(وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا ۖ وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ).

حينَما تقرأ التاريخ تجد أنّ الطغاة والديكتاتوريين (أكابر المجرمين) يقعُون في نفس الخطأ ولا يتّعظون، حيثُ يستدرجُهم الله عزّوجل بأمراضِهم القلبية ومكنُوناتهم النَّفسية إلى حتفهم (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ)، ففي حين يظنّون أنّه لا أحد يضاهيهم في الخبث وكيدِ المكائد، يكتشفُون ولكن غالبا بشكلٍ متأخّر جدًّا أنَّ كيد الله قد سبقهم بمراحِل طويلة بالفعل، وأنّ ذلك البذخ والإمداد في الطّغيان وتلك النِّعم التي كانُوا فيها، كانت عبارة عن نِقم واستِدراج ليَلقوا حتفهم في جهنّم (وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ )، (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ) (مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ۚ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).

فلا يسمعُون لناصح، وكثيرًا ما تأتيهم الآيات للتَّنبيه، ولكن هم عنها غافلُون (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).

وقد ضرب الله أمثلة قرآنية عن الطغاة

1- مثلما حدث مع قارُون حيثُ تمّ استدراجه، وانخدع وصدَّق فعلًا أنّه هو من صنع كلّ تلك الثَّروة من الصِّفر، وأنّه هو من أوجدها، وأنه ذكي يستحقهُّا فعلًا.. (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي).

ويمكنني هنا عمل إسقاط على واقعنا، من خلال ما نلحَظه في ما يحدُث في الجزائر حاليًا، حيث هناك طبقة تظنُّ أنَّها هي من جلبت الاستقلال للجزائر، وعليه فإنَّ كلّ خيراتها مرهُونة بهم، وأنَّ هذه الأرض الطَّاهرة هي مُلكهم، ويحقُّ لهم فعلُ ونهبُ أيِّ شيء فيها دون حِساب.. ولكن هيهات.

(فخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) (قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).

وهذا ما نلحظُه كثيرًا في هؤلاء الطُّغاة حيث يخرجون في مواكب ضَخمة ليُرعِبوا الشّعب، بالإضافة إلى البهرجة الإعلامية الضّخمة لترهيبهم لدرجة انّ أصحاب القلوب الضَّعيفة ينبهرون من هاتِه المواقف ويتمنّون لو كان لهم نصيبٌ منها.

والعجيب على الجانب الآخر أنّنا نرى أكابر المسؤُولين في الدّول الغربية يخرُجون في درَّاجاتٍ هوائية، ويركبون المترو وآخرين يركبُون سيارات أجرة! يا للعجب.

ولحسن الحظِّ دائما يُسخِّر الله تلك الفئة المُؤمنة الداعية إلى الخير للنُّصح والرّشاد (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ).

ولكن هذه الفئة الدَّاعية غالبًا ما تقابَل بالرّفض والاستهزاء من النّاس، حتى يروا من الله ما يهزّ أفئدتهم ويفتح عقُولهم (وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ).

2- ومثالٌ قرآني آخر، ألاَ وهو فِرعون (فَحَشَرَ فَنَادَىٰ فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ) وهذه حالة أخطرُ من حالة المثال السَّابق حيث يصلُ الحال بالطَّاغية، لدرجة أن يعتقِد أنَّه ربما إله، وأنَّه لا أصلح منه على الأرض، وأنه بغيابِه ربما ينهارُ الكون ويختلّ توازنه مثل قول بعضهم في الجزائر (أنا وبعدي الطوفان)، وهذا طبعًا بسببِ الحاشية الفاسدة والموالاة التي ألقت في روع الطاغية الألوهية (فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ)، وطبعًا أيضا تمكّن من فعل ذلك بتوظيف الوزراء الفاسقين، والجيش لتنفيذِ الأعمال القذِرة (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ)، وهذا ماحصل في العُشرية السَّوداء، حيثُ تمَّ توظيف الجيش والمُخابَرات في القيام بمجازِر رهيبة في حقِّ الشعب، والقرآن هنا لا يستثني حتى الجنُود، لأنهم مكنُّوا الطُّغاة من تنفيذِ اغراضهم الإرهابية، ولا عذر لهم يوم القيامة!

عن المكر الإلهي

لا تكمن مهمّتنا في التركيز على النَّتائج وجلب النَّصر، ولا في الكيفية التي سيسقُط بها قارون أو فرعون، وإنّما في اتّخاذ الأسباب والإعداد الجيِّد وإنشاء النّخبة الرّبانية، لماذا؟ لأنَّ مكر الله هو من سيتكفّل بالتغيير إذا توفّرت الشُّروط والأسباب (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ)، بالنسبة لقارون (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ) ..بالنسبة لفرعون (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ).

ويبدو أنّ الشَّعب الجزائري قد استيقَظَ من نومةٍ طويلة فعلًا دامت عقودًا من الزّمن، وهنا نحنُ نرى شبابا مُراهقين وأطفالًا، كنّا نظنّ أنه تمّ غسيلُ أدمِغتهم من المُحاولات التغريبية وطمس الهوية الإسلامية والوطنية، ثمّ نُفاجأ بكونهم واعين لما يحدُث من حولهم بشكلٍ عجيب، ويرفضُون بشكلٍ قاطع أي تجاوز للدستور وللثوابت الوطنية، وقد جسّدوا ذلك بسلمية حضارية مُطلقة أدهشت العالم أجمع.. ولربَّما كانت مسيرات 22 فبراير (شباط) 2019 بداية تغيير الأنفس (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) ثمّ الرغبة في التغيير العام، والإصرار على ذلك، وعدم الرضى بالطاغية، وهنا.

تفاءلوا خيرًا

حتمًا، إن النّصر قريب، كما يقول سيد قطب: «والله إنّ النَّصر فوق الرُّؤوس ينتظرُ كلمة كن فيكون، فلا تُشغِلوا أنفسكُم بموعد النَّصر، انشغلوا بموقعكم بين الحق والباطل».

لذلك تكمُن مهمَّتنا الآن في الإعداد (الروحي والإيماني)، والتوعية، وإظهار الحقِّ ونُصرته قدر الإمكان، وحينما تتوفّر الشُّروط وتتغيّر الأنفس ربما يأمر بكن فيكون (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).

ويبدو أنّ الشعب الجزائري بدأ يستشعرُ ضعفه، لينكسر ويتضرَّع لله عزوجل من أجلِ النصر وتحقيق التغيير الجِذري المنشُود.

ولا نبالغ في التنقيب عن الكيفية التي سيتغيّر بها الوضع، أو متى، أو أنه مستحيل أو أنه يجب أن تحدُث معجزة، كلّ ذلك ليس من شأن أحد، فأمره سبحانه وتعالى بين الكاف والنون، قد يكون خسفًا، وقد ندفع ثمن التغيير باهضًا (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (141) أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ)، وهنا ما أجمل أن يلحَق الحفيد بجده الشّهيد.

وقد يكون التغيير من خلال صُندوق الإقتراع لسببٍ أو لآخر، وقد يشفع لنا الملايين الذين سقطوا في حرب التحرير الجزائرية، وقد يشفع لنا الآلاف من الأبرياء الذي سقطوا في العشرية السوداء، وقد وقد.

يكون النصر قريبًا

(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ).

ربما حانت نهاية العصابة التي حكمت بالانقلاب الثوري والذي يعرف بالتصحيح الثوري بعد الاستقلال 1962، فقد وصلت إلى أوجِ فسادها وعليه ستحلّ نهايتها بإذن الله وقد بانَت بوادر ذلك، فهذه الهبّة الشعبية ليست حزبية، ولا تشبه ما قبلها أبدًا، وما حدث في الماضي القريب، وإنما هي هبَّة، ستغيّر مجرى التاريخ، بدءا بالجزائر، ثم فلسطسن، ثم الشرق الأوسط.

وسأصدقكم القول إن قلت أنّ نهاية النِّظام الجزائري قد أوشكت لحديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها ثم تكون ملكا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها إذا ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ثم سكت).

وأكاد أجزم أن مرحلة الملك الجبري في ألفاظها الأخيرة، لأنه لم يحدث أبدًا، أن وصل الطغيان في الجزائر والبلاد العربية إلى ما وصل إليه الآن، ولذلك حقّ عليه الهلاك.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد