يُعرّف العلماء «الصفات الخبريَّة» بأنها هي الصفات التي يوحي ظاهرها مشابهة الخالق بالمخلوق. وهذه الصفات تعد كمالًا في المخلوق من ناحية كونه مخلوقًا كامل الأركان والوجاهة، لكنها مستحيلة في حق الخالق «واجب الوجود»؛ لما يترتب عليه من تجسيم وحدوث وتغير، وهذه لا تصلح لأن تكون صفات لواجد هذا الوجود العظيم، وصفاته – سبحانه- ليست كصفات خلقه، فوجوده مغاير لوجودنا المحسوس.

قال تعالى عن نفسه في كتابه العزيز: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ»، الكاف في قوله:(كَـ مِثْلِهِ) للتشبيه ، و(مثل) للتشبيه والمماثلة أيضًا. ففي الآية أداتي تشبيه. والمعنى: ليس كمثله شيء ولو من وجه بعيد. فما أعظم تنزيه القرآن للذات العلية.

وقال تعالى: «رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا»، ومعنى سميّ: أي مثيلًا أو شبيهًا. وقال: «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ». أي ليس له كفء ولا مثل، فكل ما تصورت ببالك فالله بخلافه.

أما ما جاء في القرآن من نصوص يوحي ظاهرها التجسيم والتشبيه لله، سبحانه وتعالى، بخلقه مثل:

1 ـ الوجه: «فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ».

2 ـ العين: «وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا»

3 ـ اليد: «يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ»

4ـ اليمين: «وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ»

5- القبضة: «وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَة»

6- الساق: «يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ»

7 ـ الجنب: «أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ»

8 ـ النفس: «تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ»

9 ـ الروح: «وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي»

10 ـ المجيء: «وجاء ربك»

11 ـ العرش: «الرَّحْمَنُ عَلَى العَرْشِ اسْتَوَى»

12 ـ الكرسي: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ»

13 ـ اللقاء: «إنّهم ملاقوا ربّهم»

14 ـ القرب: «فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ»

15 ـ الرضا والغضب: «رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ»، «غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِم»

16 ـ السخرية والاستهزاء والمكر والخداع: «سخر الله منهم»، «الله يستهزىء بهم»، «وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ»، «يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ»

17 ـ النسيان: «نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ»

18 ـ النور: «اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»

هذه النصوص من المجازات التي يراد خلافها بدليل قوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ» و«وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ»؛ فالله، عز وجل، نفى عن نفسه المشابهة بخلقه، والنصوص قد توهم المشابهة، لذلك كانت على سبيل المجاز، وليست على سبيل الحقيقة.

والله، عز وجل، هو من نفى عن نفسه ظواهر هذه النصوص المتعلقة بالجسمية والمشابهة؛ إذ أنه -سبحانه- ليس بجسم ولا يشبه أحدًا، ففي الحديث: «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني. قال: يا رب، كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده؟ أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟

يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني. فقال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه؟ أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟

يا بن آدم، استسقيتك فلم تسقني. قال: يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين؟ قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه؟ أما إنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي).

فـالله، عزوجل، ينفي عن نفسه ما أثبته ويبين أنه يريد خلافه، وهذا ليس غريبًا في اللغة العربية (لغة القرآن)، فـمثلًا «اليد» في العربية تطلق على الجارحة التي هي عضو في جسم، وتطلق على النعمة ومن هذا قول المتنبي:

لَهُ أيَادٍ إليّ سَابِقَةٌ أعُدّ مِنْهَا وَلا أُعَدّدُهَا

وتطلق على القوة أو القدرة.

والله في قوله: «يد الله فوق أيديهم» نفى عن نفسه الجارحة بقوله : «لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ». وقوله: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)»، فالله، عز وجل، نفى عن نفسه ذلك. وما بقي إلا القوة أو القدرة، فاليد مجاز عن القوة. وقس على ذلك باقي هذه النصوص.

ومما يؤكد أن هذه النصوص مجازية، أنها لم ترد مسوقة في السياق لذاتها، وإنما سيقت للدلالة على شيء آخر، ففي قوله تعالى: «تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ». إخبار من الله تعالى على أن له الملكية التامة، والقوة الكاملة.

وفي قوله تعالى مخبرًا عن إخوة يوسف قولهم: «وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ». مجاز، أي: اسأل أهل القرية وأصحاب العير .

وفي قوله تعالى: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ». هذا القرب قرب مكانة لا مكان، وقيل القرب قرب بالإجابة، وقيل بالعلم، وقيل: قريب من أوليائي بالإفضال والإنعام، إن العقل السويّ يدرك ببداهة بُعد الفهم المائل إلى التفسيرات المادية لوجود ليس بمادة، ولا تنطبق عليه قواعد وقوانين التجربة.

إن المسلم مخير بين أن يُسلم بتلك بالصفات الخبرية، ويمررها كما جاءت، دون أن يعتقد حقيقة مدلولاتها اللغوية، التي يتنزه البارئ تعالى عنها، كما هو مذهب السلف الصالح، وهذا ما يسمى بالتفويض. وهذا استجابة لحديث رسول الله: «تَفَكَّرُوا فِي خَلْقِ اللَّهِ، وَلَا تَفَكَّرُوا فِي اللَّهِ فَتَهْلِكُوا». فالعقل قاصر عن أن يدرك غير المحسوس إدراكًا ذاتيًّا. لذلك كان النهي عن الخوض في الذات والدعوة للتأمل في خلق الله.

أو يؤولها تأويلًا تفصيليًّا يصرفها عن ظواهرها المستحيلة، على نحو تقبله اللغة، ويشهد له الشرع، وهذا مذهب الخلف. محاولين الفهم الصحيح، كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقِّهه في الدين». فلا يقف عند ظواهر النصوص، وإنما يفقه ويفهم النص ليصل إلى المطلوب.

ولو قال قائل: إن هذه صفات المعدوم، ولا يمكن تصور موجود ليس بجسم، قلنا: هذا قياس للغائب على الشاهد، وهو فاسد، لأن الله ليس من نوعية البشر حتى نطبق عليه معاييرهم. وكيف يقاس من تجرد عن المادة بما هو مادي؟!

ثم أن الله نفى عن نفسه الجسمية فقال: «ليس كمثله شيء»، فكل شيء سوى الله تعالى فالله مخالف له، وعلمنا بالمشاهدة أن كل شيء سوى الله هو جسم، أو عرض قائم بجسم، فالله ليس كذلك، فالجسم هو بالحد: المركب من جوهرين فأكثر، وبالرسم: هو ما له طول، وعرض، وعمق، ويأخذ حيزًا من الفراغ لا يشاركه فيه غيره إن كان كثيفًا، ويشاركه فيه غيره إن كان غير كثيف.

وهل يتصور كون موجود بدون جسم؟ تصور موجود ليس بجسم أمر بسيط يحصل بالتفريق بين الوجود وبين الجسمية. فبينهما خصوص وعموم، فكل جسم موجود وليس كل موجود جسمًا، لأن الوجود يعم الأجسام والأعراض، وغير الأجسام والأعراض.

فعقلك يتصور وجود الحمرة أو الزرقة وغيرها من الألوان، والحمرة كمفهوم ليست جسمًا بل عرضًا يقوم بجسم.

هذه قضية من القضايا التي شغلت كثير من علماء الأمة شغلًا جعلهم يُهملون وظيفتهم القائمة على التوعية والإصلاح في واقع الناس؛ حتى أصبحت بلاد المسلمين خرابًا لا تجد من يحنو عليها بنور الإصلاح والتعمير.

لقد أخذت هذه القضايا مجالًا عظيمًا مشوبًا بالنزاع والإقصاء، بينما هي أمور متفق على مقاصدها من كل فريق.

فالتنزيه غاية ومقصد كل فريق، لكن متعصبي كل فريق جعلوا الأمر صعبًا عسيرًا، وحولوا الغاية التي تدعو للحب والأُلفة بين المسلمين إلى نزاع طويل وجدال فقير، يسير خلف الانتصار للآراء الشخصية.

فهل تحتاج الأمة إلى مثل هذا التفكير، لا سيما في عصرنا الحاضر؟

إن إهمال الأعمال النافعة للناس حلَّ ببلادنا، حتى أصبح العمل الصالح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمرًا غريبًا يتعجب منه أبناء الوطن الواحد.

إن العلم الذي يأخذ صورة النزاع مبتعدًا عن المقاصد العليا التي رسخها الإسلام، لهو عبث وضياع، والأمة ليست بحاجة لعلم كهذا يُفتتها ويُفقرها. إنما العلم النافع للناس ما كان سببًا في أُلفتهم واتحادهم، قَالَ رَسُولُ اللَّه، صلى الله عليه وسلم: «أَنا زَعِيمٌ ببَيتٍ في ربَضِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا، وَببيتٍ في وَسَطِ الجنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الكَذِبَ وإِن كَانَ مازِحًا، وَببيتٍ في أعلَى الجَنَّةِ لِمَن حَسُنَ خُلُقُهُ».

وقَالَ: «إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُم إِليَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجلسًا يَومَ القِيَامَةِ: أَحَاسِنَكُم أَخلاقًا، وإِنَّ أَبْغَضَكُم إِليَّ وَأَبْعَدَكُم مِنِّي يومَ الْقِيامةِ: الثَّرْثَارُونَ، والمُتَشَدِّقُونَ، وَالمُتَفَيْهِقُونَ».

فمتى سينهض الفكر من عثرته ويأخذ بيد الأمة نحو الرُقيّ والازدهار؟

متى سنبصرُ لهو الحياة الذي هيمن على أفراد المجتمعات المسلمة عمومًا، وأهل العلم خصوصًا؟!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

الصفات

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد