بداية لماذا يحرص القرآن على مخالفته للشعر في بيئة غالب صناعتها مرتبطة بالشعر؟

«وما هو بقول شاعر» الحاقة: 41.

ما الفرق بين القرآن والشعر؟

إن الوظيفة التي جاء من أجلها القرآن مخالفة تمامًا لوظيفة الشعر؛ فالقرآن جاء محفزًا للفكر على التأمل والتدبر، وقد أورد الأديب والمفكر المصري عباس محود العقاد في كتابه الشيق «التفكير فريضة إسلامية» حوالي 300 آية عن فعل التفكير وما يرتبط به.

«قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون» الأنعام: 50.

بينما الشعر غايته بعيدة تمامًا عن التعقل والتفكر، حتى إن مادة التفكير غير حاضرة بتاتًا في الشعر العربي القديم، ولذلك أطلق القرآن على تلك الفترة اسم الجاهلية، ليس لغياب فعل وممارسة القراءة والكتابة، وإنما لكون جل عطائها كان مجرد ديباجة مشرقة ليس فيها أي عنصر خلاق كما يعبر مالك بن نبي.

وحتى حينما ينظر الشاعر إلى الكون ويحدثنا عنه، فإن نظرته تلك ليست ليسبر أغوار الكون مثلما هو عمل الفيلسوف، وإنما ليبدي لا معقوليته فحسب:

وبت أرى الكواكب دانيات  ***   تنال أنامل الرجل القصير

أدفعهن بالكفين عني  ***   وأقبل غرة القمر المنير

الشاعر مختلف تمامًا عن الفيلسوف؛ الفيلسوف دافعه الدهشة تجاه الكون، ولذلك فهو يريد اكتشاف أسراره، بينما الشاعر دافعه الانبهار، وهو ما يسبب توقف التفكير.

القرآن والفلسفة يدفعان العقل إلى التفكير، بينما الشعر يوقف التفكير.

ولذلك فالقرآن دعوة إلى التفلسف وليس إلى الترنم، ليس إلى الإعجاب والانبهار بما عليه الجماعة من اللامعقولية، وإنما إلى مخالفة المعهود والخروج على النمط والانعتاق من القوالب الصماء.

أكثر شيء حاربه القرآن هو الجمود والتقليد والآبائية ولا سيما الجهل المقدس. لأن الجهل الذي يستند على العقيدة، ويرتكز على الإيمان يجعل الناس مجرد قطعان بدون عقل: «لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون» الأعراف: 179.

في علم النفس الاجتماعي الجماهير لا تفكر، إنها مجرد قطعان، كما يقول الدكتور الطيب بوعزة؛ فالجماعات ليس من طبيعتها التفكير، ولذلك فعلى الفرد أن ينعزل عن الجماعة إن هو أراد التفكير؛ «قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا» سبأ: 46.

أكثر ما يجن الفيلسوف هو استمساك الناس بالخرافة المصبوغة بصبغة القداسة. أكثر شيء شدد القرآن النكير عليه هو تعطيل ملكة العقل والاكتفاء بمجرد التقليد «وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير» الملك: 10.

النقد للمألوف هو ما جاء به الرسول، وهي مهمة خطرة، قالوا: يسفه أحلامنا ويدعونا إلى ترك ما وجدنا عليه آباءنا، ولذلك كان المطلب «ائت بقرآن غير هذا أو بدله» يونس: 15.

كل من تجرأ على نقد المألوف دفع الثمن؛ مضى سقراط شهيدًا، واجتمعت قريش على قتل النبي لولا لطف الله وعصمته لنبيه.

الأنبياء والفلاسفة والعلماء دينهم واحد؛ دائمًا يخرجون عن المألوف، وتلك صفة من صفاتهم وميزة من مميزاتهم. وعليه فإن من يفكر مثلما يفكر العامة ليس عالمًا؛ من لا يصدم الناس لا ثقة بعلمه، إنه يفكر مثلما يفكر آباؤه وأجداده، ولذلك فلا حاجة لعلمه؛ ماذا سيقول جديدًا إذا كان سيكتفي بمجرد النقل؟

أهل مكة أيضًا كانوا يتبعون آباءهم، فلماذا جاء القرآن؟ ألكي يقول لهم إنكم على صواب وأنتم بررة بأسلافكم؟ أم لينكر عليهم ما هم فيه من مخالفة سنن الله في الخلق؟

هل معقول أن يفكر الأموات للأحياء؛ أهل المقابر لأهل القصور؟ عصر الخيل والحمير والبغال لعصر الطائرة والمركبة الفضائية وما لا تعلمون؟

ينبغي أن نسمح للناس بالخروج عن المألوف والمعهود، وألا نعارض سنن الله في التطوير والتجديد والاختلاف والنقد وألا نعتبر عملهم هذا كفرًا أو زندقة أو فسقًا أو بدعة لأننا بذلك نتبع سبيل أبي جهل في اتهام النبي بالشعر والسحر والجنون.

ينبغي أن نعلم علمًا يقينيًا أن ممارسة الحس النقدي هي سمة الحكماء قديمًا وحديثًا؛ ولذلك فإن التنميط ضد الدين، وإن الاختلاف في الأفكار والألوان واللغات والآراء هو مطلب الدين.

«ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين» الروم: 22.

ينبغي أن نفتح باب الحوار على مصراعيه، وأن نسمح للجميع بإبداء آرائهم مهما كانت بعيدة عن الصواب حسب معتقدنا، لأن الغثاء يذهب جفاءً، وما ينفع الناس هو ما يمكث في الأرض.

هكذا كانت الفلسفة في بدايتها كانت عبارة عن محاورات لا تتوقف، ونقاشات تغشى نوادي الناس جميعها. والقرآن كذلك مليء بالحوارات والمجادلات، والأقوال والردود عليها، والأنبياء مثلهم مثل الفلاسفة يمشون في الأسواق؛ يناقشون الناس في أفكارهم ومعتقداتهم وفي سلوكهم وأفعالهم.

فأهم خاصية فلسفية وإنسانية هي الجدل «وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا» الكهف: 54.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد