لما كانت جماعة الإخوان المسلمين جماعة دعوية جامعة، وكانت الممارسات السياسية وشئون الحكم جزءًا من اهتماماتها، ظل الإخوان المسلمون يعملون على إصلاح المجتمع بكل الوسائل الممكنة، وحاولوا قدر الإمكان أن يتخذوا كل الوسائل الممكنة لإصلاح المجتمع عبر مؤسساته المدنية.

وكانت المشاركة الواسعة منهم في الاتحادات الطلابية والنقابات المهنية، وبصفتهم من نسيج هذا الوطن، وليس جسمًا غريبًا عنه؛ فاندمجوا بسرعة في المجتمع وتقبلهم الجميع لحسن خطابهم، وجميل تخطيطهم، ووضوح رؤيتهم الإصلاحية.

شهدت الجامعات حراكًا واسعًا وزخمًا كبيرًا بظهور الإخوان المسلمين وتقديمهم الخدمات للطلاب، والتفاعل والحركة معهم، وأحدثوا تغييرات فكرية كبيرة تنبع من أصول هذا الدين، إذ إنني قد شاهدت بنفسي مدي انبهار رئيس الجامعة التي كنت فيها بهؤلاء الطلاب، ومدى تأثيرهم وأثرهم.

ما زلت أذكر كلمات رئيس الجامعة «أنتم جيل من الشباب الواعي الذي تتخطي قدراته وإمكانياته وفكره وتنظيمه، ليس إدارة اتحاد طلاب جامعة، بل إدارة شئون دولة. مجموعات عمل مختلفة تبدع وتبهر الجميع بحركتها وأثرها الفعال بين الطلاب، وهكذا كانت جامعات مصر في تلك الفترة».

تخرج هذا الجيل، وتقدم للترشح في النقابات المهنية المختلفة عارضًا برامجه وخططه الإصلاحية لتلك النقابات، ورؤيته في إدارتها بما يحقق الصالح العام لكل نقابة مهنية؛ فكانت برامجهم وخططهم محل ثقة جموع المهنيبن في مصر

أداروا كل نقابات مصر، وحققوا من الإنجازات ما لم تحققه دولة بكل إمكانياتها، وكانت النقابات بديلًا عن الدولة، ونموذجًا ناجحًا أحرج مؤسسات الدولة، حتى أصبحت هدفًا للفاسدين من أجل وقف تلك النجاحات؛ ففرضوا الحراسات القضائية على تلك النقابات، واستولوا عليها.

كان اللافت في دخول انتخابات تلك النقابات هو عدم المنافسة على منصب النقيب، وإنما المنافسة على المكتب التنفيذي لكل نقابة، لذلك نجحت التجربة المهنية في مصر، وكانت نماذج رائدة في المنطقة العربية، ومن ربوع مصر من أقصاها إلى أقصاها وُجد الإخوان المسلمون فصيلًا خادمًا للشعب المصري وقائمًا على استيعاب الشباب في محاضن التربية الوسطية المعتدلة.

لم تكن كل تلك الأمور كافية لإحداث تغييرات جذرية والوصول إلى أسلمة المجتمع، ومحاربة الفساد الذي يحول دون ارتقاء الشعب المصري وتحقيق نهضة متوازية مع الشعوب التي بدأت نهضتها في فترة زمنية واحدة مع مصر.

عندما نقارق مصر باليابان على اعتبار أنهما بداياتهما واحدة في النهضة، نجد أن مصر في كوكب الأرض، وأن اليابان في كوكب اليابان شتان بين ذلك وذاك، ومن أهم أسباب انتكاسات الدولة المصرية هو الحكم الشمولي الاستبدادي العسكري المتوارث عبر ما يزيد على ستين عامًا، فكانت آثار القنبلة الذرية على اليابان أخف ضررًا من أثر الحكم العسكري على مصر.

من المعايير الدولية المتعارف عليها كأساس لكل نهضة هو مدى تحكم العسكر في السياسة والحكم، كلما ابتعدت الدول عن قبضة العسكر زاد من تقدم تلك الدول.

هذا المعيار هو أساس الانضمام إلى مجموعة الاتحاد الأوروبي، وشرط أساسي من تخلص الدول التي تريد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من حكم العسكر،   هناك دول في أوروبا ما تزال خارج المنظومة الأوروبية بسبب استمرار تحكم العسكر في البلاد بنسب مختلفة، ولم تحقق معايير الانضمام حتى اليوم، وعليه فالإخوان المسلمون لم يتطلعوا يومًا إلى رغبة في الصدارة والحكم، ولكن ما تركه حكم العسكر من أثر في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية أوجب على الإخوان المسلمين الالتفات إلى أهمية إصلاح نظام الحكم في مصر.

ولكن لماذا ترشح الإخوان المسلمون للانتخابات النيابية والبرلمانية، وما مدى تأثيرات ذلك في الإخوان المسلمين، وماذا تحقق من نجاح أو فشل؟! هذا ما سنتعرض له فيما هو قادم، وللحديث بقية إن شاء الله تعالى، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد