أين الخطأ؟ كيف تبقى بيضة الرخ حية مئات السنين؛ حتى إذا وجدت الحاضنة المؤمنة فقست رخًا حقيقيًا فيه ملامح الرخ المنشود، ولكنه رخ عقيم، بل يموت في ريعان الشباب، إن لم نقل في نضارة الصبا؟

هل العيب في البيضة أم في الحاضنة.. أم أشكل علينا الأمر وتشابه البيض علينا (1).

«الحل الإسلامي»

شعار ترفعه حركات وجماعات ودعوات الإصلاح الإسلامي، وتعاديه الصهيونية، والصليبية، والعلمانية، ودعاة التغريب، وتدرس أبعاده مراكز البحث وصناعة القرارات المعادية للإسلام! ويحيط به الغموض والشك عند الكثيرين!

حول مصطلح «الحل الإسلامي» وظهوره

ينقسم مصطلح «الحل الإسلامي» إلى مفردين:

المفرد الأول «الحل»: عندما يَكْثُر الحديث عن ضرورة إيجاد «حل» إذًا فهناك «مشكلة» أدت إلى «مأزق» الأمر الذي أدى إلى البحث عن «حل» لهذه «المشكلة» حتى يتم الخروج من هذا «المأزق»، ومن أجل الوصول إلى «حل» مناسب لابد عن تصور وتوصيف صحيح للمشكلة، وكما قال الأصوليون: «الحكم على الشيء فرع من تصوره»، وكذلك الحل الأمثل لمشكلة ما يتوقف على التصور الصحيح لتلك المشكلة.

والناظر إلى حال الأمة الإسلامية في العصر الحالي يجد أنها تعيش في مأزق حقيقي، ومحنة كبرى، ومن تراجع حضاري واستضعاف شديد، ناتج عن مشكلة وأن التصور الصحيح لهذه المشكلة لا يتمثل في فقر الإمكانات المادية أو البشرية، إنما في الافتقار إلى النظام، أو الشريعة الأقدر على حكم وإدارة وتوجيه هذه الإمكانات المادية والروحية.

والمفرد الثاني هو «الإسلامي»: إذًا فأصحاب هذا الحل يرون أن النظام الأمثل للخروج من المأزق التي تعيش فيه الأمة الإسلامية هو تطبيق النظام الإسلامي أو الشريعة الإسلامية، أو التمسك بدين الإسلام أفراد وجماعات وحكومات.

سؤال: بما أن أصحاب المشروع الإسلامي يقدمونه على أنه الحل الأمثل في الإصلاح الشامل فهل أصلًا هناك مشاريع، أو أنظمة، أو ثقافات أخرى غير إسلامية يمكن أن تطرح على أمة الإسلام حتى نستخدم لفظ «الإسلامي» لنصف به «الحل»؟

الإجابة: إن المسار التاريخي للحضارة الإسلامية قد اعترته واعترضته مشكلات وعوامل التخلف والتراجع الحضاري ككل مسارات الحضارات الخاضعة لسنن الله وآياته في التقدم والتراجع، فكان المسلمون على مر تاريخهم يواجهون مشكلات التراجع، أو الموات الحضاري بحلول النهوض والإحياء الإسلامي.

فكانت الحلول دائمًا وأبدًا إسلامية المرجعية والمنابع والأصول ومن هنا فلم تكن توصف اجتهادات وتجديدات الأعلام والمذاهب والدعوات بـ«الإسلامية» لأنه لم يكن هناك البديل المغاير غير الإسلامي الذي يُطرح ويزاحم الحل الإسلامي في ساحات التجديد والنهوض والتغيير.

فكان الحل دائمًا العودة إلى الأصول والمبادئ والقواعد والحدود التي اكتملت في القرآن الكريم والسنة النبوية والتراث الفقهي ليكشف المجددون عنها، ويزيلوا ما علق بها وران عليها من بدع غطت جوهرها النقي وحجبت فاعليتها عن التأثير.

بداية صراع المرجعية:

لكن هذا الحال بدأ يتغير منذ الغزوة الاستعمارية الحديثة لقلب عالم الإسلام التي بدأت بحملة نابليون الفرنسية على مصر (1213هـ – 1798م).

فأمام صدمة هذه الحملة، التي كشفت حقيقة تراجعنا الحضاري عندما قورن بالتقدم المادي الحضاري الأوربي حينها – الذي لم تكن بعد ظهرت عيوبه، وثغراته، وعوراته الأخلاقية والمجتمعية والثقافية المنذرة بسقوط ذلك الهلام المادي الحضاري الهش – ومع ما ألقته في واقعنا الفكري ولأول مرة في تاريخ المواجهة بين الغرب والإسلام بفكرية المرجعية الغربية ذات الطابع الوضعي والعلماني والمادي، وبالنموذج الغربي في النهوض والتغيير، ظهرت ازدواجية وثنائية الحلول والمرجعيات لمشاريع النهوض والإصلاح، ونبتت منذ ذلك التاريخ بذور شيطانية لأشخاص، ودعوات، وتيارات، وأحزاب تتبنى فكرة التغريب، واتخاذ الفكرية الوضعية والمادية العلمانية كنموذج لحل مشكلات التراجع الحضاري للبلاد الإسلامية.

والتي تمثلت في تلك الدعوات التي بدأت على استحياء لدى المعلم «يعقوب حنا» و«نمر أفندي» وأتباعهم الذين تعاونوا مع بونابرت من أجل فرض السيطرة العسكرية والفكرية على شعب مصر في مطلع القرن التاسع عشر، مرورًا بتجربة مصر الحديثة في عهد محمد علي التي همشت دور الأزهر والعلماء وعزلهم عن قيادة الشعب وعن الحياة السياسية، والتي أتاحت أيضًا وفود خبراء غربيين بما يحملون من رؤى وفلسفات، وإرسال البعثات إلى الغرب لتعلم العلوم الحديثة؛ مما أدى إلى غرس بذورًا للفلسفات الوضعية المعادية للمرجعية الدينية.

ثم تلى ذلك إنشاء المدارس التنصيرية وتخريج طلائع تحمل فكرة استبدال المرجعية العلمانية الغربية بالمرجعية الدينية الإسلامية فظهرت صارخة لدى شبلي شميل 1917، وفرح أنطوان 1922 وغيرهما، اللذين أثرا بدورهما في سلامة موسى (1888 – 1958) الذي أعلنها صراحة حين قال: فأنا كافر بالشرق مؤمن بالغرب، وهذا هو مذهبي الذي أعمل له طول حياتي سرًا وجهرًا (اليوم والغد 1928 – سلامة موسى)

وأيضًا ظهور كتابات طه حسين (1889 – 1973) الذي تأثر ببريق الغربية الخادع فيعلن أن «السبيل واحدة فذة ليس لها تعدد وهي أن نسير سيرة الأوربيين ونسلك طريقهم لنكون لهم أندادا ولنكون لهم شركاء في الحضارة، خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يُحَب منها وما يُكْره، وما يُحمد منها وما يُعاب» (مستقبل الثقافة في مصر 1938 – طه حسين)، فصدق الشاعر حين قال:

يُقْضَى على المرءِ أيامَ محنتِهِ … حتى يَرَى حَسَنًا مَا لَيْسَ بالحَسَنِ (2)

ثم تلا ذلك تسلط لويس عوض (1915 – 1990) وأمثاله على الحياة الثقافية في مصر، فظلوا يرتعون في أزقة وسُّباطَةُ الفكر الغربي، ويأتون منها بكل ما هو فاسد مستهجن، فتراهم يسارعون «في إِثرِ كُلِّ قَبيحٍ وَجهُهُ حَسَنُ» (3).

ثم تتابعت بعد ذلك تيارات وفصائل عرفت «بالليبراليين، الفرديين، الرأسماليين».. و«الماركسيين، الشموليين، الماديين».. و«القوميين على النمط القومي الغربي» التي تفصل الدين عن العمران نظرًا وتطبيقًا.

حول ماهية وخصائص «الحل الإسلامي»

إن معنى «الحل الإسلامي» أن يكون الإسلام هو الموجِّه والقائد للمجتمع والدول والعالم في كل الميادين والمجالات المادية والمعنوية، وأن تتجه الحياة كلها وجهة إسلامية، وأن تصبغ بصبغة الله الإسلامية بأن تكون عقيدة المجتمع إسلامية، وشعاراته إسلامية، ومفاهيمه وأفكاره إسلامية، وأخلاقه وآدابه وتقاليده إسلامية، وأن تكون قوانينه وتشريعاته إسلامية.

ولا يكون الحل إسلاميًا، إلا إذا تسمى باسم الإسلام وحده فلا يصح أن يدعي أحدهم أنه يملك حلًا إسلاميًا، ويُسميه باسم المدنية، أو العلمانية، أو غيرها، أو يشرك معه اسمًا آخرًا كمصطلح «الحل الإسلامي العلماني» مثلًا.

وأنه لا بد أن يكون الحكم فيه لله وبشريعته، فأية دعوة جاءت لتفصل الإسلام عن الدولة فهي دعوة مردودة، فلا يتصور القبول والرضى بقيام مجتمع إسلامي يحكمه حكم غير إسلامي – كأن يقول أحدهم: الأفراد لا يمكن أن يكونوا علمانيين أما الدولة تكون علمانية، ثم يدعي أنه يملك مشروعًا إسلاميًا – لأن الدولة هي التي تحمي وتطبق شعائر الإسلام، فليس بحل إسلامي ذلك الذي يبيح الخمور، ويفتح الحانات بدعوى تنشيط السياحة، أو يبيح الربا ويقر بالبنوك الربوية بدعوى أنها دعامة الاقتصاد الحديث، أو يقر بتعطيل الحدود واستبدال القوانين الوضعية بها، أو يستمد عناصره وأفكاره وتصوراته من غير مصادر الإسلام الصافية، فكل هذه الحلول ليست حلولًا إسلامية، وإن ادعت ذلك.

إذًا «فالحل الإسلامي» حل متكامل لا يقبل التجزئة، فالله عز وجل حذر بني إسرائيل من ذلك فقال تعالى «أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ». (البقرة: 85).

وإن كان يقبل التدرج في الوصول إلى الصورة الأمثل في التطبيق.

وأن من خصائصه أنه يتعامل مع الإنسان على أنه إنسان تتزامن فيه الروح والمادة فيهتم بحل مشكلات الجانبين والرُقي بهما، وحل إشكالية التعارض الظاهر بينهما الذي أوجدته الديانات المحرفة والثقافات الوضعية والمذاهب المادية.

«فإن الحياة الإنسانية تكتمل فقط عندما تشمل على كل من الرغبات الحسية والأشواق الروحية للكائن البشري، وترجع كل الإخفاقات الإنسانية لإنكار الدين الاحتياجات البيولوجية للإنسان أو لإنكار المذهب المادي لتطلعات الإنسان الروحية».

كما أن من خصائص المجتمع المسلم أو الدولة الإسلامية الجمع بين الثبات والمرونة بحسب ما يقرره الشرع، فهو مجتمع تلتقي فيه صلابة الحديد ورقة الماء السلسبيل.

وأيضًا من خصائصة أنه يحث المسلمين على اقتباس كل ما أمكنهم من العلوم المادية والتطبيقية وما يتعلق بها ليكونوا في مركز الأقوى دائمًا، مع التنبيه على أن هذه العلوم قد ظهرت من قبل في ظل الحضارة الإسلامية وبإيحاء المنهج الإسلامي في المعرفة وتوجيهه، ثم انتقل قبس من هذا النور إلى الغرب الصليبي في غفوة الشرق المسلم فنماه ووسع دائرته، فإذا عادت إليه ثمرات هذا المنهج من العلوم والتقنية فهي بضاعته ردت إليه.

حول حتمية «الحل الإسلامي»

الإسلام ليس حلًا ضمن حلول إصلاحية اختيارية تخضع للتجربة والاختيار، كأن نقول: ها قد سقطت الماركسية الشيوعية، وفشلت الرأسمالية الإمبريالية، فعلينا أن نجرب الإسلام لعله ينجح.

فالله عز وجل أنزل القرآن وشريعة الإسلام لتحكم وتطبق وحدها.

«ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ». (الجاثية: 18).

«وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ۖ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ…». (المائدة: 48).

فإسلامية الحلول سنة من سنن الله تعالى في مسيرتنا الحضارية وفي معالجة مشكلات التراجع الحضاري.

فالحل الإسلامي ليس خيارًا، بل هو القيام بالفرائض والتكاليف الإلهية والواجبات الشرعية التي هي شرط من شروط اكتمال الإيمان الديني للمسلم بالله واليوم الآخر.

قال تعالى: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا. أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا». (النساء: 59 و60).

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً…». (البقرة: 208).

*المفْهُومُ : معنى، فِكْرة عامة، مجموع الصفات والخصائص الموضحة لمعنى كُلِّيّ

(1) يُنظر في الجزء الثاني من هذا المقال.

(2) من قصيدة «يا أذن ما تشتكين اليوم يا أذني» للشاعر إبراهيم بن المنذر – قال صاحب حاشية النبراوي على الأربعين النووية، في حاشية شرح الحديث الرابع والعشرين، ولقد بلغ هذا البيت الغاية في الحسن والبلاغة؛ لأنه يأتي في كل مقام، فرحم الله قائله.

(3) قصيدة «بم التعلل لا أهل ولا وطن» لأبي الطيب في قوله:

مِمّا أَضَرَّ بِأَهلِ العِشقِ أَنَّهُمُ … هَوُوا وَما عَرَفوا الدُنيا وَما فَطِنوا

تَفنى عُيونُهُمُ دَمعًا وَأَنفُسُهُم … في إِثرِ كُلِّ قَبيحٍ وَجهُهُ حَسَنُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد