رابعة قصة الحلم واغتيال الحلم، ميدان رابعة ومذبحة رابعة وشارة رابعة ثلاثية تستوجب التوقف والمراجعة الذاتية، فهي تؤرخ للحظة زمنية وجيل ثوري وتجربة جديدة لم نمنح الزمن الكافي للتحميص. ما بين ميدان التحرير الثورة وميدان رابعة المذبحة قصة (المولود) الممتد على أفق الحلم حتى المذبح بسكين من يفترض أن يرعاه، وما بين الولادة والموت زمن متخم بأحداث كثيرة ووقائع متواترة وشخوص حضروا وغابوا تستوجب منا الإنصاف في الشهادة والتأني في إصدار الأحكام.

رابعة اليوم أيقونة عالمية، ونص تاريخي، يستوجب قراءتها قراءة نقدية عميقة وحضارية بناءة ليست ملك لأحد، ملك كل حر وثائر على ظهر هذا الكوكب، تصطف إلى خانة الثورات الكبرى التي غيرت مجرى التاريخ الإنساني الكبير، ومنحته الهام الإرادة والقوى والانتصار، ثورة تنصر للقيم الإنسانية الكبرى وحقوق الإنسان الحر الذي يستوجب الحماية والمنصارة والتمتع بحقوقه الطبيعية، الأمر الذي يستوجب منا الخروج من دائرة النواح والبكاء إلى دائرة التشريح والقراءة الحضارية للأحداث.

من الخطأ الكبير في حق رابعة وشهدائها الأبرار، أن نحول رابعة إلى يومية سريعة من يوميات البكاء الشيعي الكربلائي ثم نمضي إلى حال سبيلنا، دون القدرة على تحويلها أيقونة جديدة للثورة وموجة جديدة من موجات التحرر الإنساني والبشري، سمفونية ثورية خالدة تصبغ الوعي والخطاب والسلوك والممارسات والمقولات اليومية بطبعها الثوري.

في رابعة كانت بداية الجريمة العربية الكبرى بحق الربيع العربي، التي فتحت الباب لشتاء قارس يغتال كل شتلات المعاني والقيم الإنسانية التي زرعها الشباب ورووها بدمهم وفدوها بروحهم، جريمة ستظل ممتدة الأثر في مسيرة التاريخ العربي والعالمي على حد سواء، جريمة استحضرت كل بشاعة التوحش الإنساني في لحظة ارتكابه للجريمة واشتملت على أقسى وأبشع ما يمكن أن يرتكبة الانسان بحق الانسان، جريمة مازالت صدمتها لم تفارق من عاصرها وعايشها، وتتفاعل في كل محفل عالمي حر، فهي بعد مضي ثلاث سنوات من المذبحة مازالت بلا عقاب، تحكي قصة القوة العسكرية التي تستعصي على العقاب وتكشف الحياد المعيب للشرعية الدولية.

رابعة كشفت الأقنعة السياسية والثقافية والدولية المجردة من قيم الإنسان، ومشروع الأمة النهضوي، فسقطت كثير من القامات الدينية والعسكرية والثقافية في وحل حقد الشخصي المجرد من المشروع الحضاري الجامع، فكان مسعد الجمع وهم يتعاهدون علنًا أمام الإعلام على الجريمة ويوقعون على مشهد الذبح، لقد سقط الجميع في اختبار الديمقراطية والإنسانية الأول، وركعوا عن رغبة دفينة العسكر بلا وازع من دين أو رادع من ثقافة، وسقط بجوارهم العالم المحايد الذي أيد أو سكت وهو يشاهد هول الجريمة ويساعدها دون أن يحرك ساكنا، عالم مسكون بالنفاق السياسي، والحرص كاذب على حقوق الإنسان.

رابعة اليوم مشهد ممتد للمراجعة الثورية والسياسية، تستوجب المراجعة العميقة للسلوك الثوري خلال الفترة الممتدة من مخاض التحرير إلى حشرجة رابعة، مراجعة بحاجة إلى جرأة قيادية وسياسية، حتى لا يتكرر المشهد، ونقدم للأجيال خلاصة تجربة تحصنهم من أوجاع السقوط، مراجعة تتناول الإعلام العاجز في مقابل إعلام جلد سقاط الكاذب، الممارسة السياسية الصادقة عاجزة، في مقابل مكر خفي لم يردع بأدوات القرار الذي نمتلكه، تعاملنا مع المشهد أين أصبنا وأين عجزنا، وضرورة المراجعة تقتضي التوحد في القيادة والأهداف الكبيرة والمرحلية، والمحاسبة الداخلية، والاعتذار الجريء للشعب وللضحايا، هذه المراجعة ستدفع القضية إلى نصر أكبر ستخرجها من دواليب البكائية إلى أفق آخر من الكفاح والمناصرة، مراجعة يشارك فيها المصري وغير المصري من أولي الرأي والحكمة والمنهجية لأن رابعة تاريخ سجله الجميع.

تذكرنا لربعة لا يعني بحال من الأحوال تسديد سهام نقدنا للمؤسسة العسكرية المستبدة التي اغتالت الحلم وأفسدت معنى الثورة، والتي تمتلك من الغباء المركب ما لم تمتلكه طبقة عسكرية تاريخية عبر تاريخ العرب بل يجب أن نسعى للمطالبة بمحاسبة المعتدين على حقوق الثوار في الميدان أمام قضاء شعبي محلي وعالمي ثوري يليق بعنوان التاريخ، وعنفوان الثورة، تنقصنا الخبرة الكافية في الانتصار لقضايانا الإنسانية العادلة، واستيعاب أدوات الصراع العالمي في مثل هذه القضايا بحيث نجعلها حدثا يوميا وعالميا لا ينتهي زخمه، تطارد الظالمين في كل لحظات حياتهم، رابعة ليست أقل عدالة من الهولوكوست، أو غيرها من المجازر التي ارتكبت بحق الثوار، فبقليل من التجرد والإبداع في النضال ستعرف العدالة طريقها إلى حياة الضحايا والقصاص إلى رقاب المجرمين.

في يوم رابعة انتصرت أسماء البلتاجي وأخواتها من أساتذة الحرية وعباقرة الكرامة تحولت رابعة إلى أيقونة الانتصار ونشيد الحرية وشارة للنضال والزمن الجديد.. وهرب فئران الثورة المضادة مذعورين كالحة ووجوههم كأنهم رؤوس الشياطين تطاردهم اللعنات وترعبهم الشارات والشعارات وتخيفهم صيحات الأطفال التي تبحث عن الزمن الكريم وستستمر هذه الأصوات خالدة تعانق ضياء الفجر، لون الزهر، جمال الربيع حتى يفرح المستضعفون بالنصر المبين.

رابعة، معركة لم تنته، فصولها مفتوحة لن تغلق، شذاها حلق في السماء، مزهرا ربيعا عالميا في الملاعب الرياضية والساحات العامة والمنتديات والجامعات والعالم الافتراضي، فأصبح رعبا في الممالك المحنطة وهلعا في الدول المتآمرة تراهم يتخبطون كالذي أصابه مس يجاهرون بالعداء كالمسعور.

فالكلمة التي تنصر لرابعة مدانة وشاراتها محرمة، قصص الأطفال القصر في السجون، والشيوخ المرضى، والأعراض المهانة، وجه آخر للعرب الذي يسكن فريق الظالمين وقوتهم العسكرية.

رابعة قصة تختزل الحالة العربية الرخيصة، أموال وخبراء وعملاء ودمار ومحكمات وأحكام مجنونة ودمار وخيانة لإسكات رابعة. لكن هيهات، إنها قصة العشق المقدس للحرية، ورواية التحرر العام في العقول والنفوس، تولد كل لحظة في جغرافيا متعدده في تركيا أردوغان وغزة المقاومة والعزة والانتصار، تولد في كل زاوية وشارع وبيت، تولد كل ليلة في شوراع مصر وصواريخ القسام وفيسبوك الأحرار العالمين وتقارير المنظمات الحرة والقنوات الأصيلة.

رابعة كانت ومازالت امتدادا للحلم العربي الذي اشتعل فتيله في تونس الخضراء، وزاد توهجا في تحرير مصر، وعنونت سلميته في شوارع صنعاء، وأدميت في ليبيا ومدن سوريا. اختزلت الحكاية وكتبت قصة الزوايا الظلمة الخلفية للتآمر، قصة الخوف الذي اغتالته جرأة الحرية وكبلته أشواق المستقبل.

لم يكن ميدان رابعة ساحة احتجاج ضد اغتيال العسكر للحلم وحليفه من المال العاهر والقوة الساقطة وكفى بل كان رحلة جميلة لاستعادة الحلم وشوق طفولي لأم غائبة سيستمر هذا الشوق في تلافيف العقول، حنايا العبارات، وجع الأمهات، ذرات الأثير، بذور الثمر، لن تموت الأشواق ولا تتلاشى الاحلام، ولا يفلت الجاني من العقاب، العدالة الإلهية بانتظار الجميع، وسنن الأحياء والحياة ترقب المشهد وستكون بالمرصاد.

رابعة هي قصة الزمن الجديد والعهد الجديد الذي نراه في الواقع في عيون الأطفال وفي القيم التي تشق تراب الأرض، الرواية التي أوشكت فصولها على الخاتمة، خاتمة الحرية وسقوط الطغيان.

رابعه ستنتصر والحرية لن تموت، والدماء القانية ستصبغ وجه العالم بالكرامة، وبانتصار الشهداء ستكتب الخاتمة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

رابعة
عرض التعليقات
تحميل المزيد