دعونا نبدأ وننطلق من حيث تساءل الدكتور محمد جلال كشك، رحمه الله، في حيرة:

أين الخطأ؟ كيف تبقى بيضة الرخ حية مئات السنين حتى إذا وجدت الحاضنة المؤمنة فقست رخًا حقيقيًّا فيه ملامح الرخ المنشود، ولكنه رخ عقيم بل ويموت في ريعان الشباب إن لم نقل في نضارة الصبا؟!

هل العيب في البيضة أم في الحاضنة؟ أم أشكل علينا الأمر وتشابه البيض علينا.

لا مجال للشك في أن التجربة المعملية تظل تفشل ولا تنجح إلا بعد وضع المعايير والنسب الصحيحة لها، فالمعادلة قد تكون صحيحة في ذاتها ولكن الفشل يأتي من عدم فهم المعادلة فهماً صحيحاً، أو أن يكون القائم على التجربة غير مؤهل للقيام بها فتأتي النتائج بالفشل مع الجزم بصحة المعادلة.

«»صالح لكل زمان ومكان«» فإن من شروط هذه الصلاحية توفر الرجال الذين يفهمون الإسلام فهماً صحيحاً كما فهمه السلف الأوائل الذين نجحوا في إقامة دولة الخلافة والحضارة المنشودة، وأيضًا توفر الرجال الذين يستطيعون تحديد أبعاد التغير في الزمان، ومدى اختلاف الواقع والمكان، ومن ثم استنباط الحل الإسلامي الخاص بالزمان والمكان – في كل مرحلة بحسب الإمكان إلى حين الوصول للصورة المثلى والمنشودة في التطبيق-.

بمعنى توفر الشخصية الإسلامية التي لا تجري وراء أوهام، ولا تخطئ تقدير قوتها فتحارب طواحين الهواء، أو تدخل في مغامرات طائشة وتستجيب لإغراءات غير محسوبة النتائج، شخصية تفهم حركة التاريخ فتعرف متى تتحدى وأين تثبت دون السقوط في مخاطرة لمجرد الشعارات، وتعرف أيضًا كيف تتراجع خطوة لتتقدم خطوات دون أن تفرط في مبدأ أو حق من حقوقها.

حول تجارب و محاولات تطبيق «الحل الإسلامي»

قد شهد التاريخ الحديث للعالم العربي في القرون الثلاثة الماضية، عدة محاولات حاولت طرح الحل الإسلامي، وبعضها نجح في إقامة دولة تحت شعاره ولكنها سقطت أو أجهضت تحت تأثير عوامل شتى يجب دراستها والاستفادة منها، بهدف توفير أفضل الظروف لنجاح المحاولات المعاصرة.

دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وآل سعود أُنْمُوذَجًا

فقد كانت الوهابية – أو السلفية – هي أقوى وأبرز طرح للحل الإسلامي في ظروف الهزيمة الشاملة للمسلمين أمام الغزوة الأوروبية التي لم يكن احتلالها العسكري هو أخطر أسلحتها، بل محاولة إقناع المسلمين بأن الاسلام قد انتهى عصره، وأن التغريب حتمية التاريخ، فاستطاعت دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب متمثلة في الدولة السعودية الأولى، تأخير هذا التغريب رغم هزيمتهم، كما استطاعوا أن يطرحوا أول وأكمل ثورة عربية، وذلك بطرحها في صيغتها الشرعية.

جاء الإمام محمد بن عبد الوهاب ليؤكد صوابية الحل الإسلامي، ويعلنها جهرة أنه لا حل إلا بالإسلام، وأن كل ما نزل بنا وبالعالم أجمع من انحراف هو بسبب الانحراف عن هذا الحل، وأن المطلوب هو حفنة من المؤمنين تجدد أمر هذا الدين فيعيد للتاريخ سيرته، أو قل يستأنف مسيرته، بعد النكسة أو الخلل الذي أصاب هذه المسيرة بما كسبت أيدي المسلمين، وفعلًا جاءت الوهابية لتؤكد هذا؛ إذ استطاع رجال لا ينتمون إلى عزوة قبلية ولا إلى دولة غنية، ولا إلى خلفية حضارية أن ينفضوا غبار التاريخ عن بيئتهم ومجتمعهم ووطنهم.

«وهبَّّ ابنُ عبد الوهاب يكافح البدَع والعقائد التي تخالف ما كان عليه سلف الأمة من صفاء عقيدة التوحيد، وهي ركن الإسلام الأكبر، ولم يقنع بتأليف الكتب، بل نزل إلى عامّة الناس في بلاد جزيرة العرب، وأحدث رجّة هائلة في قلب دار الإسلام».

وتسلمت «دعوة التوحيد» قيادة الحركة الإسلامية وكان أبرز معطياتها نشر التوحيد وفتح باب الاجتهاد في الفروع والنوازل وفق القواعد الشرعية، بعد فترة من الجمود والتقليد، والقيام بواجب الجهاد في سبيل الله ولهذا اعتبرها الاستعمار الخطر الأول، لأنها سجلت أمرًا خطيرًا وبعيد الأثر في حركة اليقظة المعاصرة كلها، ذلك أنها أيقظت عالم الإسلام وأمة العرب قبل قدوم حملة نابليون بأكثر من ستين عامًا وهدته إلى وسائل النهضة وأسبابها.

وهذا لم يكن لمرة واحدة ليأتي أحدهم ويقول إنها تجربة توفرت فيها عوامل الصدفة ثم انهارت مرة أخرى، ولم تستطيع أن تستمر حضاريًّا بل قامت التجربة ثلاث مرات ونجحت، فبعد تدمير وحرق الدرعية عاصمة الدولة السعودية الأولى على يد الألباني خادم الباب العالي، وقتل من قتل وشرد من شرد من أبناء وأحفاد الإمام محمد بن عبد الوهاب والأمير محمد بن سعود، وعادت شبه الجزيرة العربية إلى حالة التيه والنسيان مرة أخرى إذا بذلك الفتى الهمام الذي تنقل في الصحاري فارًّا بدينه ودنياه تركي بن عبد الله حفيد محمد بن سعود، يتذكر الميثاق والعهد بين جده والإمام محمد بن عبد الوهاب فينهض حاملًا هم الدعوة والدولة مرة أخرى فيقوم بحفنة من المخلصين ببناء الدولة مرة أخرى أو ما يسمى بالدولة السعودية الثانية.

 ثم سقطت الدولة لعدة عوامل، وظن الجميع أن التجربة قد طويت وأن الوهابية قد اتخذت مكانها في كتب الفقه وعادت شبه الجزيرة العربية إلى عالم التيه مره أخرى تطوف بقايا آل سعود وبن عبد الوهاب فيافي وجزر الخليج ومرت فترة من الزمن كانت فترة حاسمة في تاريخ الإسلام والعرب من حيث استمرار الزحف الغربي على بلاد المسلمين، وتتابع هزائم المسلمين، وسقوط بلادهم في قبضت عدوهم التاريخي والديني، وأما الأخطر من ذلك فهو أن الشك بدأ يغزو المسلمين في صوابية وجدية الحل الإسلامي ذاته، لا في التجارب العملية في تطبيقه، ودب الشك في صحة قناعة الأسلاف بشعار صالح لكل زمان ومكان، وكأن لسان حالهم يردد في حسرة «أَم كانَ شَيئاً كانَ ثُمَّ اِنقَضى» (1)

وبدأ البحث عن صيغة تحفظ أرض المسلمين وحياتهم ولو بالتضحية بالحل الإسلامي، أو حتى التخلي عن الإسلام كما حدث في تركيا الكمالية، أو كما حاول محمد علي وفشل.

وفي اللحظة التي بدأ فيها باب التغريب قد فُتح على مصراعيه وكان مجرى التاريخ هو تقسيم الوطن العربي إلى دويلات، وكان الاتجاه العام هو سقوط الحل الإسلامي، إذ يتجدد العزم لدى ذلك الفتى الحالم المقدام عبد العزيز [1875-1953] حفيد فيصل بن تركي حفيد محمد بن سعود للبر بعهد جده مع الإمام ليحمل هم الدعوة والدولة مرة ثالثة، معلنًا قيام الدولة السعودية الثالثة ولكن في هذه المرة كانت على أسس وموازنات عبقرية أدت إلى استمرار الدولة بفضل الله.

«عبد العزيز وحده بدا ظاهرة مخالفة لقوانين التاريخ. وحده كان يطرح الحل الإسلامي، وينتصر. وحده كان يرفع شعارات اعتقد البعض أنها في ذمة التاريخ وفقدت مفعولها، فإذا بها في معسكر عبد العزيز تفعل الأعاجيب وتثبت أنها وحدها التي استطاعت أن تحقق إنجازًا هو الذي بقي، بينما تلاشت أوهام وأحلام الذين تخلو عن الإسلام في مطلع القرن العشرين بأمل النجاة من الاسترقاق الأوروبي، أو تحقيق التقدم المادي»

قال عبد العزيز في افتتاح مجلس الشورى وهو يرسي قواعد الشورى في مشروعه الإسلامي: إن أمامكم اليوم أعمالاً كثيرة من موازنة لدوائر الحكومة، ونظم من أجل مشروعات عامة، والأمة تنتظر منكم ما هو المأمول في هممكم، لقد أمرت ألا يسن نظام في البلاد ويجري العمل به قبل أن يعرض على مجلسكم من قبل النيابة العامة، وتنقحونه بمنتهى حرية الرأي، وإنكم تعلمون أن أساس أحكامنا ونظمنا هو الشرع الإسلامي، وأنتم في تلك الدائرة أحرار في سن كل نظام وإقرار العمل الذي ترونه موافقًا لصالح البلاد على شرط ألا يكون مخالفًا للشريعة الإسلامية لأن العمل الذي يخالف الشرع لن يكون مفيدًا لأحد، والضرر كل الضرر هو السير على غير الأساس الذي جاء به نبينا محمد، صلى الله عليه وسلم.

وقال أيضًا: يقولون إن المسلمين في تأخر، وبحثوا ليجدوا طريقة لتقدم المسلمين، فما وجدوا أمامهم إلا أن يقلدوا الأوربيين، ولكنهم لم يقلدوا الأوربيين فيما كان سبب قوتهم ومنعتهم، بل قلدوهم في ما لا يسوغ في دينهم.

أولئك الذين يزمرون ويطبلون لحضارة الغرب ومدنيته، ويريدون منا أن ننزل عندها فنتمثلها في بلادنا وبين أقوامنا، فإننا نسوق إليهم الحديث بتوجيه أنظارهم إلى هذه الأزمة الخانقة، وإلى هذا التبلبل السياسي، وإلى هذه الفوضى الاجتماعية السائدة في تلك البلاد، فإن نظرة واحدة لمن يتدبر في هذه الأوضاع السائدة في هذه الأيام يلمس فساد تلك النظريات المتسلطة على عقول السذج من المسلمين والعرب، أما المسائل الصناعية والزراعية، فإن أوامر الله تعالى، ونبيه، صريحة بالأخذ بها، وكذلك في أعمال رجال السلف الصالح أكبر دليل على العناية بها والأخذ بأسبابها، ولذلك فالقول بأن الصناعة والزراعة من نتائج الحضارة الغربية وحدها ليس بصحيح، وكذلك الطائرات والدبابات والمدافع والأعتاد الحربية التي تدافع بها الأمم عن نفسها وتذود بها عن حياضها هي من الأعمال الصناعية أيضًا، كذلك يمكنني القول إنه لا يوجد في الدنيا مدنية تسعد البشر وتكفل راحتهم أحسن من مدنية الإسلام»*

والمتأمل في هذه التجارب الثلاث أو قيام الدول الثلاثة يجد أن عامل نجاحها واحد وهو الأخذ بقوة بتلك الدعوة المباركة دعوة التوحيد أو التمسك بعرى الإسلام، إذن فمصدر الشرعية للنظام السعودي هو إقامة شرع الله عز وجل فإذا هم تخلوا عنه فقدوا شرعيتهم وانهار نظامهم.

ويمكن أن نقول إن هذه التجارب الثلاثة في تلك الحقبة الزمنية وحدها نجحت في إقامة كيان ودولة مستقلة خارج السيطرة المباشرة للاستعمارية الغربية، بينما أدت كل الحركات الأخرى التي نفت الإسلام إلى السقوط في التبعية والتجزئة.

وهكذا يتجدد الأمل في صلاحية الحل الإسلامي وبهتت حجة أنصار التغريب فكلهم فشلوا ونجح أنصار الحل الإسلامي.

(1) – قصيدة يا وَيحَ هَذا الطَرفِ ما غَمَّضا للشاعر عبد الله العرجي الأموي صاحب البيت المشهور «أَضاعُوني وَأَيَّ فَتىً أَضاعُوا لِيَومِ كَريهَةٍ وَسِدادِ ثَغرِ» من قوله:

يا لَيتَ شِعري هَل يَعُودَنَّ لي… ذا الوُدُّ مِن لَيلى كَما قَد مَضى

إِذ قَلبُها لي فارِغٌ كُلُّهُ… أَم كانَ شَيئاً كانَ ثُمَّ اِنقَضى

* جاء في تقرير القنصلية الأمريكية في بيروت: لفت انتباهنا إلى خطاب الملك عبد العزيز أن هذا الخطاب يثبت أن العرب في نظرتهم للشؤون الدولية لم يتقدموا على ما كانوا عليه منذ 13 قرنا.

وعلق القنصل الأمريكي جورج برانديت: إن الخطاب جاء على طريقة أئمة المسلمين في الماضي، أي إعلان الكمال المطلق للإسلام وتفوقه، وتأكيد أخوة المسلمين وكراهة الأوروبيين ولا يعبر عن أي رأي حديث.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد