أن تتعالى على إنسانيتك أمرٌ ليس بالهيّن، فالإنسان ضعيف أمام ما يمسّ عواطفه وأحاسيسه، ولكنّ خسارة جمهورك وأصدقائك كذلك أمرٌ لا يطاق، ومن تعارضِ المبدأ مع المكاسب وُلد «المثقف الصامت».

هذا الشيء أمرُه مستفزٌّ بالنسبة لتكوينة المثقفِ الطبيعية، تجده محطَّ جدلٍ غالبًا، هو لا يتفاعل مع ما يحدث من أمورٍ عظيمة، وكأنه لم يسمع بأي شيء، وفي الوقت نفسِه لا يتوانى عن كتابة المثالياتِ ونشرِها إذا ما انتهى الحدث.

هو ميالٌ لمنْ يشبهه في المبدأ، وبالعادة يتفقون على التصفيق سوية، وسببُ التصفيق لا يهمّ أن يكون لنجاح أو لقولٍ سديد، هم يصفقون لما يرَون فيه مصلحتهم ثم يصمتون. يقرؤون كثيرًا ويكتبون أقلّ من ذلك، ويكون عادة مصدرَ إلهامهم شيءٌ من الخيال، رغم أن الواقع روايةٌ عظيمة، لكنهم حرموا أنفسَهم من مشهدٍ بطوليّ فيها.

المثقف الصامت لا يتحدث إلا عن الحبّ والسلام، ولا يسعى لنُصرتهما، تجده مع الأقوى إن كتبَ شيئًا خارجَ نصّه، وصامتًا تُجاه الضعيف، وإنْ كان الحق يناديه من بين الجراح. حصلت مجزرةٌ في الحيّ، وقتل وتعوّق كثيرون، نُشرت الصور وسُمعت الآهات وتألم الجميع، بحثتُ عن ردّ فعلِ هذا النوع من البشر فلم أجده بين الناس، في اليوم التالي خرجتْ مجموعةُ فتياتٍ قطعْنَ السيرَ وسط حشود تهتف وأمنٍ يحمي ومثقفٍ ينطق بكل ما أوتي من صمت، ليس نصرةً لأمٍّ وصغارها عجَزَ المسعفون عن جمع أشلائهم بين خضار السوق، لكنْ للسير على الدراجات الهوائيةِ المحدّبة، ورغم أنها ظاهرة شاذة على المجتمع فإنّ تفاعلَ هؤلاء كان حاضرًا.

يدّعي هذا الصامتُ أنّ الأشياء الجميلة في الحياة تجذبه، ويبتعد عن المآسي والأوجاع لأنه يعيشها كلّ يوم، نوعُ المثقفين هذا إن سألته عن شخصيته المفضلة يقول «جيفارا»، وإن ناقشته يفاجئك بكلامه عن تغيير الشعب لواقعه ورفض الظلم والاستغلال والاضطهاد، ولا تحاولْ سؤاله عمّا يحصل لمن أعطاهم الأذن الصمّاء، في الحقيقة هو كان يقصد تشارلي تشابلن وشخصيتُه أقرب له، لكنّ الفنّ تجدد وصار تشابلن أيقونةً فقط، فذهب لثوري في كوبا.

الشاعرُ البغدادي معروف عبد الغني الرصافي، بعد أن يئس من هذا النوع البشري قال:

يا قوم لا تتكلموا إنّ الكلامَ محرّمُ *** ناموا ولا تستيقظوا ما فاز إلا النوّمُ.

سأذكر شيئًا حصل بالأمس القريب حتى لا يعتقد هؤلاء أنّ في الأمر تجنّيًا عليهم، حدثَ ما حدث في العراق من معاركَ ونزوح و… وجاء أهل الأنبار نازحين إلى بغداد عاصمةِ كلّ العراق، ورفضت الحكومة إدخالهم، مكثوا شهورًا في العراء عند جسرٍ صغيرٍ يدعى (بزيبز) سمّي بعد ذلك «معبر بزيبز»، مات الشيخ ومرض الطفل وولدت المرأة، كلّ ذلك في العراء، لا يسمح لهم بدخول بغداد رغم أنهم داخل بلدهم، المثقفُ الصامت طيلة هذه المدة الزمنية الطويلة ظلّ صامتًا، لم ينطق لا مع ولا ضدّ، في وقت كان ثلةٌ من المثقفين الصامتين يتظاهرون ومعهم آخرون كلّ يوم جمعة، للضغط على سياسيين من أجل تحقيق مطالبَ دفعَهم للمطالبة بها سياسيون آخرون ولم يهمّهم أمرُ منْ في بزيبز. ومثالٌ آخر قصفت الطائراتُ الحكومية سوقًا وسط مدينةِ القائم، مات وأصيب مئاتُ البشر، معظمُهم نساء وكبار في السنّ تجمّعوا لتسلّم مرتباتهم التقاعدية، تمكنت الحكومةُ من ذبحهم بصواريخ الطائرات، وبقيَ الصامتُ على صمته. كذلك آلاف العوائل نزحت من محافظة نينوى وحالُهم معروف. لك أن تتصور أنك وعائلتك تعيشون في خيمة وسط البرد والأمطار، وبلا وسائل الحياة الطبيعية، طبعًا لم يحتجّ مثقفنا الصامتُ وبالطبع لم يتظاهر وبالتأكيد لم ولن يتكلم، والأمثلة كثيرة.

من بين كلّ ما يتعرض له البشر في بلادهم، أشهد لهم أنهم نطقوا حينما خُرّب تمثالٌ صنعَه خَرِفٌ من الوحل، قبل آلاف السنين، وضحكَ عليه أهلُه وقتها، لكنْ جاء من يقدّر إبداعه بعد قرون!

عزيزي الصامت: الأجدر بنا أن نحافظ على الإنسان لا على أثره، وأن نحتج  للإنسان لا للطين الذي صنعَه بيديه، وأن نكون مثاليين مع شيءٍ له روحٌ ويتنفس لا لكومة أحجارٍ لا تضرّ ولا تنفع.

أيها المثقف! كتبُك التي قرأتَها جعلتكَ تقدّس الجماد لا الروح، وهذا النموذج من البشر اندثر قبل أكثرَ من 1500 عام، أولئك الذين لم يكترثوا لطفلةٍ تُدفن وهي تتنفس في وقت كانتْ فيه جباهُهم تمرّغ بتراب قدمَي الصنم.

ما فائدةُ الثقافة إذا لم تخدم المجتمع؟ وما قيمتُها إذا جُرّدت من الإنسانية؟ ولماذا تكون شخصيتُك المفضلة ثوريةً وأنت أقربُ إلى ماري أنطوانيت زوجة لويس السادس عشر؟!

أحيانًا أقول في نفسي: هل كان من الضروريّ أن نمرَّ بأوضاعٍ كهذه حتى تنكشف سَوءات كثيرٍ ممّن نعرفهم، وكثيرٍ ممّن كانوا مثالًا للقيم والمبادئ؟ الغريب أنّ كثيرًا من الصامتين هم ممّن أصابهم الضيم والظلم والتهجير وتدمير الممتلكات، بالإضافة إلى جرائم إبادة الأبرياء ولا أعرف لماذا بقوا صامتين رغم حدوث كل ذلك معهم! ربما أخذوها من جانب «أن الكلام لا ينفع»، لكن هذا الجانب يتعارض مع ما يقرؤون ويكتبون فكل ذلك كلام.

كتبتُ عنكم لا لتخجلوا مما تفعلونه لأني أدرك جيدًا أنكم لن تخجلوا، ولكن أردت أن أفضفض عما في داخلي، وحتى أوثق مواقفكم الصماء، «أنتم وباء على الثقافة» هذه حقيقة لابد أن تعرفوها، مهما قرأتم ومهما كتبتم لا يكفي أمام أخلاق تحتاج إلى وقفة طويلة، ومن سيحزن مني عليه أن يحزن على نفسه أولًا، فلا يعيش الإنسان سوى مرة على هذه الأرض ويكفي أن يعيشها محترمًا بلا نفاق وبلا كذب وبلا مثاليات زائفة وبلا استخفاف بدماء وحياة ومشاعر وعقول الآخرين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

المثقف
عرض التعليقات
تحميل المزيد