ذهب البعض إلى أن إعجاز القرآن في جانبيه البياني واللغوي فقط، والحق إن إعجاز القرآن عام يشمل جميع الأوجه، حيث يقول تعالى: {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (23)فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}.

فتحداهم بسورة من مثله؛ أي من جنس هذا القرآن، ولم يحدد، وهذا لأن القرآن لا تنتهي عجائبه.

ولعل هذا ما جعل الشيخ «محمد عبد الله دراز» يتعجب ويقول: «لعمري لئن كان للقرآن في بلاغة تعبيره معجزات، وفي أساليب تربيته معجزات، وفي نبوءاته الصادقة معجزات، وفي تشريعاته الخالدة معجزات، وفي كل ما استخدمه من حقائق العلوم النفسية والكونيةمعجزات ومعجزات، لعمري إنه في ترتيب آية على هذا الوجه لهو معجزة المعجزات».

قال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا}: «قوله فإن لم تفعلوا، يعني فيما مضى، ولن تفعلوا، أي لن تطيقوا ذلك فيما يأتي، وفيه إثارة لهممهم، وتحريك لنفوسهم، ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهذا من الغيوب التي أخبر بها القرآن قبل وقوعها».

والحق إن القرآن معجز بجميع الأوجه، «فهو معجزة عقلية عامة لكل العهود والعصور، وستظل قائمة في تحديها وقهرها مواهب البشر إلى يوم القيامة».

ووجه واحد من هذه الأوجه الإعجازية للقرآن يـــكفي في إثبات مصدريته، وأنه من عند الله -عز وجل-، لـــكن حبًا في أن يطّلع الناس على بعض أسرار القرآن، ويعرفوا قدره ومنزلته؛ لـــيكونوا على بينة منه، ولـــيزداد الذين آمنوا به إيمانًا.

أولًا: لغة القرآن وأُسلوبه المؤثّر

للقرآن أثر في النفوس عجيب، وقدرته على جذب القلوب أعجب، يقول الشيخ «محمد متولي الشعراوي»في تفسيره: «إنه أي القرآن يخاطب ملكات خفية في النفس، لا نعرفها نحن، ولكن يعرفها الله خالق الإنسان، وهو أعلم به، هذه الملكات تنفعل حين تسمع القرآن الكريم، فتلين القلوب، ويدخل الإيمان إليها، ولقد تنبّه الكفار إلى تأثير القرآن الكريم في النفس البشرية تأثيرًا لا يستطيع أن يفسره أحد، ولكنه يجذب النفس إلى طريق الإيمان، ويدخل الرحمة في القلوب.

لذلك كان أئمة الكفر يخافون أكثر ما يخافون من سماع الكفار للقرآن الكريم، ويحاولون منع ذلك بأي وسيلة، ويعتدون على من يتلو القرآن الكريم، ولو أن هذا القرآن الكريم لم يكن كلام الله الذي وضع فيه من الأسرار ما يخاطب ملكات خفية في النفس البشرية، ما اهتم أئمة الكفر بأن يستمع أحد للقرآن الكريم، أو لا يستمع، ولكن شعورهم بما يفعله كلام الله، جعلهم لا يمنعون سماع القرآن الكريم فقط، بل قالوا كما يروي لنا القرآن الكريم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ}.

وهكذا نعرف أنه حتى أهل الكفر كانوا لا يمنعون سماع القرآن الكريم فقط، بل يطلبون من أنصارهم أن يلغوا فيه، ومعناها يشوشرون عليه، ولا يمكن أن يكون هذا هو مسلكهم، وتلك هي طريقتهم إلا خوفـًا مما يفعله القرآن الكريم في كسب النفس البشرية إلى الإيمان، حيث إن مجرد تلاوته تجذب النفس الكافرة إلى منهج الله«.

قال «عمر بن الخطاب» عند سماعه القرآن قبل أن يسلم: «ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!»، ويقول: «فلما سمعت القرآن رقَّ لي قلبي، فبكيت ودخلني الإسلام».

وعندما جاء «عتبة بن ربيعة» إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقرأ عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أوائل سورة فصلت، فرجع إلى قريش قائلًا: «إني واللهِ قد سمعت قولًا ما سمعتُ بمثلِه قط، والله ما هو بالشعر ولا السحر ولا الكهانة، يا معشر قريش: أطيعوني واجعلوها بي، خلّوا بين هذا الرجل وبينَ ما هو فيه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعتُ نبأ».

يقول الأستاذ «سيد قطب» في تفسيره: «للقرآن بصائر تهدي، ورحمة تفيض، لا تبلغ خارقة مادية من الإعجاز ما يبلغه من أي جانب من الجوانب، شاء الناس المعجزة في أي زمان، وفي أي مكان؛ لا يُستثنى من ذلك من كان من الناس، ومن يكون إلى آخر الزمان، فهذا جانبه التعبيري، ولعله كان بالقياس إلى العرب، أظهر جوانبه بالنسبة لما كانوا يحفلون به من الأداء البياني، ويتفاخرون به، ها هو ذا كان، وما يزال إلى اليوم معجزًا، لا يتطاول إليه أحد من البشر، تحداهم الله به، وما يزال هذا التحدي قائمًا، والذين يزاولون فن التعبير من البشر، هم أعرف الناس بأن هذا الأداء القرآني معجز؛ سواء كانوا يؤمنون بهذا الدين عقيدة، أو لا يؤمنون، فالتحدي في هذا الجانب قائم على أسس موضوعية، يستوي أمامها المؤمنون والجاحدون، وكما كان كبراء قريش يجدون من هذا القرآن في جاهليتهم ما لا قبل لهم بدفعه عن أنفسهم، وهم جاحدون كارهون؛ كذلك يجد اليوم وغدًا كل جاهلي جاحد كاره ما وجد الجاهليون الأولون، ويبقى وراء ذلك السر المعجز في هذا الكتاب الفريد، ذلك السلطان الذي له على الفطرةمتى خُلِّي بينه وبينها لحظة، وحتى الذين رانت على قلوبهم الحُجُب، تنتفض قلوبهم تحت وطأة هذا السلطان، وهم يستمعون إلى هذا القرآن، إنه قاهر غَلاَّب بذلك السلطان الغَلاَّب«.

وقد أجاب القرآن الكريم على المضطربين والشاكين بأسلوب مؤثر مقنع، فلم يترك القرآن الإنسان مضطربًا في الأسئلة التي قد تخطر بباله، وإنما عرضها، ورد عليها ردًا عقليًا شافيًا، يطمئن به القلب الباحث عن الحق، ومن هذه الأسئلة: {وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا}.

عرض القرآن هذا السؤال ورد عليه:

{أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا}.{وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ}.

ورد القرآن فقال:

{قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ نَاراً فَإِذَآ أَنتُم مِّنْه تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الذِي خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاّقُ الْعَلِيمُ}.

{فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا}.

ويرد القرآن:

{قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ۚ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ قُلْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ}.

وكأن القرآن يخاطبنا ويقول: إذا عرفت أيها الإنسان حقيقة بدايتك أيقنت مــآل نهايتك.

ويرى الدكتور «مصطفى محمود» رأيًا وجيهًا عندما علّق على هذه الآية الكريمة: {فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ}، حيث يقولأما الضرب والهجر في المضاجع فهو معاملة المرأة الناشز فقط، أما المرأة السوية فلها عند الرجل المودة والرحمة، والضرب (وهو غير المبرح)، والهجر في المضاجع من معجزات القرآن في فهم النشوز، وهو يتفق مع أحدث ما وصل إليه علم النفس العصري في فهم المسلك المرضي للمرأة.

وكما تعلم يقسم علم النفس هذا المسلك المرضي إلى نوعين:

النوع الأول:» المسلك الخضوعي» وهو ما يسمى في الاصطلاح العلمي «ماسوشزم «masochism» وهو تلك الحالة المرضية التي تتلذذ فيها المرأة بأن تضرب وتعذب وتكون الطرف الخاضع.

والنوع الثاني هو:»المسلك التحكمي» وهو ما يسمى في الاصطلاح العلمي «سادزمsadism»وهو تلك الحالة المرضية التي تتلذذ فيها المرأة بأن تتحكم وتسيطر وتتجبر وتتسلط وتوقع الأذى بالغير.

ومثل هذه المرأة لا حل لها سوى انتزاع شوكتها، وكسر سلاحها التي تتحكم به، وسلاح المرأة أنوثتها؛ وذلك بهجرها في المضجع، فلا يعود لها سلاح تتحكم به،أما المرأة الأخرى التي لا تجد لذتها إلا في الخضوع والضرب، فإن الضرب لها علاج، ومن هنا كانت كلمة القرآن: {وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ} إعجازًا علميًا، وتلخيصًا في كلمتين لكل ما أتى به علم النفس في مجلدات عن المرأة الناشز وعلاجها.

ثانيًا: الإخبار بالغيوب

ومن أمثلته:

– الإخبار بغلبة الروم، قال تعالى: {الم (1) غُلِبَتِ الرُّومُ (2) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ}، وقد وقع ذلك بالفعل، وقد يقول قائل: إن هذا الإخبار من قبيل الحدث والظن.

ويرد على هذا اللغوي الكبير الدكتور «فاضل السامرائي» فيقول: «إن سياق الآيات يرد على هذا القول،فهي تدل على القطع والتوكيد، وأن النصر سيتم في خلال مدة معينة لا تتعداها،ثم هب أنهم لم ينتصروا أفلا تنتكس دعوة محمد ويكذب؟ وقد جاء في الإخبار أن قريشًا لما سمعت بهذه الآية؛ ضجوا، وطلبوا الرهان على هذا، فراهنهم أبو بكر على مائة قلوص، وقد علم الرسول بهذا الرهن وأقره.

وقد يقول قائل: «ومن أين نعلم أن هذا الحدث قد تم وحصل؟ فنقول: إن حكم هذا النص من الناحية التاريخية ثابت قطعًا،فإن القرآن أوثق خبرًا تاريخيًّا عن المجتمع آنذاك، فليس من الممكن أن يذكر شيئًا لا وجود له،وإن مجرد ذكره يدل على أنه قد حصل وتم، وإلا أصبح مسخرة وعبثًا.

إضافة إلى أن هذا الخبر متواتر في كتب التاريخ القديمة عند أهل الملل الأخرى،فقد سجلته كتب النصرانية وغيرها فهذا مما لا شك فيه.

وأذكر أنه كان لي زميل مادي، فقلت له ذات يوم: ألا تفسر لي هذه الظاهرة؟ وذكرتها له. فاعترض عليَّ قائلًا: ومن أين لنا أن هذا حصل؟ فقلت له: يهمنا الآن من القرآن الدلالة التاريخية،أفلا يعد القرآن كتابًا تاريخيًّا عن ذلك العهد؟ فقال: بلى. قلت: إذن فإن هذا قد حصل، ثم قلت له: ألا يدل ذلك على نبوة محمد؟ فأجاب وهو في حالة ذهول: صحيح! ثم غرق في تفكير عميق.

فاتضح بهذا أن محمدًا نبي يوحى إليه، وأن الذي أخبره هو علام الغيوب، وما أصدق قول حسان:

نبيٌّ يرى ما لا يرى الناسُ حولهُ **   ويتلو كتابَ اللهِ في كلّ مسجد

وَإنْ قَالَ في يَوْمٍ مَقَالَة غَائِبٍ    **   فتصديقُها في اليَوْمِ أوْ في ضُحى الغدِ

الإخبار بـموت أبي لهب كافرًا، يقول تعالى: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (4) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (5)}.

لقد أسلم كثير من المشركين الذين حاربوا الإسلام بكلّ قواهم، مثل «خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص… وغيرهم». وظل أبو لهب على عناده وكفره، فكيف أمكن التنبّؤ بأنّه بالذات لن يُسلم، ولو نفاقًا وحَقْنًا لدمه، وأنّه سيموت على كُفره؟

ولماذا لم يعلن أبو لهب إسلامه ولو كذبًا؟ ففي ذلك تكذيب للنبي والقرآن، وتنفير للناس منه.

– قال تعالى: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}. يقول الشيخ الشعراوي: «الله تبارك وتعالى يريد أن يحدد المسألة قبل أن تتم هذه التشكيكات، فيقول جل جلاله: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ التي كَانُواْ عَلَيْهَا}، حرف السين هنا يؤكد إنهم لم يقولوا بعد، ولذلك قال سبحانه: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ} فقبل أن يتم تحويل القبلة، قال الحق تعالى: إن هذه العملية ستحدث هزة عنيفة يستغلها المشككون، وبرغم أن الله -سبحانه وتعالى- قال: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ}، أي أنهم لم يقولوها إلا بعد أن نزلت هذه الآية، مما يدل على أنهم سفهاء حقًا؛ لأن الله -جل جلاله- أخبر رسوله -صلى الله عليه وسلم- في قرآن يتلى، ويصلى به، ولا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة، قال: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ}، فلو أنهم امتنعوا عن القول، ولم يعلقوا على تحويل القبلة؛ لكان ذلك تشكيكًا في القرآن الكريم، لأنهم في هذه الحالة كانوا يستطيعون أن يقولوا: إن قرآنًا أنزله الله على رسوله -صلى الله عليه وسلم- لا يتغير ولا يتبدل إلى يوم القيامة، قال: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ}، ولم يقل أحد شيئًا، ولكن لأنهم سفهاء فعلًا، والسفه جهل، وحمق، وطيش؛فقالوها، فكانوا وهم الكافرون بالقرآن، الذين يريدون هدم هذا الدين، من المثبتين للإيمان الذين تشهد أعمالهم بصدق القرآن؛ لأن الله سبحانه قال: {سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ}، وهم قد قالوا فعلًا».

ثالثًا: الإعجاز العلمي في القرآن

  1. إذا جئنا إلى تفسير الكون في العلم الحديث، وجدناه يقول بـ«الانفجار العظيم»؛ وهو يعني أن الكون كله كان كتلة واحدة، ثم حدث انفجار عظيم، تكونت عنه السماء، والأرض، والكواكب، والمجرات، والنجوم، وكل ما في هذا العالم.

القرآن يخبرنا بذلك منذ أكثر من 1400 سنة، يقول: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَاوَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}. رتقًا:أي قطعة واحدة.

  1. هل ضوء القمر منبعث منه أم منعكس عنه؟

العلم الحديث أثبت أنه منعكس عنه، والقرآن يخبرنا عن ذلك: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا}. فوصف القمر بالمنير يعني أنه منعكس عنه، ولم يقل الله تعالى: (وجعل فيها سراجين)؛ لأن السراج يحتاج إلى وقود، فإذا اتقد السراج انبعث منه الضياء، والضياء ما كان ذاتيًّا، أما النور فهو عرضي، وقد كشف العلم أن الشمس تشع بنفسها إشعاعًا ذاتيًّا، أما القمر فإنه لا يشع ولا يشتعل، بل يعكس شعاع الشمس، الذي يصل إليه.

  1. العلم الحديث أثبت أن الكون في توسع دائم، والقرآن يخبرنا عن ذلك: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ}.
  2. العلم يكتشف أن الوحدة الأساسية لكل كائن حي هي الخلية، والتي تحتوي علىالسيتوبلازما، التي تحتوي على 80% من الماء، والقرآن يخبرنا عن ذلك: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ}.

فمَنْ الذي يقدر على أن يخبر بكل هذه الحقائق في زمن لا أدوات فيه ولا تكنولوجيا؟ والنبي المُرسل بهذا القرآن كان أميًّا لا يقرأ ولا يكتب!

وهذه الأشياء مستحيل أن يكتشفها أحد، إلا من خلال الأدوات الحديثة التي لم تكن موجودة من قبل، فمن الذي أخبر بهذا؟

وما من إعجاز علمي في القرآن إلا ويسبقه أو يعقبه تأكيد، أو تذكير بحقيقة البعث، والحياة الآخرة، فمثلًا قوله تعالي: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَاوَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}.

وكأن القرآن يقول لنا: إن الحقائق العلمية التي تكتشفونها، وتؤيدونها، وتكونون في يقين منها، كأنه يقول: إن البعث حقيقة الحقائق، وقرنت بالإعجاز العلمي وغيره؛ لتثير انتباه الباحث والقارئ، فالذي جعل في كتابه إشارات دقيقة تدل على إعجازه، جعل أيضًا حقيقة مصاحبة له، فلا يؤمن العاقل ببعض الكتاب، ويكفر ببعضه الآخر.

إن القرآن ينبه العقول، ويطرق قلوب السائلين عن إعادتهم بعد مماتهم: {أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}، {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}، {وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا}.

إن من الحكمة أن يخاطب الخالق خلقه بما تقدر عقولهم على فهمه، لذلك كان «القرآن» أول كتاب يهتدي به طالب الحق الثائر.

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا}.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد