيسي إخوان – السيسي كافر

لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟ (9) تنازلوا عن شرعية مرسي وأنكروا

لماذا ينبغي تفكيك الفصائل الإسلامية؟ ج(10) ما لن يذكره المؤرخون عن رابعة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
s