إذا كان لا بد من معرفة مفهوم الفكرة القرآنية عند هذين الرجلين العظيمين عليهما رحمة الله، وجب علينا بدءًا أن نعرف نوعية الإسلام الذي ينتهجان فالأول «مالك بن نبي» كان ينتهج الإسلام الإصلاحي، وقد سبقه في ذلك كثيرون من العظماء أمثال الشيخ محمد عبده، وجمال الدين الأفغاني وغيرهم. يرتكز هذا الإسلام على تطلعاته إلى تحقيق النهضة والرقي والانبعاث الحضاري للأمة الإسلامية بينما سيد قطب كان صحويًّا يهتم بالصحوة لهذا الدين، وقد ورد ذكر ذلك في مواضع كثيرة من كتبه، والتي كان يؤمن بأن السيادة العالمية ستعود يومًا ما إلى المسلمين لأنهم أحق بها، ومن أعظم الدعاة لهذا النهج الإسلامي الصحوي نجد محمد قطب، والشيخ حسن البنا، والهضيبي وغيرهم.

يشترك هذان النوعان من الإسلام في ضرورة الصحوة والنهضة لهذه الأمة الإسلامية التي طال سباتها، بينما يختلفان في أوجه عديدة تتمثل في الطرائق المتبعة من هذا وذاك للوصول إلى الفكرة الأساسية التي تجمعهما.

سيد قطب يرى أن ما يعيشه العالم اليوم من تطور ما هو إلا ضرب من الخواء الحضاري، والذي سينهار في أول امتحان. بينما يرى مالك بن نبي أن الإسلام أهل للسيادة إذا هو واكب الحضارة وامتزج بها.

في كتابه الشهير «شروط النهضة» يرى مالك بن نبي أن الحضارة يمكن أن توجد في مفهومها اعتمادًا على ثلاثة عوامل: «الوقت والتراب والإنسان» بينما أوجد الفكرة القرآنية بوصفها مسرعًا للحضارة كما سماها مالك بن نبي.

يذكر مالك في كتبه «القرآن» على أنه فكرة، بينما سيد قطب يراه المصدر الوحيد للخير لهذه الأمة والعالم أجمع، ففي أشهر كتبه «معالم في الطريق»، هذا الكتاب الذي كثر مؤيدوه ومعارضوه، يرى سيد قطب أن القرآن ليس مجرد فكرة ننتهجها وإنما أسلوب حياة وجب على المسلمين تطبيقه والانتساب إليه، إذا هم أرادوا تسيد العالم مرة أخرى.

في الجانب الآخر يرى مالك بن نبي أن القرآن عبارة عن أفكار نستخلصها لكي نواكب الحضارة، وكما ذكرنا فقد أسماها بالمسرع الحضاري وأعطى مثالًا على ذلك بالجاهلية الأولى، والتي كانت بنظره مثل مجتمع الغاب، يأكل فيه القوي الضعيف، وانتشرت الفاحشة والفساد، لكن شروط الحضارة الأساسية بالنسبة له كانت موجودة بعناية من إنسان وتراب وزمن، وما كان ينقص ذلك إلا فكرة قرآنية تسرع من تكون الحضارة، وهو ما حدث فعلًا، فبعد نزول الوحي على رسول الله في غار حراء بدأت معالم الحضارة الإسلامية تلوح في الأفق، والتي تسيدت بعدها العالم لحقبة كبيرة من الزمن.

بينما بالنسبة لسيد قطب، فإنه يصنف القرآن ليس بوصفه فكرة، وإنما بوصفه شريعة وعقيدة إلهية منزلة كأساس للحضارة وتطورها. فيعطينا أمثلة كثيرة عن الظلم والفاحشة والفساد الذي كان يسود المجتمع الجاهلي والطبقية التي كانت تقوم على بديهية ثيوديسيس، والتي تقول إن القوي يفعل ما يريد، والضعيف يجب عليه أن يعاني كما يجب، فأنزل الله القرآن قانونًا وشريعة تخلع كل هذه المحرمات من جذورها، وتعيد تصنيف الطبقات الاجتماعية فتساوى الرجل مع المرأة، وتساوى الغني مع الفقير، وتساوى العبد مع سيده. وأرجع سيد قطب هذا الركود الحضاري إلى ابتعاد هذه الأمة عن القوانين المشرعة في القرآن الإلهي، وعده منهجًا يريدون له أن يغير من طبيعته وتاريخه لكي يشابه النظريات البشرية.

يعول الخطاب الإصلاحي على مصطلح الثورة الثقافية لكي يحقق النهضة المأمولة؛ وذلك بانفتاحه على العالم والفكر الإنساني، وهذا ما جعله أقرب إلى الفكرة الديمقراطية، بينما الخطاب الصحوي يعول على الثورة السياسية وانغلاقه على المصادر العالمية والفكر الإنساني، واكتفائه بالنظام الإسلامي سياسةً ناجحة لتسيير العالم كما يجب.

يختلف هذان العالمان في تعريفهما للحضارة، فمالك يرى أن الإسلام ليس الحضارة لأن الحضارة من صنع البشر، وليست منزلة من السماء، ولا تتشابه في تركيبها مع الكتب السماوية أو الديانات السماوية. بينما يرى صاحب «الظلال» أن المسلمين تخلفوا حضاريًّا لأنهم تركوا الإسلام واندمجوا غير واعين بخطر ما ينتسبون إليه من حضارة عالمييه ستنهار يومًا ما، ولقد كان الأحق للمسلم أن يتسيدها، لأن الرجل الغربي والفكر الغربي عامة لم يعد يملك من المؤهلات ما يسمح له بقيادة العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد