قد كان حبي للنبي صلى الله عليه وسلم دافعًا للبحث عن نماذج في أسرته تشابهه عقلًا ورجاحة، وحنكة وسياسة، فهو صلى الله عليه وسلم السياسي الأول الذي مدحه الكاتب الإمريكي مايكل هارت في كتابه «العظماء مائة» – الذي تم نشره عام 1978 وتمت ترجمته إلى 15 لغة، وترجمه إلى اللغة العربية الكاتب المصري الراحل أنيس منصور، وجعل عنوانه «العظماء مائة أعظمهم محمد» – قائلًا: لقد اخترت محمدًا لأنه الإنسان الوحيد في التاريخ الذي نجح نجاحًا مطلقا على المستويين الديني والدنيوي، وأصبح قائدًا سياسيًا وعسكريًا ودينيًا وبعد 13 قرنًا من وفاته فإن أثر محمد – صلى الله عليه وسلم _ لم يزل قويًا متجددًا، فوجدت الشخص الذي اتصف ببعض صفات النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يكن من الوجوه التي نعرفها أو ذاع صيتها من خلال صفحات السيرة النبوية كعمه العباس ين عبد المطلب الذي نصره يوم العقبة، أو عمه حمزة بن عبد المطلب أسد الله، إضافة إلى الخليفة الراشد علي بن أبي طالب أو حتى عمه (أبو لهب) الرجل المعروف بعدواته للإسلام، لكنه كان الجد الرابع للنبي – صلى الله عليه وسلم – ( قصي بن كلاب).

تقول الروايات إنه ولد عام 400 ميلاديًا وتوفي عام 480 ميلاديًا، كما أن اسمه كان زيدًا وسمي قصيًا لأن أمه تزوجت بعد وفاة أبيه كلاب بن مرة القرشي _ بربيعة بن حرام القضاعي وانتقلت به إلى الشام مع زوجها فسمي قصيًا لقصوه عن أهله، وشب قصي تحت رعاية زوج أمه على أنه أبوه، فكان أن تشاجر مع بني عذرة فعيروه بأنه دخيل عليهم، فلما سأل أمه أخبرته بنسبه إلى قريش، فقرر العودة إليهم حيث يقيم أخوه زهرة بن كلاب وبنو عمه.

تزوج قصي وأنجب الكثير من الأبناء والبنات أشهرهم عبد مناف الجد الثالث للنبي صلى الله عليه وسلم، وكانت قبيلته تسكن في جبال مكة، وقد أكل الجوع أجسادهم فلم يكن لهم من الموارد ما يسد رمقهم، وقد ظهر ما يعرف بـ(الاعتثار) حيث كان الرجل من قبيلته – لا يجد الطعام والشراب لنفسه وأهله، ويتعفف عن مسألة الناس – يحفر لنفسه وأهله حفرة وينزلون بها حتى يأتيهم الموت، عزَ على قصي ما أصاب قومه، وهو يرى أن القبائل الأخرى ترتع في أرضهم وميراثهم الذي تركه لهم الأجداد (الكعبة)، حاول جاهدًا أن يقنع أهله بالنزول من وعورة الجبال إلى سهولة الوادي، لكن كانت لديهم عقيدة بأنه لا يجوز أن تطأ الحرم المكي قدم سوى أقدام الحجيج.

وفي هذه الأثناء كانت قبيلة خزاعة تسيطر على الكعبة بعد جولات عديدة من صراعات عديدة قامت بين القبائل العربية أشهرها قبيلة جرهم اليمينية، نزل قصي وأهل بيته إلى أرض مكة وأقنع بعضًا من أبناء عمومته، ولحق به البقية بعد ذلك لما ضربهم الجوع، وبعد استقرارهم في جوار الكعبة، بدأت طموحات قصي تنضج، وقد قرر أن يضع نظامًا جديدًا لقريش يضمن لها السيادة والقيادة والرخاء، وفي موسم الحج بدأ بجمع ما يستطيع من أنعام: إبل، وخراف، وماعز، وخرج بها على أطراف مكة، وبدأ بنحرها وطهيها، وأعد السقاء، وقدم هذه الضيافة للحجيج حتى صار اسمه على كل لسان، وبدأت القلوب تلتف حوله حتى ذاع صيته في كل مكان، لكن لم يعجب ذلك قبيلة خزاعة التي عزمت أمرها على قتال القريشيين، دارت رحى المعارك وكانت الغلبة لقصي، بل نجح في إخراج القبائل من مكة وأعادها إلى حيث جاءت، وعادت مكة إلى قبائل قريش من جديد، وصارت لقصي سدانة الكعبة والسقاية والرفادة، وبدا قصي بإقامة نظام جديد، خط سطره على أرض الواقع، فأعاد بناء الكعبة من جديد، وقام بإنشاء (دار الندوة) التي كانت بمثابة دار الحكم لقصي ففيها تتم الصفقات التجارية، وتنفذ الأحكام القضائية، ومنها تخرج السياسة الخارجية لقريش، ثم اتجه للجانب الاقتصادي، فعمل فكرة (الإيلاف) فقرر توريد البضائع إلى أروربا، فكان يشتري البضاعة التي تأتي من الهند والصين من اليمن في رحلة الشتاء ويرسلها إلى الشام في رحلة الصيف، وعقد مع القبائل التي كانت تقطع طرق التجارة – اتفاقًا يلزمه بدفع مالًا مقابل تامين التجارة، وقام بتعزيز القوة العسكرية لقريش حتى صارت لقريش هيبة بين القبائل بعد أن كانت تعيش في أعلى جبال مكة. لقد ضرب قصي أروع الأمثلة في الذاتية والإرادة والعقلية العربية القادرة على تأسيس دولة قوية ويعد قصي أول من وضع بذرة الدولة في منطقة الحجاز، حتى اشرقت شمس النبوة في شبه الجزيرة العربية، فجاء صلى الله عليه وسلم لينشأ دولة العلم والإيمان، وأخيرًا لو استطعنا أن نقلب الحكمة المشهورة «خير خلف لخير سلف» لقلنا خير سلف لخير خلف.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد