هنالك بعض الأباطيل التي تثير المرء ليكتب عنها، خاصةً أن من ينسجونها يصدرون عن عداء خالص للدين الإسلامي ولكتاب الله -عز وجل- الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه مهما نسجوا. وهنا سأتناول فرية استخدام علم النقد الكتابي في دراسة القرآن الكريم، وسأبيّن أن ذلك من أساسه منقوض ولا يستقيم!

ما هو علم النقد الكتابي؟

النقد الكتابي Biblical Criticism هو علم يتم به دراسة كل كتاب أدبي فُقد أصله، وهو يهتم بالكاتب والنص معًا. وهو حسب موقع كنيسة الأنبا تكلا هيمانوت القبطي الأرثوذكسي يعني تقييم النص الكتابي، والحكم عما إذا كان هذا النص قانونيًّا، أي أنه صحيح مُوحي به من الله، أو نصًّا زائفًا «أبو كريفا».

وجاء في دائرة المعارف المسيحية أن النقد الكتابي «هو العلم الذي به نصل إلى المعرفة الكافية لأجل النص الأصلي للكتاب المقدَّس وتاريخه وحالته الحالية»، وبصورة عامة هو علم يشمل كل نص أدبي، ديني، تاريخي… إلخ، توجد فيه معضلة ضياع أصله. ويقسم هذا العلم إلى شقين:

القسم الأول: النقد الأعلى Higher Criticism
يبحث في الأحوال المختصة بالكاتب، من الذي كتب؟ متى كتب؟ لماذا كتب؟ ما المقصود من كتابته؟ أين كتب؟… إلخ.

القسم الثاني: النقد الأدنى أو النصي Lower or Textual Criticism هو دراسة ما يخص النص، بمعنى دراسة مخطوطات أي عمل أدبي ضاع أصله، بهدف إعادة تكوين النص الأصلي للكتاب أو أقرب صورة له.

فقدان النص الأصلي للكتاب المقدس

النصوص الأصلية للكتاب المقدس مفقودة تمامًا، ونقصد بذلك أن الإنجيل الذي كتبه مرقص «كمثال» لم يُعثر عليه مكتوبًا بخط يده، وإنما عُثر على نسخة نسخها ناسخ عن نسخة نسخها ناسخ عن نسخة … إلخ، إلى الأصل المفقود، وهذه النسخ تسمى المخطوطات.

إذا علمت النقطة السابقة، فاعلم أن هذا هو الأصل، ونعني بذلك غياب مخطوط أصلي عُثر عليه، بل توجد نسخ كتبها نساخ مجاهيل، وهذه النسخ نفسها تختلف بعضها عن بعض. وهذا ينطبق على مجمل الكتاب المقدس، فليس بين أيدينا ما كتبه يوحنا ولا مرقص ولا متى ولا لوقا ولا بولس… إلخ.

نأتي إلى النساخ بتفصيل مهم، فقد كان يقع منهم التحريف عند النقل سهوًا أو عمدًا، وهذا ما تؤكده دائرة المعارف الكتابية: «تؤكد دائرة المعارف الكتابية أنه كلما زادت عدد النسخ زادت الأخطاء، وزادت الاختلافات بين المخطوطات». وسأقتصر هنا على ما نقلته عن دائرة المعارف الكتابية؛ لأن علماء اللاهوت بإجماعهم معترفون بوقوع الأخطاء عند النسخ مما أدى إلى اختلاف المخطوطات.

المخطوطات هي النسخ أو أجزاء النسخ القديمة التي تعود للكتاب المقدس، وتكتب على ورق البردي والرقوق الجلدية، بلغات مختلفة مثل العبرية والآرامية في العهد القديم واليونانية في العهد الجديد وترجماتها، ويبلغ عددها قرابة 30 ألف مخطوطة، ويحدد بعد العثور عليها عمرها بالكربون المشع، ودراسة الخط، وما إليه من وسائل دراسة المخطوطات. وأشهرها النسخة الفاتيكانية التي كتبت بأمر قسطنطين عام 328م وعُثر عليها في مصر ونقلت إلى الفاتيكان تحوي كل الكتاب المقدس تقريبًا، ومنها النسخة السينائية التي تحوي العهد الجديد «الأناجيل والرسائل» ما عدا أجزاء من مرقص ويوحنا، وغيرها الكثير من المخطوطات.

تجدر الإشارة هنا إلى أن هناك فجوةً زمنيةً بين الكاتب والمخطوطة، بمعنى أن أقدم مخطوطة عُثر عليها تعود إلى القرن الرابع، فالفجوة بين متى مثلًا وبين مخطوطة إنجيلية تمتد إلى قرون توالى فيها النسخ.

ما أهمية المخطوطات؟

كما سبق فالأصل مفقود، إذن فالكتاب المقدس الموجود بين أيدينا استخرج من هذه المخطوطات، وبالرجوع إلى هذه المخطوطات المختلفة لمقارنة نص ما، يتضح بالبحث أن هذا النص غير موجود في مخطوطة ما، ويكون محرفًا في أخرى إن وُجد، وغير موجود بالمطلق في أحيان أخرى، بل ذهب الدكتور روبرت كيل تسلر في كتابه «حقيقة الكتاب المقدس» إلى القول: «بين كل المخطوطات اليدوية للإنجيل لا توجد مخطوطة واحدة تتفق مع الأخرى»، وقد ذهب علماء اللاهوت أمام كثرة هذ الاختلافات «تقريبًا 150 ألف اختلاف في العهد الجديد وحده» إلى تبني الرأي القائل إن الكتاب المقدس قد وصلت منه أجزاء قليلة فقط غير محرفة. باختصار، لا توجد صفحة واحدة من الكتاب المقدس سلمت من وجود هذه التحريفات.

وبدون غرق في تفاصيل نقد الكتاب المقدس فقط أوضح معلومة قد لا يعلمها كثير من الناس، وهي أن الأناجيل الأربعة «متى، مرقص، لوقا ويوحنا» عند تناولها بالنقد النصي «الأدنى» فمضامينها متناقضة في جزئيات رئيسة خاصة بنسب المسيح -عليه السلام- وفي قضايا من صلب العقيدة مثل الصلب والفداء والتوحيد والتثليث. وعند تناول هذه الأناجيل بالنقد الأعلى فلا تثبت نسبتها لمن تُنسب إليهم علميًّا، بل ينسبها النصارى إليهم بالجدل والمغالطات فقط!

إذن فهنالك متطلبات قوية للديانة النصرانية أدت إلى استعانتها بالنقد الكتابي للوصول إلى أقرب نص للنص الأصلي، فالنصارى يقرون بأن الوصول إلى النص الأصلي مستحيل. ولكن هل تتوفر مثل هذه المتطلبات بالنسبة للقرآن الكريم؟

القرآن الكريم مهيمن على العلوم ومستطيل عليها

علينا أولًا أن نقر بأن القرآن الكريم هو الكتاب الوحيد الذي يتحدى كما قال المبشر النصراني الذي أسلم، وعالم اللاهوت الدكتور جاري ميلر في كتابه القرآن المعجز. ويسمي ميلر ذلك التحدي باختبار عدم الزيف، وقد أورد الآية الكريمة من سورة النساء «أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا» وأضاف بقوله: هذه الطريقة في التحدي في حد ذاتها ليست من طبيعة البشر!

وقد ارتكز حوار الدكتور خليل إبراهيم مع صديقه النصراني في كتابه الماتع «لماذا أسلم صديقي ورأى الفاتيكان في تحديات القرآن» على تحديات القرآن الأربعة المتدرجة في صعوبتها للمعاندين، وهي كالتالي:

  • التحدي الأول: تحدى الله عز وجل الإنس والجن معًا على أن يأتوا بمثل القرآن، في سورة الإسراء «قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا». (88)
  • التحدي الثاني: تحدى الله عز وجل العرب بأن يأتوا بـ10 سور من القرآن، في سورة هود «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ». (13)
  • التحدي الثالث: تحدى الله عز وجل العرب أن يأتوا بسورة واحدة فقط، في سورة يونس «أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ». (38)
  • التحدي الرابع: وأخيرًا بعد عجز العرب عن الإتيان بمثل القرآن وبـ10 سور وبسورة واحدة، كان التحدي القاصم بأن يأتوا بسورة واحدة «من مثله»؛ أي شبيهة لسور القرآن وليست مثلها تمامًا، وفي هذه أيضًا عجزوا وهم أهل اللغة
    والبيان. في سورة البقرة «وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ». (23)

كان لا بد من ذكر ما سبق لتوضيح أن القرآن الكريم هو معجزة وليس كتابًا عاديًا، وأن على من يبحث فيه محاولًا إثبات أنه كتاب بشري الخضوع لشروط ذلك. ومع ذلك لنتنازل ونناقش من يدعي أن علم النقد الكتابي مهيمن على كل الكتب بما فيها القرآن الكريم، لنناقش ذلك مع إثباتي أنه من قبيل التنازل، فإلزامات القرآن الكريم قاهرة، وإلّا ما لجأ المعاندون إلى علم النقد الكتابي، وسنرى هل هو أصلًا يصلح لدراسة القرآن الكريم.

هل يمكن دراسة القرآن الكريم بعلم النقد الكتابي؟

ذكرت سابقًا أن النقد الكتابي يُستخدم في حالة الكتب ذات الأصول المفقودة، والتي لم يبق منها سوى مخطوطات مختلفة ومتناثرة هنا وهناك! وهذا غير منطبق على القرآن الكريم؛ فهو محفوظ في صدور الرجال، ولم يُدون إلّا بعد أن استشهد عدد كبير من الحفظة الكرام من الصحابة في حروب الردة.

إذن فالأساس الذي يبني عليه الطاعنون منهجهم هو غير دقيق، ولكن لنغض الطرف عن ذلك، ونتنازل أكثر ونسألهم سؤالًا مباشرًا، كم نسخة توجد للقرآن الكريم؟ وأظن أن أكثرهم جدالًا لن يجيب بغير أنها نسخة واحدة فقط! أما من يدعون أن قراءات القرآن هي نسخ متعددة فهؤلاء عليهم تعلم لغات العرب!

يذهب المشكك شاكر فضل الله النعماني في كتابه «النقد الكتابي للقرآن» إلى أن القرآن الكريم مُقتبَس من أشعار العرب ومن الكتب المختلفة المُقدسة عند الأُمم! وهذا كلام غريب من النعماني؛ لأن القرآن الكريم واضح في هذه النقطة، فهو في التحدي الثاني والثالث مذكور فيهما «أم يقولون افتراه»، أما في التحدي الرابع فمذكور فيه «وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا». ولكن أمثال النعماني يتجاهلون هذه التحديات، وفي هذا الكفاية أن نقدهم الكتابي هو سبيل العاجز!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد