يبدو من الخارج كغيره من الكتب، ليس حجمه بالضخم فيشد انتباه الناظر إليه، وليس بالصغير فيضيع وسط الكتب، ليس بالطويل الذي لا تُدرك نهايته، وليس بالقصير الذي يُقرأ في جلسة واحدة، آياته المسطورة محدودة لكن آياته المفهومة ومعانيه غير محدودة، يتلخص إعجازه في تغيير حال من يقرأه بصدق، فهو يغير من الظلمات إلى النور، من الكفر إلى الإيمان، من الشك إلى اليقين، من القلق إلى الطمأنينة والسكينة، ومن الجهل إلى خزائن علوم الدنيا والآخرة.

هو الحق الكامل، «لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ»، هو كتاب «لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ»، و«كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ»، و«كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ». هو كتاب الله أنزله بحكمته على رسوله الكريم، «كِتَابٌ أنزلناه إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ الناس مِنَ الظلمات إِلَى النور»، «كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ»، «كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا»، «كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ».

هو كلام الله ليس بمخلوق، قديم في أصله، حديث في معانيه، تتجدد في كل عصر وكأنها أنزلت فيه، هو العاصم من الشطط والتيه والضلال، عنه صاحب الشفاعة ﷺ قال: «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا كتاب الله…»، ولن للنفي والتأبيد، وأبدًا للتوكيد اللفظي، هذا إن احتجنا إلى توكيد في كلام الحبيب ﷺ.

فيه خبر من قبلنا، ونبأ من بعدنا، وحكم ما بيننا، فيه قصص أفضل دعاة على وجه الأرض وهم الأنبياء، كلهم أصحاب دعوة واحدة على اختلاف أزمانهم وأحوالهم، فمنهم من كان حاله «فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون»، ومنهم من كان حاله «لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد»، منهم من «آتاه الله الملك والحكمة»، ومنهم من كان حاله «ربي إني لما أنزلت إلي من خير فقير»، منهم من كان قويًّا في دعوته «من دونه فكيدوني جميعًا ثم لا تنظرون»، ومنهم من لخص الله حاله «فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم»، منهم من قال: «ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم»، ومنهم من قال «رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارًا»، ومنهم من قال «إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم»، منهم قصة صاحب «القصص»، وقصة صاحب «أحسن القصص»، هذا وكلهم معصوم وكلهم قال تعالى فيهم «فبهداهم اقتده»، وكذلك كل الدعاة إلى يوم الدين.

فيه نبأ من بعدنا «فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرًا»، وفيه «وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم»، وفيه «حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق»، وفيه «فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين»، وفيه «وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم»، وفيه «إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة».

فيه آيات التشريع والأحكام، فأطول آياته آيتا الدَّين والميراث، وفيه أحكام العبادات كالصلاة والصوم والزكاة والحج والقتال والغنائم، وأحكام الأسرة من زواج ومعاشرة وشقاق وطلاق، وأحكام المعاملات المالية كالميراث والربا والدًّيْن والعقود والأمانات، وأحكام دستورية كالشورى «وشاورهم في الأمر« و«وأمرهم شورى بينهم»، والعدل «إن الله يأمر بالعدل والإحسان»، والمساواة «وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم»، وطاعة أولي الأمر – الشرعيين – «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم»، وأحكام علاقات دولية مثل «فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله»، ومثل «وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله»، وأحكام جرائم وعقوبات وحدود، كالخمر والميسر والزنا والقصاص والسرقة والقذف والحرابة والبغي وجرائم التعزير.

فيه أسرار الخلق ونشأة الكون، وعلامات الساعة وأحداث القيامة، فيه الحديث عن الملائكة والجن والشياطين. فيه حديث الجن للجن «إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد» إلى «وأنّا منا المسلمون ومنا القاسطون»، وفيه «قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى»، و«يا قومنا أجيبوا داعي الله»، وحديث الجن للإنس «قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك»، وحديث النمل للنمل «إذ قالت نملة يا أيها النمل»، وحديث الطير للإنس «أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين».

فيه علم الغيب والشهادة، والمحكم والمتشابه، والناسخ والمنسوخ، فيه المكي والمدني، فيه إعجاز بياني لغوي، وإعجاز علمي، وإعجاز عددي، فيه السبع الطوال والمئين والمثاني والمفصل، ليس فيه نقص ولا زيادة، لا تتساوى مفرداته، ولا تتكرر بلا فائدة آياته. إنه كلام رب العالمين.

فيه دعوة لتنوير العقول «إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار»، «أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت..»، «سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق»، «وفي أنفسكم أفلا تبصرون»، «أفلا يتدبرون القرآن، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا».

وفيه دعوة إلى تطهير القلوب «ألا بذكر الله تطمئن القلوب»، «ومن يكتمها فإنه آثم قلبه»، «واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه»، «إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان»، «هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانًا مع إيمانهم»، «أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها»؟

حفظه الله من أيدي العابثين، وأودعه صدور عباده المؤمنين، يحفظه منهم الملايين، ويتلونه عن ظهر غيب تمامًا كما كان يقرأه سيد المرسلين ﷺ، لا يستطيع كل جبابرة الأرض تحريفه أو إزالته أو تبديل حروفه، إنه دليل وحدانية الواحد وصدق العاقب ﷺ، «إنه لقرآن كريم، في كتاب مكنون، لا يمسه إلا المطهرون، تنزيل من رب العالمين».

إنه كتاب الله، فيه كلام الله الحاضر الذي لا يغيب، ألا يكفي المسلم فخرًا أنه حين يتكلم الناس يقولون قال «فلان» وقال «فلان» كان هو وحده على هذه البطحاء من يقول «قال الله»؟! أيدري من يقولها عن أي عظيم يتكلم! أيستشعر قيمتها! أيحمد الله أن اختصه بها! أن يتحدث عن الله رب العزة جل جلاله في زمان تؤخذ فيه حِكَمُ الفلاسفة وأقوال الكافرين ويُطرح فيه كلام رب العالمين! في عالم الكذب والخداع، في دنيا قال آخر رسول فيها ﷺ إنها ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه، حُرِّفَت الكتب السماوية وتغيرت لغتها، وليس هناك إلا كتاب واحد فقط تقرأ منه عن ربك، لا يقرأه باحث عن الحق إلا هداه الله، ولا مبتغٍ العلم إلا علمه الله، ولا صاحب ضيق في الصدر إلا هوّن عليه الله، افتحه في أي وقت على أي حال واقرأ بصدق فستجد رسائل ربانية كأنها قد أُنزلت فقط الآن لك! إنه كلام حق وصدق، قال فيه صاحبه «ما فرطنا في الكتاب من شيء»، وقال فيه بن عباس «لو ضاع مني عقال بعير لوجدته في كتاب الله»، وقال فيه من كفر ولم يؤمن به «لقد سمعت كلامًا ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، وإن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه ليعلو ولا يعلى عليه، وما يقول هذا بشر». لقد أفلح من تكلم بلسان ربه ناصحًا ومبلغًا، وتعس وخاب من لم يكن له من ذلك نصيب، فاحرص على أن تكون من الأولى.

مواقع قرآنية:

أترك بين أيديكم مجموعة من المواقع القرآنية المفيدة لمن عزم على أن يدرس ويفقه ويتدبر في كلام الله:

موقع الفرقان هو موقع للتفسير به أكثر من ٦٥ كتاب تفسير ولغة ، موقع المتدبر، وهو موقع بحث عن مفردات الكلمات وجذورها ، موقع التفسير، وهو موقع أردني بحثي يحتوي على الكثير من كتب التفسير وعلوم القرآن ، موقع المعجم للبحث في أكثر من معجم ، موقع لمسات بيانية للإعجاز البياني اللغوي في القرآن للدكتور فاضل السامرائي ، موقع طريق القرآن للإعجاز الرقمي في القرآن .

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات