لقد أصبح أمرًا مفروغًا منه أن يلمّ الداعية بقضايا الإعجاز العلمي إلمامًا تامًا، لا سيما في العصر الحديث الذي يستلزم خطابًا عقليًا باتجاه الغرب.. قال تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه).. توضيحًا للمقصد من هذه الآية يقول محمد راتب النابلسي ذكر بعض المفسرين أن لسان القوم ليس فقط اللغة التي يتكلمون بها، وإنما هي لغة العصر، فلسان العرب يوم جاءهم وحي السماء كان اللغة والشعر، فتحدّاهم القرآن الكريم بلغتهم، ولسان قوم موسى عليه السلام كان السحر، فجاءهم بخوارق قضت على إفكهم، ولسان قوم عيسى عليه السلام كان الطب، فجاءهم بخوارق يعجز عنها الطب.

أما بخصوص معجزة النبي – صلى الله عليه وسلم – فيصفها الشيخ النابلسي بأنها معجزة معنوية مستمرة إلى قيام الساعة، ألا وهي القرآن الكريم، حيث لا بد أن يكون فيه من الإعجاز ما يناسب كل عصر، ذلك أن المعجزات المادية كعود الثقاب الذي يتألق لمرة، ثم لا يلبث أن ينطفئ، ليصبح خبرًا يصدقه من يصدقه، ويكذبه من يكذبه، إلا أننا نؤمن بها لأن الله تعالى أخبرنا بها، أما المنكرون الجاحدون فلا سبيل لإقناعهم بوقوعها، بينما معجزة النبي – صلى الله عليه وسلم – معنوية لأن الله تعالى جعله خاتم الأنبياء، وجعل رسالته خاتمة الرسالات، إذًا لا بد من أن تكون معجزة مستمرة لتناسب كل عصر وزمان.

في سياق الإكتشافات العلمية يتوقع العلماء في ما يتعلق بنهاية العالم أنه إذا استمر توسع الزمكان بسرعة فائقة، فإنه قد تتشتت الكواكب والجزيئات وحتى الذرات… على حد قول روبر هيرت دكتور في الفلك بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا.

سنتحدث في هذا المقال عن ظاهرتي التوسع بالنسبة للسماء، والتشتت بالنسبة للكواكب، وفق ما جاء في القرآن الكريم؛ لنصل إلى أن الإعجاز العلمي يعتبر خير مشجع لهمم المسلمين، كي يساهموا بنشاط في خدمة العلم التجريبي – بحثًا واسكتشافًا – مسترشدين بالإشارات العلمية الواردة في القرآن الكريم. إن الاستعمال الجيد للغة من طرف هؤلاء العلماء المتحدثين في الفيديو المرفق بالمقال يذكرنا بآيتين من كتاب الله، الأولى من سورة الذاريات، (والسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)، الدالة على توسع السماء، والثانية (إذا السماء انفطرت وإذا الكواكب انتثرت)، الدالة على تشتت الكواكب.

وبالتالي ما توصل إليه العلماء حديثًا قد سبقهم به القرآن منذ 14 قرنا، كيف لا! وهو كلام المنان الذي من علينا بالإسلام خالق الأكوان الذي خلق فسوى وقدر فهدى وأحاط بكل شيء علمًا، وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ. تجب الإشارة إلى أن شك العلماء يقابله إقرار قرآني صريح، فلا داعي لننتظر صحة النظرية، بل نؤكد أن القرآن قد حسم الأمر بإقرار توسع السماء وتشتت الكواكب. إذًا نحن في إطار سبق قرآني، وهنا يكمن الإعجاز… فالإعجاز العلمي محاولة لفهم الإشارات العلمية في القرآن الكريم.

 (وإعجازه العلمي ليس في اشتماله على النظريات العلمية التي تتجدد وتتبدل وتكون ثمرة للجهد البشري في البحث والنظر، وانما في حثه على التفكير، فهو يحث الإنسان على النظر في الكون وتدبره، ولا يشل حركة العقل في تفكيره، أو يحول بينه وبين الاستزادة من العلوم ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. وليس ثمة كتاب من كتب الأديان السابقة يكفل هذا بمثل ما يكفله القرآن).

 بدءا بتفسير ابن عاشور، نجده تفسيرًا علميًا أدق مما قاله علماء الفيزياء والفلك، فهو مؤسس على آيات بينات، فهي منهل العلم، فصل فيها ربنا سبحانه وتعالى كل شيء.

قال تعالى (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ) [الذاريات : 47] والمُوسِع: اسم فاعل من أوسع، إذا كان ذا وسع، أي قدرة. وتصاريفه جائية من السَّعة، وهي امتداد مساحة المكان ضد الضيق، واستعير معناها للوفرة في أشياء، مثل الأفراد، مثل عمومها في (ورحمتي وسعت كل شيء) [الأعراف : 156]، ووفرة المال مثل (لينفق ذو سعة من سعته) [الطلاق : 7]، وقوله (على الموسع قدره) [البقرة : 236]، وجاء في أسمائه تعالى الواسع (إن اللَّه واسع عليم). وهو عند إجرائه على الذات يفيد كمال صفاته الذاتية: الوجودِ، والحياة، والعلم، والقدرة، والحكمة، قال تعالى (إن اللَّه واسع عليم) [البقرة : 115]، ومنه قوله هنا (وإنا لموسعون).

وأكد الخبر بحرف (إنّ) لتنزيل المخاطبين منزلة من ينكر سعة قدرة الله تعالى، إذ أحالوا إعادة المخلوقات بعد بِلاها. ويقول عبد الدائم كحليل في هذه الآية يضيف البيان القرآني شيئًا جديدًا قبل الحديث عن التوسع، وهو الحديث عن البناء، وهذه حقيقة كونية أثبتها العلم مؤخرًا، وهي أن الكون هو بناء متكامل لا وجود فيه للفراغ أبدًا. فالطاقة والمادة تملآن المكان كله، ونجد مصطلحًا علميًّا هو (الفضاء)، هذا الفضاء لا وجود له حقيقة، بل كل نقطة من نقاط الكون مشغولة بالطاقة وبأجسام أصغر من الذرة بكثير تسمَّى الأشعة الكونية. فسبحان من قال عن كتابه (ذلك الكتاب لا ريب فيه).

بعد ألفي مليون سنة سوف يحدث الاصطدام، كما حاول بعض العلماء التنبؤ بذلك من خلال تمثيل هذه العملية على السوبر كمبيوتر، ووجد أن هذا الاصطدام سيؤدي إلى انتثار الكواكب في كلتا المجرتين، وتباعدها عن بعضها.

لقد ذكرتني هذه التجربة عزيزي القارئ بحديث القرآن عن يوم القيامة عندما تنتثر الكواكب، قال تعالى (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ) [الانفطار: 2].

 والانتثار : مطاوع النثر ضد الجمع وضد الضم، فالنثر هو رمي أشياء على الأرض بتفرق.

وأما التفرق في الهواء، فإطلاق النثر عليه مجازًا كما في قوله تعالى (فجعلناه هباء منثورًا) [الفرقان : 23]. فانتثار الكواكب مستعار لتفرق هيئات اجتماعها المعروفة في مواقعها، أو مستعار لخروجها من دوائر أفلاكها وسماوتها؛ فتبدو مضطربة في الفضاء بعد أن كانت تلوح كأنها قارّة، فانتثارها تبددها وتفرق مجتمعها، وذلك من آثار اختلال قوة الجاذبية التي أقيم عليها نظام العالم الشمسي.

أخوة الإيمان، إن الله يدعونا إلى التفكر في آياته، قال تعالى (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران : 191].

في هذا السياق قال ابن زيد القيرواني في مقدمة كتاب الرسالة (من واجب أمور الديانات، ومن ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان أن الله إله واحد لا إله غيره ولا شبيه له ولا نظير له ولا ولد له ولا والد له ولا صاحبة له ولا شريك له، ليس لأوليته ابتداء، ولا لآخريته انقضاء، ولا يبلغ كنه صفته الواصفون، ولا يحيط بأمره المتفكرون يعتبر المتفكرون بآياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته.

إن الكون حادث، وسبقه عدم، وينتهي إلى عدم، ومع ذلك لا نهاية له، والإنسان حتَّى الآن لا يعرف حُدود الكون.

أنت بهذه العَين المجرَّدة ترى نجومًا تزيد عن عشرة آلاف نجمة، أما بالمراصد العملاقة فهناك مليون مليون مجرّة، وبكلّ مجرّة فيها مليون مليون، هذا هو العدد الذي عرفه الإنسان حتَّى الآن، فالإنسان لمَّا يتَّجِه إلى معصِيَة الله يجب أن يُفكِّر قبل أن يعْصي ربَّه هو سيَعْصي مَن؟ فأنت بالمعسكر لا تستطيع أن تعصي أمر القائد، فكيف بالإله؟ هذا المثَل منتزع من حياتنا، أتعصي من إذا قال للشيء كُن فَكُن قال تعالى في الحديث القدسي:

يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ (رواه مسلم)

إذًا القرآن الكريم يحث في كثير من آياته الناس على النظر والتدبر، وأمرهم بالنظر في هذا الكون وما فيه من آيات بينة، وبأن يقودهم هذا النظر إلى الإيمان بالله سبحانه وتوحيده وعبادته من خلال عدة آيات يمكن اعتبارها أساسًا وأصلًا للإعجاز العلمي:

منها قوله تعالى (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [فصلت : 53]، وكأن القرآن يدعونا إلى الاكتشاف العلمي والوصول إلى العلم التجريبي الذي بدأه المسلمون في الحضارة الإسلامية، ثم أخذه الغربيون عن المسلمين، واستخدموه بتوسع، وكأنه أساس الثورة العلمية التي نعيشها.
ومنها قوله تعالى (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [النمل : 93] وصدق الله. ففي كل يوم يري عباده بعض آياته في الأنفس والآفاق، ويكشف لهم عن بعض أسرار هذا الكون الحافل بالأسرار … وفي أنفسهم أثر الإيقاع العميق [وما ربك بغافل عما تعملون]. ومنها قوله تعالى (إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)، ومنها قوله تعالى (لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ) [الأنعام : 67].

ونود أن نذكر إخوتنا القراء بأن هذه المقالة هي فقط لنتخيل ذلك المشهد وأن كلام الله هو الحق، ولكن الحقيقة ومتى تقوم الساعة لا يعلمها إلا الله. فالساعة قد تأتي في أي لحظة ولا يمكن التنبؤ بها أو حساب موعدها، ولكننا نحن المسلمين نفرح عندما نرى هذا التطابق المذهل يتجلى بين العلم والقرآن، ونسأل الله تعالى أن يجعل هذه الحقائق وسيلة نزداد بها إيمانًا وحبًا لهذا القرآن.

نختم بحديث للنبي صلى الله عليه وسلم 

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، مَا أَعْدَدْتُ لَهَا مِنْ كَثِيرِ صَلاةٍ وَلا صِيَامٍ، إِلا أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، قَالَ : فَأَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ. قَالَ: فَكَانَ يُعْجِبُهُمْ حَدِيثُ الأَعْرَابِيِّ.

وخلاصة صفوة القول تعطينا تعريفًا دقيقًا للإنسان بأنه عقل يدرك، وقلب يحب، وجسم يتحرك ولابد لجسمه من غذاء، وغذاؤه هو الطعام والشراب، كما أنه لابد لعقله من الغذاء، وغذاؤه العلم وأعظم علم التفكر بآيات الله الكونية والتكوينية والقرآنية. ولابد للقلب من غذاء، وغذاؤه الحب وأعظم الحب حب الله ورسوله؛ فبه نتذوق حلاوة الإيمان ونسكن الجنان. 

 مصدر التفسير: التحرير والتنوير لشيخ الإسلام والإمام الأكبر ابن عاشور التونسي الزيتوني

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد