اجلب مشروبك الدافئ يا صديقي، وتعال لأحكي لك عن غواية المدعو سيزيف:

سيزيف هذا هو ابن ملك من ملوك اليونان، ومؤسس مملكة عظيمة، ووالد بطل الإلياذة والأوديسة «عوليس» العظيم، رجل في مثل هذه المكانة عذبته الآلهة إلى الأبد تعذيبًا فنيًّا في الحقيقة.

كان سيزيف غشاشًا ونصابًا، واهتم بالتجارة والبيع، لكن سيزيف لم يعرف لماذا جاء إلى هذا العالم حقًّا أو الهدف منه، كان أولًا لا منتميًا، تعامل مع الآلهة بندية ورعونة.

كان يعيش ليتسلى بشكل ما، أخذته ملذات الحياة حتى ما عاد يشعر بطعمها؛ فاختار سبيل الأشرار ظنًّا منه أنه مسلك للسعادة، استولى على السلطة وقتل وقام بمغامرات كثيرة كانت للتسلية، تثبت انعدام المسؤولية.

في إحدى المرات وقعت في يد سيزيف فضيحة، وهي أن زيوس قد اغتصب ابنة إله النهر «لايجينا»، وقام سيزيف بنشر الفضيحة نشرًا كبيرًا حتى وصلت لإله النهر وتسببت في كارثة.

وقد أثار سيد آلهة اليونان زيوس بسبب الفضيحة؛ فطلب من هادس إله العالم السفلي أن يربط سيزيف بالسلاسل في الجحيم، إلا أن سيزيف قام بخداع إله الموت، وجعله يربط بديلًا عنه، مما أثار هادس هو الآخر وجعل انقلابًا على الموت يحدث بالعالم، فلم يعد البشر يموتون.

هرب سيزيف من العالم السفلي، وأقنع زوجته بألا تقدم قربانها لآلهة الموت إذا مات هو. إذن فعندما مات سيزيف لم تقدم الزوجة القربان، مما أغاظ الأرباب فطلب سيزيف أن يعود إلى العالم حتى يقنعها، وحين عاد من الموت رفض العودة إلى العالم السفلي مرة أخرى حتى صعد هادس بنفسه إلى عالم الأحياء وأورده الجحيم محمولًا من قفاه.

نتيجة لمشاغبات سيزيف الكثيرة حكم عليه زيوس بدحرجة صخرة على جبل طوال اليوم حتى يرها تسقط في آخر اليوم إلى الأبد، يرمز للشمس بسيزيف؛ لأنها تصعد طوال اليوم تنشر الضياء وتخبو في النهاية لتقوم بعمليتها النورانية من جديد.

والآن يعد سيزيف رمزًا للروتين والعمل بدون إيمان في العالم، العمل غير المشكور.

ألبير كامو يقول:

إننا جميعًا نعيش في هذه الحياة ونحارب فيها، ونحن نعلم أن هذا كله زائل، وأنه بلا جدوى، إننا جميعًا سيزيف.

قد نعد سيزيف ثائرًا وبطلًا أخضع الآلهة التي ظلمته بسبب فضح نزواتها، وقد نعده أحمق أو غبيًا لأنه قام بالتحدي، لكن في الواقع عد الفلاسفة حياة سيزيف رمزًا للعبث بلا معنى منذ البدء وحتى الحكم المؤسف الذي لاقاه. حين تتحول حياتك إلى العبث عليك أن تعيش ندًّا للعالم لا منتميًا كما يتحدث كولن ويلسون، أو تجرب الحل الذي تقدمة روايتنا اليوم «قيامة الغائب» لمنتصر أمين:

الرواية التي لدينا اليوم هي الرابعة من مسيرة الكاتب، بعد ثلاث روايات تعددت في الموضوعات واختلفت في القولبة.

القصة

تدور أحداث الرواية حول كاتب روايات شهير نوعًا ما تختطف ابنته، وتروي الرواية صراع الكاتب مع السلطة التي تحاول جذبة إلى صفوف أبواقها الإعلامية وصراعه في معرفة مكان ابنته وفقدها، وبعد عدة مشاهد مؤثرة تخرج كاميرا الرواية لتلقي الضوء على حياة بعض الأبطال حول الكاتب في قصص أخرى معلنة بدء الأحداث الحقيقية للرواية، وأن مشهد البنت كان من قبيل الجذب، فندخل في حياة داليا، وهي طالبة في الجامعة ووالدتها التي تتزوج من عجوز غني بعد موت والدها، ثم بعد موت العجوز تأخذ سكة الرذيلة في علاقتها الذكورية، وداليا نفسها التي تعجب بزميلها في الجامعة وتتحول علاقة الإعجاب إلى علاقة حب شغوفة تنتهي بداليا إلى بطن منتفخة، تثور ثائرة الأم وتقطع العلاقة، وتبدأ رحلة مع الأطباء لعلاج الموقف، ثم تزويج داليا بابن صاحبتها الذي يعمل بالخليج، وتلبث داليا في الجب بضع سنين، أما الولد فيصبح كاتبًا مشهورًا يبدأ سلسلة من النجاحات تنتهي بخطف البنت، ثم تبدأ سلسلة جديدة من الغرابة بظهور دنيا الراقصة المظلومة العاشقة له في حياته، إذ تعيد نهر الحب إلى حياته، ومن ثم تطلق داليا وتحاول العودة إلى حبها القديم بعدما وجد حبه هو، فماذا سيحصل؟

اللغة

التزمت الرواية لغة فصحى سلسة، والتزمت في بعض الفصول التي تطرقت إلى جزء من الأساطير اليونانية القديمة اللغة الفصحى في مستوى أكثر تقدمًا، إلا أن الفصول العادية لم تسلم من بعض التنافر الطفيف في الكلمات؛ مما قرب السرد إلى الطور المقالي عن الطور النثري، كما أن الحوار جاء بلغة فصحى تمتاز بالسلاسة الشديدة، مقترنًا بلمسات من اللهجة العامة المصرية اقترانًا واضحًا، ولكن هذا لم يؤثر تأثيرًا بالغًا في النص، إذا قرأ القارئ العربي هذا العمل.

الحبكة

الرواية تعتمد على عدة قصص من الأساطير اليونانية قد تحكي حكاية، والأب الذي فقد ابنته حكاية، وداليا حكاية، ودنيا حكاية، إلا أن الحبكة أتت لتغلق الحكايات الرئيسة لدنيا وداليا والكاتب، وكما تركت الأسطورة نهاية سيزيف مفتوحة؛ فقد تركت الرواية بشكل ما نهاية طارق «الكاتب» مفتوحة، والحبكة أتت بشكل مسرحي درامي للغاية لم يكن منتظرًا من عمل فلسفي يجاور الحياة، إلا أنه وبمنظور آخر يمكننا أن نعدها انتصار الواقع على الماضي وانتصار القلب على المنطق.

الشخوص

لقد كان رسم الشخوص في الرواية موفقًا إلى حد كبير، بدأت بنية الشخوص تصاعديًّا، وتزامنت مع أحداث الرواية، فهو لم يعرف الشخوص من بداية النص، بل التزم مبدأ المعرفة حسب الحاجة، ومع العمل تتكشف لك قصص الشخوص التي تشكل الرواية.

إن الجزء النفسي في الشخوص ظاهر ظهورًا كبيرًا، وأعتقد أن من مميزات الكاتب هو قدرته على النفاذ إلى مشاعر شخصياته، ولقد أيقنت بعد قراءتي هذا العمل، وهو العمل الثالث للكاتب، أن منتصر أمين لو اتجه إلى الرواية النفسية فسيبدع بشدة.

لقد أنتج منتصر عدة شخصيات في مشاريعه ما زالت تعلق في ذاكرتي مع السنين، على الرغم من أني أنسى بسرعة احداث الروايات وأسماء شخوصها، فإن شخصية كسالومي في روايته الثانية «يحيى» أتت مركبة وذكية ومثالية مثل شخصية معتز وداليا في «قيامة الغائب»، وشخصية شحاتة المصري والطبيب اليهودي وابن الجبرتي في رواية «الطواف» أولى روايات الكاتب، والتي ما زلت أذكر أحداثها جيدًّا رغم مرور ثلاثة أعوام على قراءتي لها، فالبناء الداخلي للشخوص في تلك الرواية كان رائعًا.

البناء الروائي

إن البناء يعتمد على بعض القصص المجدولة سويًّا، والتي تخرج لنا بنية الحكاية، فهو يحكي عدة قصص بالتصاعد، ويقطعها بأسطورة يونانية ليطفي بعدًا هرمونيطيقي على النص، وهذا البناء الذي يحب الكاتب العمل به يرينا تأثرًا كبيرًا بالمسرح؛ فهو بدون شعور أو بشعور، يستخدم في مشاريعه الروائية البنية المسرحية ليبني عليها الرواية بصيغة فنية.

الخاتمة

طلبت الرواية من منتصر في معرض الكتاب، في الواقع أنا لم أكن أنوي وقتها كتابة مقال بهذا الطول، بل مجرد عرض صغير للعمل من النوع العادي، أو أطول قليلًا لو أعجبني العمل، إلا أنني وجدت نفسي أمام تطور كاتب يصعد بمشروعه ليصل به إلى درجة جيدة من الغواية الفنية، أنهيت الرواية في جلسة واحدة، وهذا لم يحدث من فترة لا بأس بها، أعتقد أنه عمل جيد ويستحق القراءة والنظر، وبالطبع أنا متأكد من أنه ممتع للغاية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد