لعل من يقرأ هذا الكلام ولا يفهم رسالتي يتناولني بالاتهام أنني أشق الصف الثوري، وأكيل الاتهامات لمن هم خلف الجدران. ولكن الحقيقة غير ذلك فاقرأ بتمعن وتجرد، ولا تزايد على حب أحد لهذا الوطن.

تقف الكلمات ولا أدري بماذا أبدأ، وأستحضر صور الأحباب الذين استشهدوا في هذا اليوم، ولكن الناظر لما حدث في مثل هذا اليوم منذ ثلاث سنوات، وتلك الجريمة التي صمت العالم أمامها دون أن يحرك ساكنًا، أو ينطق ببنت شفة عن المجزرة التي لا يماثلها ولا يشبهها في التاريخ إلا ما حدث مع أصحاب الأخدود، تحضر في ذاكرتي وأنا أكتب تلك الحروف كل المشاهد التي عشناها في ذلك المكان العظيم المبارك، ما بين صلاة وصيام ودعاء وذكر وحراسة ولعب و…

كلمات قد تفهم من معناها ما يفهمه الجميع عن هذه المصطلحات، ولكن ما أقصده لن يفهمه إلا من دخل رابعة وعاش فيها ولو ساعة من الزمان، ومن ذاق عرف ومن عرف اغترف كما يقولون.

لم أر أحدًا ممن عاش في رابعة ولو لفترة قصيرة إلا وتغيرت موازينه لهذه الحياة، ونظرته للدنيا قد اختلفت.

إن رابعة لم تكن مكانًا من الأرض اجتمع فيه من يؤيدون الديمقراطية فحسب، ولكنها كانت في قلوب أهلها هذا ما رأيته بعيني من أول يوم فيها.

رأيت فيها التواضع، والحب، والأخوة الحقيقية، والنقاء، والطهر، والعفة، وما تناولهم أحد ببهتان إلا وفضحه الله في بيته، وقد رأيت أناسًا ممن أشاعوا الفاحشة عن أهل رابعة ظلمًا قد فضحهم الله في بيوتهم، ومنهم من اتهم في عرضه، ومنهم من ظهرت له فيديوهات قد صورت له في أوضاع نسأل الله السلامة منها، هؤلاء وغيرهم الكثير ممن عجل الله لهم في الدنيا العقوبة ليستنير أهل الحق، وليعلموا أن طريقهم طريق الفلاح والنجاح والحق، فليسيروا ولا يتقاعسوا ولا يتفرقوا ولا يختلفوا فتختلف قلوبهم.

وفي وسط كل ذلك  تجد نفسك في حيرة من أين تبدأ بالحديث؟

كلما قرأت شيئًا مما يكتبه آباء الشهداء أو أمهاتهم أشعر بالتقصير في حق هؤلاء الشهداء الذين باعوا لله أرواحهم من أجل أن نحيا حياة طيبة؛ ولكن ذلك لم يحدث ورأيت في كلماتهم اللوم والعتاب عن السكوت عن حق أبنائهم، إن لم يكن ذلك صراحة فتفهمه من ثنايا الكلمات التي لو نطقت بها شفاههم لرأيت الدمع يسبق الأحرف سيلًا.

إن ما كتب عن رابعة كافٍ، فالوضع لا يحتاج لكتابة أكثر مما يحتاج لواقع على الأرض، ولكن البكاء والتباكي في ذكرى المجزرة ليس مطلوبًا، فالمطلوب هو أن نقف على محاسبة حقيقية وتقييم للواقع، والبحث عن طرائق للخروج من هذه الأزمة التي أخذت في رابعة الصفوة، وما يسمونه أفضل الإخوان الذين أُحسِنت تربيتهم على الجهاد الحقيقي، والوقوف في وجه الظلم أو الظالمين، هؤلاء الذين كانت نفوسهم ترى الجنة من وراء هذا اليوم، ويعلمون علم اليقين أنهم لن يخرجوا من هذا المكان إلا وقد ربحوا البيع الذي عاشوا حياتهم، وإن كان منهم الشباب والشيبان؛ ولكن الفئة الغالبة من هؤلاء الشباب الذين تصر القيادة دائمًا على تهميش دورهم وإقصائهم، وهذا ليس خرقًا للصف بقدر ما هو الحقيقة التي يجب التنبه لها جيدًا.

هؤلاء الشهداء هم خيرة أهل مصر، وقد اصطفاهم الله ليرفع درجاتهم وليجعل من دمائهم طريقًا نصل به إلى الحق، وأكاد أجزم أنهم لو عادوا وخيروا بين البقاء في هذه الدنيا والتمتع بها، وبين الشهادة في سبيل الله لاختاروا الشهادة، ثم بعد ذلك أخذ السيسي في النيل من كل من يلي هؤلاء الشهداء في المكانة والمنزلة، ونعرف أن المرء يبتلى بقدر دينه، ونسأل الله أن يفك أسر المأسورين.

ثم تأتي الفئة الثالثة التي لم يمّكن الله الظالم منهم، ونسأل الله أن لا يمكنه منهم أبدًا، إذا كان رأس مال المؤيدين هؤلاء الكوادر التي تربت في الميدان على البيع لله، أيعقل أن نقف مكتوفي الأيدي عن البحث عن طريقة للخروج من تلك الأزمة الطاحنة، التي على إثرها تتغير مواقف الدول بضغط خارجي من دول صارت تتحكم في مصير ملايين المصريين، لم نكن نعرف لهم صوتًا في عام الحرية الوحيد الذي عاشته مصر.

ثم يختلفون والمتوفى لم يدفن من يأخد الولاية ومن يأخذ العمامة، ونسوا أن هناك الآلاف يقبعون خلف الجدران، ومثلهم وأكثر منهم مشردون لا يختلفون عن المسجونين في شيء، ثم نقف لنتقاسم الكعكة وتعلوا أصوات من لم يكن لهم ذكر في الماضي يتحكمون في مصير من تبقى على قيد الحياة، ولا أرى لهم إلا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أشراط الساعة: «أن ترى الحفاة العراة العالة يتطاولون في البنيان»، هؤلاء اليوم من يتحكمون بمصير الآلاف وهم يتنعمون في الدول بذريعة أنهم يثبتون للغرب أنهم ليسوا إرهابيين، والحقيقة أن الغرب لن يرضى عنكم، فكفوا عن هذا الهراء وانظروا للواقع، فقد مرت ثلاث سنوات على المجزرة لم نسمع منكم إلا نفس الكلمات، ونفس التحركات، ونفس المشاهد فأصبح عدوكم لا يبالي بكم.

لا بد من العودة للميدان والوقوف بين الناس، فالجند يستمد قوته من قادته الذين يسبقونه، وليس من يملئون الشاشات بالنعيق والبكاء والعويل والاستنكار والرفض، الواقع يتغير بالحراك على الأرض، يا سادة لم نر البلتاجي حفظه الله قد ترك مصر بعد المجزرة، ولا المرشد العام، ولا محمد وهدان، ولا عبد الرحمن البر ولا… غيرهم الكثير لم يهربوا ولم يتركوا الميدان، هروبكم أصبح غاية لكل مضطهد أن يحذو حذوكم ويهرب من قضيته، ونبقى ثوارًا خلف الشاشات والكاميرات، نبكي أمام الناس ثم نعود لنواصل الحياة من جديد بين الأهل والأزواج والأبناء، نبحث عن مكان للنزهة ونسينا نساء تسهر الليالي لتجهيز زيارة لابن أو زوج أو أخ أو قريب، ثم يسافرن في ظلام الليل ويعانين المشقة ليصبح أملهن الوحيد هو أن يدخلن الزيارة ولا يتم منع الطعام.

إن من ترك الميدان نسي القضية، إن لم يكن باعها أصلًا إلا القليل من المشاركات على مواقع التواصل، منذ شهور جلست مع أحد الذين جاءوا أخيرًا من مصر، فقال: نبحث عن حالة حديثة العهد بمصر يقصد جاءت من مصر حديثًا، فقلت: لماذا؟ فقال لأنني رأيت أن كل من ترك مصر نسي القضية ولم تصبح أول اهتماماته، فقال: الآن كل واحد منكم يفكر في المكان الذي سيذهب مع أبنائه وزوجته للتنزه فيه غدًا، ومع ذلك ففي مصر العسكر يستعد لقتل المتظاهرين الخارجين غدًا، وفريق آخر يستعد للخروج في تظاهرات ضد هؤلاء، ومنهم من سيكون شهيدًا وأنتم تتنزهون.

رسالة أحببت أن أجهر بها في ذكرى المجزرة، عل القيادة الحالية أن تتحرك وتترك خلافها وانقسامها، وتبحث عن سبيل للنجاة بما تبقى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد