أطلت علينا نهاية أغسطس الماضي الذكرى الخمسون لاستشهاد الأديب والمفكر الإسلامي سيد قطب، ولد سيد قطب في قرية موشا بمحافظة أسيوط في التاسع من أكتوبر 1906 وأدركته المنية في التاسع والعشرين من أغسطس 1966 تحت طائلة الحكم الجائر بالإعدام من قبل محكمة عسكرية يترأسها محمد فؤاد الدجوي بتهمة التحريض على قلب نظام الحكم وقتئذ.

كانت نشأته في كنف عائلة حباها الله الثراء والنعمة من الأراضي والعجماوات «البهائم» والبيوت وكل ذلك من مظاهر الغنى في الريف، علاوة على ذلك كان حينها الابن الوحيد لأمه يتوسط أختين، إحداهما تكبره بثلاث سنوات والأخرى تصغره بمثلها، وبالتالي وجد كل الطرق ممهدة لتدليله ومرحه.

منذ المهد على الرغم من حياة اللعب والترف التي يحياها إلا أن آمالا وأحلاما عظاما دون أن يدري انعقدت على عاتقه، بخاصة من قبل أمه، ففي صدرها قبع هاجس هو شبح الخوف من تبديد ما بقى لهم من ثروة على يد زوجها المسرف المضياف، فجل ما تخشاه أن يكتب عليهم ما كتب على إخوتها جراء تبذيرهم وبيعهم لأراضيهم التي لم يكن لها حصر، ولم ينج من تلك الكارثة سوى أخ واحد يعمل مدرسا وصحفيا بالقاهرة حيث أنقذه التعليم من إتلاف ثروة أبيهم، لذا أملت طفلها حاذقا ماهرا في التعليم حتى إذا كبر تمكن من تعويض ما فقدته العائلة الكبرى من أراض وبيوت.

بدا توسم الأم في ولدها بجلاء عندما بلغ عتبة السادسة من عمره وفكروا أن يبدأ مسيرة التعليم، عندئذ اشتد الجدال حول التحاقه بالكتاب، كما السائد في القرية، أو بالمدرسة الأولية، في نهاية الأمر انتصر فريق المدرسة بزعامة والدته، وسط هذا الجدل والنقاش الشديد لم يكن يعبأ بأحد الفريقين غارقا في غمرته الطفولية يلهو مع أخته الكبرى.

تهيأ لأول يوم كأنه يوم عرسه وذهب به أبوه وصديقه إلى المدرسة وأوصيا الفقيه والعريف برعايته وحسن معاملته، العجيب أنه في أول يوم عرف طريق الهرب مهرولا بعيدا عن تلك التمارين المدرسية وما بها من عقاب بدني لكل من يخطئ أحد حركاتها، أحست الأم بضيق وأسى وهي ترى ركيزة أمانيها تهوى من أول يوم، استمر الحال هكذا شهرا كاملا قبل أن يتخذ قرارا دون أن يُعلِم أحدا بالعودة إلى المدرسة من الغد، وبالفعل صدقت نيته ومن هنا صارت أواصر قوية بينه وبينها.

عوّل حزب الكتاب رأيه على أن المدرسة لا تهتم بتحفيظ القرآن مثلما يفعل الكتاب، بينما طفلنا دحض هذه الفكرة بإتمام حفظ القرآن بشكل كامل في سن العاشرة وكان إنجازا من نوع خاص، على حين الألفة التي أنسها بمدرسته ظهرت هناك ألفة جديدة لا تبعد كثيرا وهي ألفة القراءة والشغف بها، فبدأ يهندم له مكتبة زاخرة بالكتب القيمة.

لك أن تتخيل كيف أصبح طفل منجما أو وليا من أولياء الله الصالحين يقصده الشبان والشابات من كل صوب وحدب في قريته، مكتبة الطفل تحوي كتابين كفيلين بتلك الشهرة والصّيت هما «كتاب أبي معشر الفلكي وكتاب شمهورش»، الأول في التنجيم يرى الحظوظ المختلفة لمواليد كل فصل وكل شهر وكل يوم وأيضا استخلاص الحظوظ من اسم الشخص واسم أمه واسم الشهر الذي ولد فيه بطريقة حساب الجمل، أما الأخير فيحوي الرقي والتعاويذ ووصفات البخور، إذن ماذا ستصنع النساء إذا علمن بهذين الكتابين؟

1920 وعمره أربعة عشر عاما كان على موعد مع القطار المسافر إلى القاهرة حيث سيحل ضيفا في بيت خاله الآنف ذكره مدرسا وصحفيا، ألحقه خاله بإحدى مدارس المعلمين الأولية «مدرسة عبد العزيز»، لم يكد ينتهي منها ويحصل على شهادة الكفاءة للتعليم الأولي حتى وقع المحظور وتدهور حال الأسرة، هنا وجب عليه العمل كي ينقذ الأسرة من الضياع ويكمل دراسته العليا فعمل مدرسا ابتدائيا، 1933 حصل على بكالوريوس الآداب من كلية دار العلوم وعين موظفا بوزارة المعارف، لكن هيهات لهذا الموظف البالغ راتبه ستة جنيهات أن يعيد للأسرة ما ضاع من مركز ومال.

شطر سيد قطب إنتاجه الفكري بين التوجة الأدبي البحت ثم العمل الإسلامي ممزوجا بروح الأديب، بدأ كتابته الأدبية منذ كان طالبا بدار العلوم ناشرا مقالات أدبية ونقدية في الصحف والمجلات، يكفيك أن تتأمله باكيا لأن القدر باعد بينه وبين محبوبته التي أحبها حبا طاهرا عفيفا، يكفيك تراه يدخل معارك أدبية لمجرد حب صادق لأديب ما مثل عباس محمود العقاد فيُشهِر قلمه في وجه مصطفى صادق الرافعي ومحمد مندور لهجومهم على العقاد وكذلك يخطو خطاه الحزبية فينضم للوفد حتى 1942، يكفيك أن تعرف أنه أحد المروجين لثورة 19، فلم تمنعه حداثة سنه من قراءة مجلة الحزب الوطني في الندوات المنعقدة في دارهم بل أيضا نصب خطب وأشعار حماسية ألقاها في المساجد، إحساس مرهف وطنية خالصة حب الاستقلال وحرية الإرادة امتزجوا فصار أديبا عظيما محبذا إذا أشعر أو نقد أو روى وقصّ.

اشتمل مخرجه الأدبي على مقالات عن العقاد والرافعي وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ، ويعد سيد قطب أول من تنبأ بالقيمة والريادة الأدبية المستقبلية لنجيب محفوظ، كذلك كتاب النقد الأدبي أصوله ومناهجه، رواية أشواك، القصة الأسطورية المدينة المسحورة، كتاب كتب وشخصيات، ديوان شعر بعنوان الشاطئ المجهول، هذا على سبيل الذكر لا الحصر، تميز قطب بالجمع بين الأصالة والمعاصرة وقد كان مشجعا للشعراء الشباب أمثال الشابي ونازك الملائكة وفدوى طوقان ونادى بالفرص كي تتاح لهم ليجعلوا من أنفسهم شعراء أفذاذ كشوقي وحافظ إبراهيم.

بعد حركة يوليو 1952 بفترة زمنية تحديدا عقب انفراط عرى الارتباط أو الصداقة بين سيد قطب وقيادة الثورة وبالأخص جمال عبد الناصر كرس الرجل حياته للعمل الإسلامي بالانضمام إلى جماعة الإخوان المسلمين وترأسه تحرير مجلتها، في نفس السياق لا نغفل الكتب ذات الطابع الإسلامي قبل صبغته صبغة إسلامية خالصة ومنها مشاهد القيامة في الإسلام 1947، العدالة الإجتماعية في الإسلام 1949، السلام العالمي والإسلام 1951، كتاباه «في ظلال القرآن ومعالم في الطريق» هما الأكثر شيوعا وجدلا، هذه الصفحات قد أينعها في طيات السجن في فترة الاعتقال عقب حادث المنشية أكتوبر 1954، وطبيعته كأديب عصفور مغرد مرفرف الجناحين عذب الفؤاد أبيّ النفس يضيق صدره بالأسر والحبس عنوة وظلما، فأغلب ظني أن القلب ظل قلب عصفور إلا أن زقزقة وشقشقة العصفور لحظة ما إستحالت إلى صقير صقر جارح فظهر أثر هذا الهياج في كتابيه.

سيد قطب جان جاك روسو وكارل ماركس حركة يوليو، ملهب الجماهير كي يخلق ظهيرا شعبيا لتلك الحركة، المدني الوحيد الذي حضر بعض اجتماعات مجلس قيادة الثورة، السكرتير العام لهيئة التحريرالتي أنشأها عبد الناصر 1953 لحل الأحزاب السياسية، أثناء حفل تكريمي له أغسطس 1952 قام وقال : «كنت أيام الملكية مهيأ النفس للسجن وأراني الآن مهيأ لأكثر من ذلك»، ليرد عليه عبد الناصر قائلا: «أخي الكبيرسيد والله لن يصلوا إليك إلا على جثث أجسادنا فنحن فداء لك»، حقيقة التاريخ أخبرنا أن الرجل تحول من كل ما سبق إلى محرض متطرف وإرهابي كما أخبرنا أيضا أن مخاض ثورة يوليو لم يعمر سوى بيوت العسكريين، أما سيد قطب فلم ير يوما أحمدا بعد، ولعله رنا إلى أيام الملكية، فالزنزانة صارت زوجته وبنته وولده وحبل المشنقة قلادة النيل من الزعيم الهمام.

يا صاحب الجسد الضئيل والصدر السقيم هلم بالقلم مسترضيا ومسترحما حاكمنا السرمدي، الثبات على المبدأ والجسارة الباسلة عنوان آخر حلقة من حلقات حياته فرفض العرض متمتما: «إن السبابة التي ترتفع لهامات السماء موحدة بالله لتأبى أن تسترضي طاغيا»، مضى سيد قطب في طريقه إلى الموت مخلدا أيقونة شعرية لكل الأحرار تقول: «أخي أنت حر وراء السدود، أخي أنت حر بتلك القيود…»، مضى أديبنا ومفكرنا في طريقه إلى الموت ليَعلم العالم أجمع صدق عبارته: «إن كلماتنا ستبقى ميتة لا حراك فيها هامدة أعراسا من الشموع، فإذا متنا من أجلها انتفضت وعاشت بين الأحياء، كل كلمة قد عاشت كانت قد اقتاتت قلب إنسان حي فعاشت بين الأحياء والأحياء لا يتبنون الأموات»، والحقيقة التي لا غبار عليها أن سيد قطب شهيد الكلمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سيد قطب

المصادر

كتاب طفل من القرية
موقع الجزيرة نت، موقع المكتبة الشاملة
مقالات أرشيفية عن سيد قطب
عرض التعليقات
تحميل المزيد