1) رابعة وكلمات الرثاء

قبل ذكري مذبحة رابعة بأيام وأنا تُساورني نفسي عن الكتابة عنها، هذه البقعة التي اقترنت بالصمود والشموخ والعزة، وسُطرت لها صفحات من أهم صفحات تاريخ هذا الوطن الحديث، والتي سُتخلد بين ضفتيه إلى الأبد.

إلا أنني وجدتني أتراجع في كل مرة مُرددًا في نفسي ماذا أكتب؟ وما عساي أن أقول؟ وقد كتبت وقلت من قبل؟ بل كتب وقال غيري الكثيرون ممن هم أفضل وأعلم وأخبر مني وممن يُعدون من أكبر كُتاب وصَحافي ومُحللي مصر، بل الوطن العربي والإسلامي، بل ربما والعالم كله ومازالوا يكتبون ويتكلمون عن مذبحة هذا العصر، خاصة وأن مرتكبيها لهم صفة خاصة فهم من نفس بنى جلدة ضحايا تلك المذبحة، وهذا من أهوال تلك المذبحة! إلا أنهم لهم صفة أخرى وهي أنهم قد نُزعت عنهم صفة البشرية فلم يُصبحوا بشرًا ولا أعلم من أية جنسٍ قد أصبحوا؟

وقلت لنفسي ماذا بقي من قول؟ فلم تعد هناك كلماتٍ تُقال وأظن أن رابعة بكل كيانها ومحتواها الآن: تُرابها وحجارتها ومسجدها وشمسها وسماؤها، بل نسمات وعليل هوائها، قد مَلَت من القولِ وكلمات الرثاء تلك، بل عزفت عن سماعهِ، وأظنها قد صمت آذانها.

فهي قد علمت بحال هذه الأمة (فما أكثر القول وما أقل الفعل لديها!) بل هي من أصبحت ترثي هذه الأمة وحالها!

وسألت نفسي هل من المعقول أن تمرض أمة من الأمم بداءِ الكلامِ فتُصبح وتُمسي طوال خمس سنوات، بل طوال ما يقرُب من 60 عامًا قبلهم لا تملك سوي الكلام ورثاء حالها؟

ربما يقول أحدهم أن هذه السنوات لا تساوى شيئًا في أعمار الأمم أقول له: هذا إن كانت تلك الأمة تعرف طريقها وهدفها، فساعتها أقول له إنه ليس المهم متى يتحقق هذا الهدف المهم أن تكون تلك الأمة قد أخذت بأسباب تحقيقه، وسلكت نحو ذلك الطريق الصحيح له!

أما أن تضل أمة طريقها وهدفها فهُنا أقول أن ما يمر من عُمر هذه الأمة مهما تضائل من وقتٍ فيه فهو محسوب عليها وعلى شعوبها لأن كل لحظة تمر وهي على هذا الحال تُكتب وتُسجل معها لحظات تأخر وتراجع لتلك الأمة.

لذا لم يُطاوعني قلمي ومن قبله نفسي عن الكتابة عن رابعة بكلمات رثاء لتلك البقعة التي طهُرت بما حملت بين جنباتها وعلى أرضها في زمن ما فئة من الناس من أفضل وأطهر وأخلص من أجنبت مصر، ولا عن تلك المذبحة التي وقعت على تلك البقعه، ولا عن رثاء من سقط عليها من شهداء وجرحى زادوا تلك البقعة من أرض مصر شرفًا وطهارةٍ بدمائهم.

فكلمات الرثاء تلك لن تُصلح حال تلك الأمة، ولن تُرجع حقوقها، بل ستزيد من آلامها وأوجاعها، وستبعد تلك الأمة عن حقوقها إلى أن تُنسى وتضيع!

2) رابعة وصراع المبادرات

في ذات الوقت كان يراودني أمرٌ آخر للكتابة فيه وجدته يسير في نفس الطريق وعلى نفس النهج ألا وهو هذا السيل من المبادرات التي تهبط علينا في كل حين وآخر ومن كل حدبٍ وصوبٍ وأصبح كل من يُسمي نفسه مفكرًا أو مُحللًا أو كاتبًا أو مُهتما بالشأن المصري أو نُخبة من النخب تيارًا من التيارات يستيقظ من نومه ويُمسك قلمه ويعصر فكره فيخرج علينا بمبادرة يسميها بما يتراءى له من اسم حتى يتفاعل معها الشعب ثم ينشرها على ما يصل ليده من وسائل نشر فيتلقفها المحللون والسياسيون والمفكرون والصحافيون ووسائل الإعلام ويبدأون في تحليلها وها هو من يؤيد وها هو من يعارض وتجد الشعب ينقسم ويتصارع حيال كل مبادرة ويقع فيما نُصب له من فخ، ثم تشعر بعدها من كل واحد يتحدث عن هذه المبادرة مؤيدًا لها أن هذه هي المنقذ الآن والطريق والمخرج مما نحن فيه.

أما إذا كان معارضًا فيُشعرك أن الواجب عليك مُعارضة ومهاجمة هذه المبادرة وصاحبها، بل قد يصل معه الأمر إلى تخوين صاحبها ومن يؤيدها.

وبما أن طارح هذه المبادرة من أحد التيارات الموجوده على الساحه أو أحد الأشخاص الذين لهم انتماء ما أو حتى ممن ليس لهم انتماءًا معينًا.

تجد وبسرعه يطرح التيار الآخر أو أحدًا ممن يُعارض المبادرة الأولى مبادرة أُخرى وكسابقتها ينبري لها المؤيدون والمعارضون، وفي الغالب كل يتمسك بما لديه ويصر على أن ما طرحه هو الأصح وهو الصحيح لحل الأزمة؟

وهكذا تجد نفسك بين مبادرات مطلوب منك أن تفهم كل منها وتستمع لأطراف كل منها ومن ثم تقع بين مناقشات وصراعات التي قد تصل إلى حد التخوين والعمالة لمن طرح المبادرة وربما لمن أيدها أو حتى ناقشها، ولا تجد هناك مناقشات إيجابية، بل تجد أغلبها محاولات لدحض أو تأييد ما جاءت به تلك المبادرة.

وهنا يجد الشعب نفسه في حلبة صراع المبادرات وللأسف بدلًا عن أن يكون الشعب حكمًا عليها ليختار أفضلها أو أفضل ما فيها، يجد نفسه وقد أصيب بالدوار بين تلك المبادرات وقد يصل الأمر إلى حد التوهان والإغماء والفُرقة.

وبدلًا من أن تكون تلك المبادرة وسيلة لإخراج الشعب والأمة من أزمتها وكبوتها وإعادة الحقوق، سواء لرابعة أو لغيرها تجدها وسيلة سحبت الأمة إلى الخلف مرة أخرى، بل سلاح جديد أطلق على صدر هذه الأمة فيُجمدها في مكانها أو ربما يدفعها دفعًا إلى الخلف، مع شق جروح جديدة في جسدها في كلتا الحالتين.

هذا هو حال كل المبادرات المطروحة على الساحة حتى الآن كلام لا يُسْمِنُ  ولا يُغنِى  من جوع، بل لا يُشْفِ من مرض.

فما أسهل إذا أردت أن تُلهى أمة وتزيد من ألامها وأوجاعها وتُفرقها أن تلقى عليها باقات ولفائف، بل ربما قذائف الكلام، خاصة إذا كانت تلك من الأنواع التى تؤدى إلى انشقاقها وتنافرها.

وفي كثير من الأحيان يكون صاحب هذه المبادرة على علم بهذا، وعلى علم بما ستؤدي إليه مبادرته من عواقب، فتُصبح بذلك تلك المبادرة معول هدم لكثير من مقدرات ومكتسبات هذه الأمة، سواء من ثوراتها أو من تضحيات أبنائها، ومن ثم يقع الشعب في هذا الصراع، الذي أزعم أنه صراع في كثير من الأحيان مُفتعل ومُدبر حتى وإن لم يكن طارح المبادرة قاصدًا لذلك إلا أن كثيرًا من هؤلاء يُستغلون لتحقيق هذا الهدف وهو إلهاء الشعب وإيقاعه في طاحونة الصراعات، وبالتالي يَبْعُد الشعب والأمة عن الطريق الصحيح الذي يجب أن يكون عليه للخروج من أزماته، وبالتالي لا يجد الشعب ما يجتمع عليه للنجاة من أزماته، وهذا بالفعل يُساعد كل القوى التي تُعادي الشعب والأمة وتتسلط على مُقدراتها، ولا أستبعد أن تكون هذه المبادرة أو تلك وسيلة من وسائل ومُخططات تلك القوى لإلهاء الشعب.

فسياسة إلهاء الشعوب ووسائلها سياسة مُتعارف عليها لدى الأنظمه الديكتاتورية، حتى تظل الشعوب بعيدة عما تفعله تلك الأنظمة، وهذا مُتعارفٌ عليه في التاريخ القديم والحديث.

والدليل على كل ما سبق أنك تجد كل هذه المبادرات التي طُرحت من قِبل كل التيارات والشخصيات وغيرها دونما استثناء تفتقد إلى الموضوعية والواقعية، وبالتالي تفتقد إلى عوامل نجاحها أو حتى إنجاحها.

وأعتقد أن هذا حدث لأن كل هذه المبادرات قامت على غير دراسة مكتملة وفعليه لواقع هذه الأمة وما يملكه ذلك التيار -الذي هو من الطبيعي جزء من هذا الشعب – من معطيات وما يتوافر لديه من إمكانيات ومُقدرات وما مدى حجمها وتأثيرها.

فمن الطبيعى أن كل معادلة لها جانبان أيسر وأيمن، وحتى تُحقق الجانب الأيسر منها لا بد وأن توجد مُعطيات الجانب الأيمن ويصعب تحقيق الجانب الأيسر، بل يستحيل دون توفير المعطيات في الجانب الأيمن فهكذا درسنا وتعلمنا.

إلا أنك تجد أن غالبية ما طُرح في هذه المُبادرات من بنود وحلول لا يستند إلى مُعطيات ولا إلى موارد فعليه يملكها هذا التيار أو ذاك أو حتى يملك وسيلة توفيرها وكذلك هو لا يُعطى الدلائل على كيفية إيجادها والحصول عليها، وتجدها طُرحت دون أن تأخذ بأسباب تحقيق ما جاء فيها، ثم أنها في غالبيتها تجدها تحوى بنودًا وحلولًا وأفكارًا تفتقر إلى فكر الآخر وعدم مُراعاة لما يطرحه ويريده هذا الآخر، والذي من المفترض أن هذا الآخر يتقابل في كثير أو في بعض الأسس والأهداف مع طارح هذه المبادرة وفي نفس معسكره.

ولهذا تجد المبادرة قد خرجت أيضًا مُفتقدة لمبدأ مهم جدًا ألا وهو التشاور ومشاركة الآخر، وخاصة إذا كان هذا الآخر من أصحاب الفكر والتخصص في المجالات التي تتعرض له تلك المبادرة.

كل هذه أمور هامة لإنجاح أي عمل أو مشروع يتم طرحه، حتى لا يذهب بعد طرحه أدراج الرياح كما حدث مع كل هذه المبادرات التي طُرحت فكلها ما لبثت أن تلاشت بعد طرحها وأصبحت وكأنها لم تكن، حتى أنك تجد من طرحها لم يعد مُتحدثا عنها ولا ذاكرًا لها، وفي كثير من الأحيان تجده بعد فترة من الزمن طارحًا لمبادرة أخرى جديدة ربما لا تمت بأية صلة لما طرحه من قبل؟

ولذا تجدها مبادرات تقوم على غير الواقع الذي تعيشه تلك الأمة، فيصعُب تحقيقها والعمل بما جاء فيها!

لذا فأنا لا أعرف إلى متى سنظل نتكلم ونُكثر من الكلام والتحليل غير الواقعى والذي لا يستند إلى معطيات فعليه نملكها والى متى سنظلُ نُرثى حالنا ونُرثى مذابحنا. الحرس والمنصة ورابعة والنهضة والترحيلات ورمسيس وبورسعيد والمنصورة والإسكندرية وغيرهم.

ومعهم باقى مذابح الأمة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها، مذابح لا تُحصى وأزمات لا تُعد، وكلها أخذت منا صفحات مُلئت بما يكفى من كلامِ الرثاء والشجب.

وأصبح الأمر لدينا كما قال أحد الحكماء (من قبيل الكلام اللين الذي يغلبُ الحقَّ البَيٍنَ).

وهنا أسأل سؤال. أو أتساءل مع نفسي:

لماذا لا يتنازل المُخلصون من كل هؤلاء من نصيب وحظوة نفوسهم وانتماءاتهم ويجتمعون على كلمةٍ سواء ينبني عليها عمل يتعامل مع مُقدرات وموارد ومُعطيات مملوكة فعليًا أو نملك أسباب تحقيقها وامتلاكها ليتم انتشال هذه الأمة من هذه الأزمة؟ لماذا لا يتنازل هؤلاء؟ ولماذا لا يتراجع من ليس لدية خبرة ببواطن الأمور؟ ولماذا لا يتراجع من ليس له دراية بإدارة أزمات الأمة؟

حقيقة الأمر أن الأمة قد وقعت في أزمة كُبرى ولإدارة  الأزمات عُلومها التي لها رجالها وعلمائها الذين لهم دراية بإدارة تلك الأزمات.

فلماذا لا يتوقف أولئك؟ طارحو مبادرات الكلام تلك ومُطلقو كلمات الرثاء!

ولماذا لا يكفينا هؤلاء داء كلامهم؟ الذي لا يُصيب الشعب إلا سلبيةً، وربما يُصيب البعض منه إحباطًا، ويصل الأمر إلى صراعًا وتناحرًا وتفرقًا!

ولماذا لا يتنازل هؤلاء عن كبريائهم في الحصول على مكانة ما، أو من أن يكونوا رموزاَ ونُخبًا ما؟

فأزمات الأمم لا تُدار بالرموز والنُخب.

ولماذا لا يكتفي هؤلاء الذين يملكون الخبرة فيُعطوها لمن لهم خبرة ودراية بإدارة الأزمات فيُعينونهم بخبرتهم تلك بأن يديروا الأزمة، وأن يضعوا سُبلًا فعليه تتلامس وتتماشى وتتماهى مع الواقع؟ وذلك لشق طريق صحيح سوى تسير فيه هذه الأمة، فيسلُكْهُ شعبها لتَخلُصَ به إلى ما ترنو له من أهداف تكون فيها حُريتها وعزتها، بدلًا عن هذا التيه والضياع والتخبط الذي تعيشهُ تلك الأمة بسبب هذا الداء، داء الكلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رأى, سياسة, فكر
عرض التعليقات
تحميل المزيد