«هل في الخيميائي الصغير كتاب حكمة عظيم أم هو خلطة سيئة للجيل الجديد؟»

أنا هنا لست بناقد أدبي للرواية لأنها ليست حرفتي ولا صنعتي، ولكن خواطر حول تلك الظاهرة اجتاحت عقلي وربما لا يتعدى بعضها مجرد وجهة نظر، فمن أراد أن ينقدها أدبيًا يرجعها إلى نصها الأصلي بلغتها التي أُلفت بها وينقدها وفق معايير ثقافتها الأدبية.

قرأت رواية «الخيميائي» للبرازيلي باولو كويلو قبل ست سنوات تقريبًا حين وقعت في يدي قدرًا عندما كان عليَّ أن أنتظر وكان الانتظار سيطول فما كان مني إلا أن قرأتها لشغل وقت الانتظار وأيضًا الفضول، قرأتها وأغلقتها وكأن شيء لم يكن، ولكن…

عدة تساؤلات كانت بداخلي حول كيف أصبحت تلك الرواية ظاهرة عالمية؟ وعلام ترجمت إلى 81 لغة مما جعلها تدخل موسوعة جينيس للأرقام القياسية لأكثر كتاب مترجم لمؤلف على قيد الحياة! ولماذا بيع منها 210 مليون نسخة! في أكثر من 170 بلدًا! مما جعلها واحدة من أكثر الكتب مبيعًا على مر التاريخ! وهل حقيقة أنها الكتاب الذي حفز العالم على الحلم على حد قولهم؟! وهل تستحق أن تتحدث عنها الصحف العالمية بهذا الكم الهائل من المديح وأيضًا شخصيات سياسية مثل رئيس وزراء إيطاليا الأسبق وغيره؟! ومما هالني أيضًا أنها ما زالت تحصد الأرقام وتغزو فئة الشباب الصغير الحالم الحيران.

الأرقام حسب موقع ويكيبيديا قد تنقص قليلاً أو تزيد ولكن لا خلاف على ضخامتها.

وقبل أن أبوح بخواطري حول الرواية سأسرد ملخصًا سريعًا للرواية حتى لا أدع الفضول يجتاح القارئ فيقرر أن يقرأها وأنا أقول له لا داعي لقراءتها فإنها لا تستحق بحسب وجهة نظري.

«سانتياغو» ذلك الراعي الصغير في ريف أسبانيا -الأندلس من عهد قريب- حلم حياته أو أسطورته الشخصية هي السفر والترحال فيقرر أن يعمل راعيًا للغنم ليجوب البلاد، نام تحت شجرة الجميز في المعبد المهجور بالقرب من مدينة طريفة الأندلسية فحلم مرتين بطفل يأخذه إلى كنز مدفون بجانب أهرامات مصر، ذهب إلى عرافة وقابل مَلِك «سالم» ليخبره أن عليه الذهاب إلى أهرامات مصر ليجد كنزه! باع نعاجه وعبر المضيق مارًا بالمغرب العربي، حتى بلغ مصر وكانت تواجهه طوال الرحلة إشارات كونية.

وفي رحلته تقابله عقبات كثيرة يحاول أن يتجاوزها يحتال عليه لص ويسرق ماله ويعمل بائعًا للبلور ويتعلم العربية ويركب القافلة ويعبر الصحراء ويشهد حروبًا بين القبائل إلى أن يلتقي «الخيميائي» عارف الأسرار العظيمة الذي يحثه على المضي نحو كنزه وفي الوقت نفسه يلتقي امرأة الصحراء فيحدث في داخله صراع بين البقاء إلى جانبها، ومتابعة البحث عن كنزه، فتخبره بأن نساء الصحراء يعلمن أن على الحالمين تحقيق حلمهم وهن يعرفن كيف الانتظار، خلال هذه الأحداث تقوى العلاقة بين الراعي والكون حتى يصبح عارفًا بلغة الكون فاهمًا لعلاماته وينجو من الأسر بفضل تفاعله مع روح العالم.

يصل أخيرًا إلى الأهرامات فيجد لصوصًا في انتظاره ليخبره زعيمهم أنه أيضًا حلم مرتين بكنز مدفون تحت شجرة جميز في معبد مهجور بالقرب من طريفة بالأندلس وأنه ليس بغبي ليعبر الصحراء ويركب البحر من أجل حلم وتركه آسفًا على حاله فرجع الراعي إلى شجرة الجميز وحفر فوجد الكنز وأعطى العرافة العُشر وقرر أن يعبر الصحراء ثانية ليعود للواحة حيث امرأة الصحراء تنتظره.

قبل أن نتكلم عن مضمون الرواية سنتتبع نشأتها ومولدها ونبطل نسبها، فهل حقًا فكرتها الأساسية وليدة رحم خياله لينال ما ناله عليها؟ أم هي وليدة رحم آخر وهو اقتبسها وعدَّل من ثيابها؟

يقول معظم نقاده أنه اقتبس فكرتها الأساسية من الكاتب الأسباني خورخي لويس بورخيس من قصة بعنوان «حكاية الحالمين» في كتابه الذي ترجم إلى العربية بعنوان «مرايا ومتاهات»، تعود الحكاية إلى تاجر مصري فقد ماله فيأتيه هاتف في المنام ليسافر من القاهرة إلى أصفهان بحثًا عن الكنز الذي حدثه عنه الرجل الذي ظهر له في المنام، ليخبره الضابط الذي قبض عليه في أصفهان بأنه هو الآخر حلم بكنز مدفون تحت نافورة ماء في وسط بيت بالقاهرة هو هو نفس وصف بيت التاجر، ولكنه ليس بأحمق ليذهب إلى القاهرة من أجل حلم، فيعود التاجر إلى بيته ويستخرج كنزه.

ولكن المفاجأة العجيبة التي أدهشتني بعد قراءتي للرواية بست سنوات كانت أبعد من ذلك بعشرة قرون فكما أن البلاد العربية دلت راعي النعاج على كنزه وحقق فيها حلمه بالسفر والترحال فهي أيضًا من دلت راعي الرواية على كنزه وحقق بها حلمه بأن يصبح كاتبًا عالميًا يشار إليه بالبنان.

ففي الجزء الثاني من كتاب «الفرج بعد الشدة» للقاضي أبو علي المحسن بن علي التنوخي المتوفى 384هـ وكان من أبرز أدباء العصر العباسي الثاني وكان تلميذ لأبي الفرج الأصفهاني ذُكرت القصة رقم 212 في الباب السادس بعنوان «رأى في المنام أن غناه بمصر».

يقول التنوخي: كان في جوار القاضي رجل انتشرت عنه حكاية، وظهر في يده مال جليل، بعد فقر طويل، فسألت فقال: ورثت عن أبي مالاً جليلاً، فأسرعت فيه، وأتلفته، حتى أفضيت إلى بيع أبواب داري وسقوفها، ولم يبق لي من الدنيا حيلة وبقيت مدة بلا قوت إلا من غزل أمي، فتمنيت الموت. فرأيت ليلة في النوم، كأن قائلاً يقول لي: غناك بمصر، فاخرج إليها. خرجت فلما حصلت مصر، ولا لاح لي شغل ونفدت نفقتي، فبقيت متحيراً، وفكرت في أن أسأل الناس، وأمد يدي على الطريق، فلم تسمح نفسي، فقلت: أخرج ليلاً، وأسأل، فخرجت بين العشائين، فما زلت أمشي في الطريق، وتأبى نفسي المسألة، ويحملني الجوع عليها، وأنا ممتنع، إلى أن مضى صدر من الليل. فلقيني الطائف، فقبض علي، ووجدني غريبًا، فأنكر حالي، فسألني عن خبري، فقلت: رجل ضعيف، فلم يصدقني وبطحني، وضربني مقارع. فصحت: أنا أصدقك. فقال: هات. فقصصت عليه قصتي من أولها إلى آخرها، وحديث المنام.
فقال لي: أنت رجل ما رأيت أحمق منك، والله لقد رأيت منذ كذا وكذا سنة، في النوم، كأن رجلاً يقول لي: ببغداد في الشارع الفلاني، في المحلة الفلانية -فذكر شارعي، ومحلتي، فسكت، وأصغيت إليه – وأتم الشرطي الحديث، فقال: دار يقال لها: دار فلان -فذكر داري، واسمي -فيها بستان، وفيه سدرة، وكان في بستان داري سدرة، وتحت السدرة مدفون ثلاثون ألف دينار، فامض، فخذها، فما فكرت في هذا الحديث،ولا التفت إليه، وأنت يا أحمق، فارقت وطنك، وجئت إلى مصر بسبب منام.

قال: فقوي بذلك قلبي، وأطلقني الطائف، فبت في بعض المساجد، وخرجت مع السحر من مصر، فقدمت بغداد، فقطعت السدرة، وأثرت تحتها، فوجدت قمقمًا فيه ثلاثون ألف دينار، فأخذته، وأمسكت يدي، ودبرت أمري، فأنا أعيش من تلك الدنانير، من فضل ما ابتعت منها من ضيعة وعقار إلى اليوم.

فيظهر هنا أن كويلو اقتبس فكرة روايته من بورخيس الذي اقتبسها بدوره من التراث العربي حيث كان مولعًا بحكايات ألف ليلة وليلة وغيرها من قصص التراث الأدبي العربي.

يُتبع إن شاء الله.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد