قدّر الله لي أن أكون خارج مصر في أحداث رابعة ولكن من فجر ذلك اليوم وأنا لم أتوقف عن متابعة الأخبار لحظة واحدة، وكلما زادت الوحشية وزاد عدد الشهداء كلما تمنيت أن ينتهي اليوم ولكن كانت مجرد أمنيات فمازال اليوم في أوله، القتل في كل الصور، والاستغاثات لا تتوقف، لأول مرة يرى المصريون هذه الصورة الدموية واقعًا، وخاصة أنها بأيدٍ مصرية، وهذا كان من وجهة نظري شيئًا غريبًا، فلم يفكر قادة الانقلاب ولو لثوان في رد فعل الشعب المصري على قتل إخوانهم وأقاربهم وربما أبنائهم بهذه الطريقة البشعة، لم يكترثوا من غضبهم أو ثورتهم أو رفضهم لهذا القتل والوحشية غير المبررة أو ربما كانوا يعلمون أن شيئًا من ذلك لن يحدث.

نعم كانوا يعلمون جيدًا أن هذا الشعب لن يحرك ساكنًا، فقد دَرسَت قيادة الدولة العميقة وقادة الانقلاب هذا الشعب جيدًا، نعم درسوه بالإضافة إلى معالجة أخطائهم في يناير، فأحكموا قبضتهم بشكل كامل، لقد انشغلنا بمساعدة الشعب لسد جوعه وعلاج مرضه – وهو دور الدولة والحكومة – عن بناء الفرد وعن تثقيفه وتعليمه، أعطيناه خبزًا ولحمًا كي ينتخبنا مرة، ولم نُعلمه حتى ينتخبنا كل مرة، فعلنا ما كان يفعله الحزب الوطني حتى وإن اختلفت النوايا، فالسياسة لا تعتمد على حسن النوايا أو سوئها، لم نفكر لحظة لماذا تركنا مبارك عشرات السنين نعمل دور التكافل الاجتماعي؟

وبعد يناير ظلت الدولة العميقة متماسكة بشكل جيد، لم تنقسم بل كانت تُصدّر الانقسامات لجميع القوى، واخترنا أيضًا أن نُكمل دور التكافل الاجتماعي، وتقديم الخدمات المجانية، دون استغلال للحرية الموجودة في هذا الوقت للعمل على تغيير عقول تم تجريفها لعشرات السنين، وعلى الجانب الآخر كانت دولة 30 يونيو تعرف شعبها جيدًا وتأكدت من ذلك خلال عملية الشحن الإعلامي المنظم خلال فترة الرئيس المُنتخب.

وعندما تم الانقلاب في 3 يوليو كان الشعب جاهزًا أن يتقبّل أي شيء، فلم يحرك ساكنًا عندما رأى الدبابات والجراقات تُمزق أجساد الشباب، لم يتمعّر وجهه عندما تم إحراق المسجد في رابعة أو حصار مسجد الفتح ولم يُلقِ بالًا بضرب الطيران للشباب في رمسيس، لذا كانت رابعة هي الفرقان.

رابعة فرّقت بين الصراع السياسي وبين القتل المُمنهج، بين الأخطاء والخطايا، بين المراهقة السياسية وبين الإجرام المُتعمد، رابعة كانت الحد الفاصل بين الإنسانية واللا إنسانية، بين العقل والجنون، رابعة كانت الفصل الأخير في الفُرص الممنوحة لكل من يدير المشهد، فبعد رابعة لا أعذار ولا تبريرات بُحسن النوايا، ولا وقت حتى لحسابهم الآن فرابعة كانت الدليل الدامغ على عبثية إدارة المشهد من بعد الثورة.

كانت آخر قطرة إحساس في قلب الشعب المصري الذي في رأيي فقد يومها الإحساس و الآدمية، فقد القدرة على التمييز بين الصراع السياسي وبين الصراع الدموي على السلطة، سقط معها آخر قناع للمعارضة الحقيرة التي تقبل بذبح خصومها مقابل مكاسب سياسية، سقطت معها قذارة اللحى التي لا تستطيع قول الحق بل إنها تُعين الباطل وتُفصّل له الفتاوى حسب الحاجة، سقطت العمائم الأزهرية الخانعة للنظام الخائن، وسقطت الرحمة والطيبه من هذا الشعب.

لم يكن لدي أي مشكلة نفسية مع مؤيدي 30 يونيو ومؤيدي السيسي حتى يوم رابعة، حتى هذا اليوم كان الخلاف سياسيًا بشكل كبير، لكن وبعد أن حوله قادة العسكر الانقلابيون إلى صراع وجود، وقَبِل مؤيدوه بقتل الأطهار في رابعة بل ورقصوا طربًا لقتلهم حتى تحولت العلاقة بيني وبينهم إلى شعور كراهية واضح، ومع زيادة الظلم والاعتقالات والتصفيات الجسدية والاختفاء القسري، زاد هذا الشعور من مُجّرد كراهية إلى سعادة وشماتة في مصائبهم خاصة إن كانت على يد هذا القاتل ونظامه بغض النظر عن شرعيتها لكن هذا الشعور يتملكني مباشرة وقتها.

وفي ظل خنوعنا وعدم قيامنا بأي دور فعلي للقصاص، فلا اعتذار يكفي ولا تبرير يُخفي حقيقة وضعنا المُزري، ولا أي تنظير يغفر تقصيرنا في حقهم، فسلام عليكم أهل رابعة من الشهداء والمُعتقلين، سلام عليكم إلى يوم نكونُ فيه رجالًا نأخذ حقكم، طابت أرواح شهدائكم في السماء، وفك الله بالعزّ أسر المعتقلين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

مصر, معتقلين
عرض التعليقات
تحميل المزيد