يرى عدد من الباحثين منهم مرسيا إلياد أن اليهودية والمسيحية نفيا الأسطورة ووضعوها في خانة الكذب والاختلاق حين اعتبرتا الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد المحدد الوحيد لصدق كل قصة، فكل قصة لا تجد تبريرها أو دليل ثبوتها داخل النص المقدس فهي محض أكذوبة من وجهة نظر الديانتين، نفس الأمر حدث فيما يرى إلياد مع الفلسفة اليونانية التي أدانت هي أيضًا الأسطورة لكن من وجهة نظر التاريخ والعقل هذه المرة، قد نسارع بالقول أن الإسلام أيضًا باعتباره دين ينتظم واليهودية والمسيحية داخل إطار الديانات التوحيدية وله كتابه الذي يمثل الحكم والمهيمن على التاريخ وعلى الكتب السابقة، فإنه هو الآخر قد قدم إدانته للأسطورة واعتبرها محض كذب واختلاق، لكن فكرة قد عرضها محمد أحمد خلف الله في كتابه “الفن القصصي في القرآن” ربما تحتم علينا التنازل قليلًا عن الرغبة في التعميم السريع لبحث الموضوع بصورة أدق.

 

هذه الفكرة والتي أثارت كثيرًا من الانتقادات هي أن القرآن لم ينف أصلًا في أي موضع احتواءه على أساطير الأولين! يقول خلف الله أن القرآن نفى فقط أن تكون الأساطير من اختلاق محمد، أو أن يكون محمد قد تلقاها عن شخص ما “اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلًا”، أما أصل وجودها فهو ما لم يتعرض له القرآن بأي نفي، هذا يعني أن ما ذكره القرآن من قصص هو قصص لا تحمل أية درجة من المصداقية التاريخية، أنها أساطير وظفها القرآن لأغراضه وتدرس باعتبارها قصصًا أدبيًا يحمل أهدافًا أخلاقية، بالطبع هذه الفكرة عن عدم حمل القصص القرآني لأية مصداقية من الناحية التاريخية هي فكرة كان قد تناولها قبل هذا طه حسين في كتابه الشهير “في الشعر الجاهلي” وإن كان الأمر عند العميد اقتصر على ملاحظة جانبية حول بناء الكعبة ووجود إبراهيم في سياق الخلاف حول أصول العرب وبحث قضية العرب العاربة والمستعربة.

 

ونحن نجد الصلة بين العميد وخلف الله في تقديم أمين الخولي لكتاب خلف الله والذي ضمنه تعليقًا حول القصص مصاغًا على طريقة طه حسين يقول فيه “من حق العقل البشري أن يهمل صفتها الإخبارية أو يخالفها أو ينكرها”، لكن رغم هذا الارتباط بين نظرة العميد وخلف الله فإن فكرة الأخير عن عدم اعتراض القرآن على احتوائه أساطيرًا نقلت البحث في موضوع القصص القرآني لمرحلة أخرى، ومهدت بصورة كبيرة لفكرة النص المنتَج عند نصر أبو زيد، التي تعني أن أي نص داخل أية ثقافة يمر بمرحلة يكون فيها نصًا منتَجًا يتحرك من خلال مفاهيم وتراكيب وأساليب وأساطير الثقافة، ثم يتحول بعد هذا لنص منتِج يعيد صياغة كثير من المفاهيم والتراكيب والأساليب داخل الثقافة، أي أن فكرة خلف الله عن القصص كانت المدخل للفكرة الأكثر شمولًا عن تاريخية القرآن، فنزع مطلقية النص القرآني تبدأ بنزع مطلقية القصص.

 

لكن هذه الفكرة لا تكتسب خطورتها الرئيسية في نفي أصلية القصص القرآني وحاكميته على ما سبقه من قصص وتصنيفه لها في خانة الأساطير/الأكاذيب إلا إذا أضيفت لها فكرة أخرى ذكرها خلف الله في نفس الكتاب، وهي أن القصص القرآني في بعضه تجسيد لحالات نفسية مر بها الرسول وأحيانًا تكون القصة رسم لحدث تم في حياة النبي محمد لا حياة النبي الذي تروى عنه القصة، فمثلًا قصة صالح والتسع الرهط يجادل خلف الله بأنها قصة للنبي محمد نفسه وأن التآمر كان عليه هو فكانت القصة تجسيدًا لهذا التخوف وحل له بتذكر التأييد الإلهي، تكمن خطورة هذه النظرة في كونها تقلب فكرة الوحي رأسًا على عقب، فلم يعد الوحي بهذا إرسال الله لكلام محفوظ لفظًا ومعنى عبر وساطة القوي الأمين لنبي لا يملك الحق في أن يحرك لسانه ليعجل به.

 

بل أصبح الوحي تجربة يحياها النبي ويعبر عنها، تخرج القصص بهذا من خلافات الصحة والخطأ التاريخي لتكون أصدق تعبير عن – وفقط – تاريخ محمد الروحي، عن تطوره وشكه ويقينه. بهذا يصبح نفي القرآن لكون الأساطير من اختلاق محمد أو كونها أساطير تلقاها من بعض الكهنة، نفي لا يفضي بالضرورة لكون هذه القصص من عند الله، بل إنه لا يصبح ثمة معنى للسؤال عن مصدر هذه القصص من الأساس، فلا مصدر لهذا القصص سوى التجربة المحمدية نفسها في الاتصال بالله.

 

لكن إن كان الإسلام لم ينف الأسطورة ولا أهمية داخل تصوره لصحة القصة من عدمه، لا لأنها تحكي كعبرة وعظة كما يقول الخولي فقط بل لكونها كما قلنا ليست قصة، بل أسطورة والأسطورة ليست تاريخية، لا بمعنى أنها اختلاق وكذب بل بمعنى أنها محاولة الإنسان اختراق التاريخ نحو زمن بدائي، وليست لا عقلانية إلا بمعنى أن الإنسان كائن يتدين لا بعقله فحسب بل بكل كيانه كما يقول إلياد، وليست مجازًا وتخيلًا ومواراة يقصد منها شيئًا آخر بل رمزًا حيث الرمز مرتبط حتمًا بالتعبير عن وضع بشري جذري وحدي، إذا كان الإسلام لم ينف الأسطورة بهذا المعنى فإن هذا لا يعني كون المدونة الإسلامية من علوم الكلام والحديث والتفاسير المنضبطة عقلًا أو نقلًا قد تهاونت في تقديم أكبر الإدانات للأسطورة، ولعلنا نذكر تلك الكلمة التي راجت عن الإمام أحمد “ثلاثة علوم لا أصل لها، التفسير والملاحم والمغازي”.

 

فإدانة أحمد لهذه التفاسير هي إدانة من منطلق العقل السني المتثبت في الأخبار المروية والمحافظ على أصلية القرآن والنصوص الصحيحة كمعيار وحيد للهيمنة والصحة والحاكمية، لذا فمن خلال هذه النصوص يتم محاكمة الإسرائيليات التي ملأت هذه التفاسير، كذلك يقدم الفكر المعتزلي المحتفي بالعقل إداناته المتتالية لا فقط للإسرائيليات التي حاول بها المفسرون والقصاص ملء فراغات النص القرآني ولكن للقصص القرآني نفسه الذي يتم النظر له كمجاز فحسب حيث يتعذر على العقل التصديق به.

 

لكن تظل الإدانة السنية أهم وأعمق في المغزى، حيث أن تصرف المفسرين والإخباريين في القصص القرآني يحمل دلالة نزع الأصلية عن هذا القصص، ليتحول القصص القرآني في هذه الكتابات كما يقول تركي علي الربيعو لمجرد “حرتقة” للأسطورة القديمة لا تتميز بأي أفضلية وحاكمية ما، بل إنها تظل محتاجة لهذه الأصول السابقة عليها لتفسيرها وفهمها، وإذا أخذنا بملاحظة بسام الجمل في كتابه عن أسباب النزول حول نشأة الملاحم والمغازي التي يرجع أحد أسبابها لغياب أي طريق لممارسة روحية بعد مصادرة القرآن معرفيًا من قبل الفقهاء والمتكلمة، فإننا نعتبر تحويل القصة القرآنية لحرتقة كان بغرض استعادة الطابع الأسطوري الذي خبا منها بعد خنق تطور وتوتر التجربة النبوية التي تحكيها هذه القصص بحصرها بين دفتي كتاب جمع على غير الترتيب الذي نزل به وبمراعاة نفي أي توتر داخله عن طريق آليات عديدة ابتكرها الأصوليون وباستخدام القصص نفسه في إطار انتزاع الأحكام الفقهية.

 

استعادة الأسطورة هو استعادة لتجربة حية، فما يميز الأسطورة هو أنها قابلة للتحيين، لأن تعاش من جديد انطلاقًا من مفارقة وجود الإنسان في هذا العالم وعدم وجوده فيه في آن، على خلاف العقيدة التي هي موضوع لعقد القلب لا أكثر، لذلك فإنه لا يعد مستغربًا مع هذه المواجهة لأسطرة هذا القصص من قبل المحدثين والمتكلمين وأصحاب الاتجاهات العقلية في الاستدلال على العقائد أن نجد المتصوفة المهتمين بإعادة تحيين تجربة النبوة ذاتها عن طريق الاحتفاء بالتجربة الروحية واعتبار المعراج الروحي محور الدين هم أنفسهم من أعادوا الحياة لهذه الأساطير بإعادة تفسيرها تفاسير مبدعة مصدرها تجاربهم الروحية، وليست قصة إبليس “الشهيد” في بعض الكتابات الصوفية سوى مثال بسيط على هذا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد