رؤية في تاريخ الجماعة

تجربة الإخوان المسلمين في السياسة ليست تجربة ناشئة أو حديثة، إنما هي تجربة تضرب في عمق تاريخ الجماعة، كان موقف الأستاذ البنا من التعددية الحزبية موقف الرافض لها وغير المؤيد؛ نظرًا إلى الظروف التي كانت تمر بها مصر من احتلال، والتنافسية الحزبية من رأيه تؤدي إلى تشتيت الأمة في مواجهة المحتل الغاصب.

قامت ثورة الضباط الأحرار، والتي أثبت التاريخ فيما بعد أنها كانت انقلابًا عسكريًّا على الملكية المصرية، دعمت جماعة الإخوان المسلمين ثورة الضباط الأحرار، والتي كان مرسومًا لها أن تسلم الحكم للشعب المصري عبر انتخابات مدنية وتشاركية سياسية، والانتقال من الملكية إلى الجمهورية المدنية عبر رعاية عسكرية، وكان الرئيس محمد نجيب أحد كبار الضباط وقتها، والذي كان يتمتع بشعبية كبيرة، كان هو رئيس المرحلة الانتقالية، والتي كان مخطط لها قيامه بإجراء انتخابات الرئاسة وتسليم السلطة لمن سيختاره الشعب.

إلا أن الخيانة جزء من ممارسات العسكر على مدى التاريخ، انقلب عبد الناصر على الشرعية، وتحكم في السلطة منفردًا بعد ان أزاح كل رفقائه في الثورة وأودعهم السجون والمعتقلات، مات عبد الناصر ثم جاء السادات فتمكن الإخوان المسلمين من الانتشار الأكبر في الجامعات، وكانت بداية جديدة بميلاد جديد، رحل السادات وجاء حسني مبارك، الذي سمح بهامش محدود جدًّا للممارسات السياسية، وكانت الانتخابات في عهده قمة في التزوير، حتى تمكن الإخوان المسلمون من نجاح ثمانية وثمانين عضوًا في البرلمان المصري، وكان أكبر عدد يستطيع الدخول إلى مجلس الشعب المصري في تاريخ الجماعة في عام 2005.

كان لانتشار الإخوان المسلمين عن طريق البرلمان وقع سياسي على المستوى الدولي، وتبين للجميع أن مساحة الحرية لو اتسعت في مصر لاستطاع الإخوان المسلمون تغيير وجه مصر في أقل مدة ممكنة، مكاتب النواب كانت بوابة للشعب المصري كله، ليتعرف عن قرب إلى الإخوان المسلمين، اتجه الإخوان المسلمون في مصر إلى العمل الخدمي بشكل أساسي، خدموا الشعب المصري عن طريق مؤسساتهم المنتشرة في طول البلاد وعرضها، أموال الإخوان المسلمين في مصر كانت مدارس ومستوصفات طيبة، وجمعيات خيرية خففت من معاناة الشعب الذي كان يطحنه التوحش والفساد الذي كان يضرب بالبلاد، تلك الخدمات كان يؤديها الإخوان المسلمون من باب الخير الذي يحملونه ويتحملونه لمصر، انتشرت الجماعة دعويًّا وتربويًّا وخدميًّا، لامس أثرها المجتمع بأسره، تغيرت مفاهيم كثيرة حتى لمس ذلك أعداءهم في الداخل، قائلين بأن الإخوان المسلمين أثروا في الشعب المصري؛ حتى تحولوا من إلقاء التحية من مساء الخير أو صباح الخير إلى السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، رصدوا ذلك التغيير في الشارع المصري، وانتشر الحجاب بسرعة كبيرة حتى أفراح الناس والحفلات، وفرق الأناشيد التي كانت بديلًا عن حفلات الرقص في الزواج.

قدموا للشعب المصري كل البدائل بما يتوافق مع الشرع الإسلامي قدر ما يستطيعون، حدثت تغييرات في المجتمع كبيرة جدًّا، الفرد المسلم، ثم البيت المسلم، ثم المجتمع المسلم، ولا يعني ذلك المسمى تكفير المجتمع بقدر حرص الإخوان المسلمين على استكمال الفرد من صفات أساسية تتوفر في المسلم تُستكمل بوسطية الإسلام وشموله وكماله، زاد الانتماء إلى الإخوان المسلمين وكثر عددهم، وشكلوا داخل مصر قوة هائلة بإمكانات هادرة في شتى المجالات، وكانوا رقمًا صعبًا استشعر خطره حسني مبارك ففتح لهم السجون، ولفق لهم القضايا، وكانت دائرة مغلقة وأبوابًا دوارة لاستنفاد طاقة الإخوان المسلمين، ووقف تمددهم، يدخل مجموعة للسجون ثم تخرج مجموعة أخرى، وهكذا.

لم تخل شمس يوم من أيام حكم حسني مبارك الذي استمر ثلاثين عامًا إلا وفي السجون مجموعات من الإخوان المسلمين، لم يكن مسموحًا رغم كل ذلك للإخوان المسلمين بتشكيل حزب سياسي مستقل، دخلوا في تحالفات مع كل الأحزاب المعارضة على مدار الحياة السياسية المصرية. اكتسب الإخوان المسلمون خبرة سياسية كبيرة جدًّا متراكمة عبر الأجيال، برزت قيادات سياسية ميدانية حتى وصل قطار الشعب المصري إلى محطة الثورة بعد فساد فاق كل التصورات، واستهتار بلغ حد الغرور، لم يخسر الإخوان المسلمون في مشاركتهم السياسية بقدر ما اكتسبوا نقاطًا أخرى وضعت دعوتهم على الساحة الدولية والإقليمية.

طغى الجانب السياسي على الجانب الدعوي بشكل ملحوظ، وبرز خلاف داخلي بين مسؤولي التربية ومسؤولي الملفات السياسية، هل يُقدم السياسي على الدعوي؟ من المفارقات أنه كانت تؤجل اللقاءات التربوية إذا تعارضت مع مواعيد سياسية؛ حتى نشأ جيل جديد في وسط الإخوان المسلمين يعتقد أن الإخوان المسلمين حزب سياسي وليست جماعة دعوية.

جاءت الثورة المصرية وما نتج منها لتقوي الاعتقاد بأن الجماعة تتحول إلى حزب سياسي، حتى ظهر خلاف حقيقي لفصل الحزبي عن الدعوي، اشتد الخلاف يومًا بعد يوم بين من يريد الحفاظ على الجماعة كيانًا متكاملًا، وبين من يرغب في الانسلاخ بالحزب بعيدًا عن الجماعة حتى استقر الأمر ظاهريًّا على الشكل التقليدي للجماعة، مع تزايد الخلافات يومًا بعد يوم ليصبح الخلاف متعدد الأسباب، منها فصل الحزبي عن الدعوي، منها الخلاف على اللائحة، منها الخلاف على الرؤية ذاتها، لكن في المجمل العام تظل رؤية الإخوان المسلمين وطريقتهم في إدارة جماعتهم داخليًّا ملكًا لهم وحدهم دون غير المنتسبين إليهم، على اعتبار احترام خصوصيات التنظيم، ويظل هذا الحق ملكًا للأفراد في التنظيم، من حقهم المراقبة والمتابعة الدورية المستمرة، والدعوة للتغيير حسب الإطار العام المتفق عليه بينهم، وتظل المؤسسات المنتخبة هي صاحبة القرار في التغيير، ويظل حق الفرد داخليًّا في المطالبة بالأفضل، ودفع القيادة دفعًا نحو الانضباط تحت شعار (كن جريئًا مؤدبًا)، ومن هو في خارج الصف يظل له النصح في الشأن العام الذي يترتب على ممارسات الجماعة السياسية وما يترتب عليه من آثار دون الوصاية عليهم أو فرض رؤيته ووجهة نظره.

لم يخسر الإخوان المسلمون بسبب مشاركتهم السياسية بقدر ما  كان متوقعًا حدوثه من اقتحام باب الإصلاح الكبير، وهو التصادم مع مؤسسات الدولة الفاسدة من أجل إصلاحها، ولم يكن دخولهم من باب الحرص على الرئاسة أو الوزارة، دليل قيامهم بعرض كل المناصب على القوى السياسية بلا استثناء، ابتداء من عرض الترشح للرئاسة على بعض الشخصيات المتوافق عليها، وانتهاء بحقائب الوزارات والمحافظين، تلك هي دعوة الإخوان المسلمين في سطور متعجلة نبحث عن كل الوسائل الممكنة للنهوض بأمتنا، ولربما لنا عودة للحديث إن كانت هناك جوانب تستحق العرض.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد